هل يبرأ انفجار بيروت من السياسة؟

على رغم ثبوت أن انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي غير سياسيّ إلاّ أنّه غير مُبرّئٍ تمامًا من السياسة فقد أعقبته المشاهد السياسية التي دلّت أنّ "التسييس" بات يلحق حتّى بغير المسيّس في الشرق الأوسط. رأينا حسن نصر الله يخرج بعد الانفجار مباشرة لـ"يبرئ" حزب الله من شبهة تدبير الحادث وليؤكد أن الحزب لن يقصر في المساعدة في الجهود الإغاثية وليدعو اللبنايين لمجابهة الحادث يدًا واحدة، ثم رأينا وصول إيمانويل ماكرون على وجه السرعة إلى بيروت وتجوله في شوارعها على شكلٍ يؤكد أنّ لبنان وريثة فرنسا الاستعمارية كان ولا يزال أولويةً أولى للسياسة الخارجية الفرنسية. هذا ناهيك عن الاحتجاجات السياسية المتوقعة واستحضار مجابهة إسرائيل إلى قلب الحدث.

 

والحادث غير مدبّر وغير مقصودٍ بالفعل ويشهد على ذلك تضافر القرائن والسياقات. إذ تواترت الأدلة في التقارير والتحقيقات الصحفية أنّ الانفجار حدث نتيجة الفساد الحكومي والإهمال الجسيم. إذ لا يمكن في أيّ دولة ذات مسؤولية أن تحتفظ بشحنة نترات أمونيوم يبلغ وزنها 2750 طن – دون سببٍ وجيهٍ – في مرفأ تجاري وعلى مقربةٍ من العمران السكني. كما أنّ قصّة وصول شحنة النترات إلى مرفأ بيروت باتت قصة معروفة ومتواترة وقد تبين أنّ سبب انتقال الشحنة في الأصل كان سببًا تجاريًا اقتصاديًا يخصّ أغراض المناجم في موزمبيق. وممّا يرجّح ويؤكد عدم تدبير الحدث أنّه في الحقيقة لا مصلحة معتبرة من تفجير مرفأ لأي غرض سياسي ولا دلالة فيه.

 

ويبدو أنّ تصور حدوث حوادثَ عنفٍ داميةٍ دون ارتباطٍ بالعنف السياسيّ بات أمرًا مستبعدًا في شرقنا العربي فتوجهت أصابع الاتهام في سرعة شديدة إلى حزب الله حيث  اعتقد بعضهم أنّه قد يستفيد من مادة نيترات الأمونيوم التي استخدمت من قبل في عمليات تفجير. إلاّ أنّ القناعة النهائية انتهت للقول أنّ الحادث حدث جرّاء الإهمال والفساد.

وبالرجوع للحوادث السابقة التي انفجرت فيها نترات الأمونيوم، يتضح أنّها حدثت لحوادث إهمال ولحوادث سياسية على قدم المساواة. فمن الحوادث الفنية وحوادث الإهمال، انفجار شحنة من النترات في تكساس في الولايات المتحدة عام 1947 التي أودت بحياة 500 مواطن، وانفجار شحنة أخرى في الصين عام 2015 أودت بحياة 173 مواطن. ومن حوادث العنف السياسي التي استخدمت فيها شحنة النترات حادث أوكلاهوما في الولايات المتحدة عام 1995 الذي أودى بحياة 168 مواطن، وحادث مومباي في الهند في 2011.

 

هذه الحوادث تدل أنّ مادة النترات تستخدم في حوادث عنف سياسي بالفعل. أقول أنّه قد ثبت عدم تدبير الحادث وإرجاعه لسبب الإهمال الجسيم والفساد. ولكن قصة الشحنة تقول أنّه قد انتهت صلة مشتريها رجل الأعمال الروسي وطاقمها الفني بالشحنة في العام 2013، وأنّها غدت مسؤولية مرفأ بيروت وحكومتها منذ 2014. فلماذا احتفظ المرفأ بالشحنة لمدة ست سنوات؟ ولماذا لم توجد نية للتخلص من الشحنة أو استخدامها في أغراض سلمية مثل تسميد الأرض الزراعية؟ إذا كان "الإهمال" هو السبب، ألا يحقّ لنا أن نتساءل عن سبب الإهمال؟ وعمّن يستفيد من جرّاء هذا الإهمال، أو من الذي يشجع على هذا الإهمال؟ وإن صاحب الفسادُ الإهمالَ فمن المستفيد من جرّاء هذا الفساد كذلك؟

 

لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أنّ حربًا دائرة في سوريا على القرب استمرت لعشر سنوات، ولا نستطيع أن تجاهل كذلك أنّ حزب الله وما يدعى بـ"المقاومة الإسلامية" لإسرائيل يفضل الاحتفاظ بما يسبّب له ما يدعوه "توازن الردع" مع إسرائيل. لا نستطيع أن نتجاهل كذلك كم حوادث الإرهاب التي حدثت في المشرق العربي في السنوات الستة المذكورة. يقول الباحث "ديفيد داوود" في المجلس الأطنطي، أنّه وعلى رغم أنّ الشحنة لا تخص حزب الله في المقام الأوّل، إلاّ أنّه من المستبعد ألاّ يكون الحزب على دراية بوجود الشحنة ناهيك عن درايته التامة بخطورتها، بل والأخطر أنّه من المستبعد أن تفوته فرصة وجود مادة تفجيرات قد جاءت إلى بيروت "على الطبطاب" كما يقول المثل. وعلى رغم تبريء حزب الله لنفسه على العلن، إلاّ أنّ التساؤلات السابقة عن ماذا كان سيُفعَل بشحنة النترات إن لم يقدر لها الانفجار تبقى مشروعة ؛ خاصّة أنّ خبير تفجيرات لبناني قد ادّعى في تصريح على موقع بي بي سي عربية أنّ الانفجار الحادث يُرجح أنّه حدث تحت تأثير شحنة نيترات أقلّ من 2750 ويتساءل عن مصير الكمية المفقودة وفيمَ استخدمت من قبل؟ وهو السؤال الذي لن يُجاب على الأرجح، وسيظل الفساد والإهمال الحكومي يتحالف مع العنف السياسي سواء استُطيعَ إثبات ذلك بالأدلة أو لم يُستَطع، إلاّ أن الفرضية العقلية بتلازمهما مستساغة. وحتى تنفك هذه الفرضية ستظل تفجؤنا الخطوب المدلهمّات مثل حادث بيروت.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة