logo

لماذا الهجوم على التطبيع الإماراتي أقوى من غيره؟

ثمة من يدافع عن قرار الإمارات الأخير أي تطبيعها مع الصهاينة، أو من يستهجن ما يراه استهدافا وهجوما مركّزا على الإمارات فيما هناك سكوت وغض طرف متعمد عن دول وأطراف أخرى قامت بإبرام اتفاقيات وتطبيع علاقات مع الكيان العبري، ولم يكن هناك هذا الحجم من الهجوم عليها؛ ويضيف هؤلاء: هل هناك تطبيع (حلو) وآخر(مالح)… ألم توقع مصر كامب ديفيد، ألم يوقع الفلسطينيون وهم أصحاب القضية اتفاق أوسلو وملحقاته، ألم يوقع الأردن اتفاقيات وادي عربة، ألم تفتح مكاتب تمثيل تجاري بين إسرائيل وقطر، ألا تقيم تركيا علاقات مع إسرائيل منذ عشرات السنين؟ لماذا سكتم عن كل هؤلاء وصببتم جام غضبكم على الإمارات التي ليست أول من اتجه هذا الاتجاه، ويبدو بأنها لن تكون الأخيرة؟

رفض تام ومطلق للتطبيع

لا بد من التأكيد القطعي الذي لا يقبل التأويل ولا يحمل إلا وجها واحدا على رفض مبدئي تام لأي نوع من العلاقة بين أي دولة أو مجموعة أو هيئة أو غيرها تنتسب إلى العرب والمسلمين وبين الكيان الصهيوني، وهذا موقف يجب أن يكون من المسلّمات، التي أحزن لأنني عشت إلى زمن صار لا بد فيه من شرحها وتوضيحها والتعليق عليها؛ وبالتالي ليس هناك تطبيع (حلو وآخر حامض/مالح) مثلما يقول بعض الساعين إلى تهوين شأن خطورة توجه الإمارات، بتلك المقارنات.

 

وإذا وجد بعض من يبرر علاقات دولة أو طرف بالصهاينة بأسباب سياسية أو اقتصادية أو ما شابه، فليكن مسؤولا أو متحدثا باسم تلك الدولة، لا أن ينجر أهل الرأي وقطاع من المثقفين، ونشطاء مواقع التواصل إلى هذا المربع، فيغدون –دون قصد غالبا- مدافعين عن تطبيع دولة ما، اتركوا الدول وشأنها فهي أدرى بكيفية الدفاع والتبرير، ولا تتطوعوا بتاتا لمثل هذه المهمة، وأخص بكلامي أبناء شعبي الفلسطيني الرافضين للتطبيع؛ فنحن نرفض التطبيع مبدئيا بغض النظر عمن يقوم به. ومن جهة أخرى فإن الحدث الساخن في ملف التطبيع حاليا هو ما قامت وتقوم به الإمارات، وبالتالي من الطبيعي والمنطقي التركيز عليه أكثر من غيره، وتجنب تمييع رفضه باستحضار أمثلة وحالات أخرى، مما يجعل الإمارات تبدو كغيرها، وهذا ليس صحيحا كما سأبين لاحقا.

كان هناك رفض أقوى

ثم من قال بأنه تم السكوت أو التغاضي عن توجه دول وأطراف أخرى للتطبيع مع إسرائيل أو إقامة علاقات معها؛ ولنبدأ بزيارة السادات المشؤومة إلى القدس، وما تلاها من توقيع اتفاقيات كامب ديفيد؛ ألم تخرج مظاهرات عارمة في مدن عربية عدة تستنكر هذا التوجه بكل قوة؟ ألم يتم نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة، وتمت مقاطعة مصر من معظم-إذا لم يكن جميع- الدول العربية، بل قيل بأن الملك خالد ذهب إلى الكعبة ودعا ربه بأن تسقط الطائرة التي يركبها السادات.

 

صحيح أن المسار الرسمي الرافض لتوجه السادات، ينطبق عليه ما قاله الشاعر العراقي (أحمد مطر) في بعض لافتاته (الثور والحظيرة) و (أقزام طوال) ولكن على المستوى الشعبي استمر الرفض، ولا ننسى أن السادات نفسه قد قُتل، وقاتله (خالد الإسلامبولي) جعل على رأس الأسباب التي دفعته لقتل السادات، اتفاقيات كامب ديفيد…فمن يقول بأن الهجوم الذي تتعرض له الإمارات لم يسبق له مثيل لا يقرأ التاريخ أو يتغاضى عنه. ولكن لا شك بأن وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات تعطي انطباعا مختلفا نظرا لكثافة المواد المعروضة على مدار الساعة، وهي لم تكن موجودة في عصر السادات. واتفاق أوسلو كان هناك رفض كبير وصاخب له، ويكفي أن نقول أن إفرازاته قادت إلى الانقسام الفلسطيني…وكذلك كان هناك رفض لاتفاق وادي عربة، وغيره.. فادعاء أن الإمارات تُهاجم وتُنتقد، كحالة فريدة غير مسبوقة فيه تضليل ومبالغة.

الإمارات حالة تحالف وتصهين

ما يميز التطبيع الإماراتي أنه جاء في توقيت وظرف ظهرت فيه حقيقة رؤية إسرائيل والولايات المتحدة لما يسمى (عملية السلام) بأنها خضوع واستسلام دون أن تقدم إسرائيل أي تنازل، ولو صوريّ يحفظ ماء وجه القوم، وقد عبر نتنياهو عن ذلك بلا مواربة، حين تحدث عن القوة، وأيضا ثمة ملاحظات أخرى تنسف مقارنة الإمارات بغيرها:-

1)   التطبيع الإماراتي الإسرائيلي ظهر فيه موضوع الأمن وتحديدا جهاز (الموساد) الصهيوني الغني عن التعريف بالقذارة والإجرام في ترتيب اللقاءات مع الإماراتيين بل الإشراف عليها وزيارة رئيسه للقاء المسئولين الإماراتيين، مما يعني أن الإمارات صارت حليفا أمنيا للصهاينة، ولا يقتصر الأمر على تبادل سفراء وتعاون في مجالات مدنية معينة.

2)   ظل السلام المصري الإسرائيلي يوصف بأنه بارد ورسمي حتى نفذ السيسي مع إسرائيل، وينتج أفلاما ومسلسلات عن حروبه العلنية والسريّة معها، من زاوية الافتخار، ولكن وجدنا الإعلام الإماراتي وما يتبعه أو يتماهى معه، خاصة في الخليج يشتم العرب والمسلمين والفلسطينيين، ويكثر القول بأن فلسطين حق لليهود، وأن الفلسطينيين يتسولون الدعم، وأنهم رفضوا ما طرح عليهم من حلول كالتقسيم وغيره، ناهيك عن جرّ كل طبقات المجتمع لتمارس هذا الدور من مشايخ ودعاة وصولا حتى إلى أطفال أبرياء، وكأن الإمارات تريد أن تتحول إلى منطقة نفوذ خاصة باليمين الصهيوني…وقد رأينا حالات التطبيع والتسويات السابقة تتلبس التبرير الخجول، أو استحضار بطولات سابقة، ولكنها خلت من إنكار الحق الفلسطيني، وتبني الرواية الصهيونية، بينما الإمارات ذهبت مذهبا بعيدا في ذلك، مستخدمة أدواتها الإعلامية ومسئولين أو موظفين من غير الأسرة الحاكمة، ربما للتنصل منهم لاحقا، ولكن الناس ليسوا أغبياء، فلا يجرؤ أي شيخ أو موظف أو حتى مقيم على أرض الإمارات أن يتفوه بما يتفوه به بلا إيعاز وتوجيه من حكام البلاد.

 

3)   الإمارات ليس لها ماض في الحرب مع الكيان تتمسح به مثلما فعل الآخرون، وليست مضطرة لهذا الارتماء في الحضن الصهيوني، وهي خالفت المبدأ الاستسلامي الخانع عربيا (الأرض مقابل السلام) وانتقلت إلى مبدأ جديد ومرجعية رسمها أشرس الصهاينة وأكثرهم غطرسة واستعلاء (السلام مقابل السلام) فمصر تذرعت باستعادة سيناء ولو ضمن شروط، و م.ت.ف قالت بأن أوسلو مقدمة لانسحاب إسرائيلي وإقامة دولة مستقلة، والأردن قال بأنه استعاد أرضا ومياه، فماذا عن الإمارات في ظل ظرف مختلف؟ للتذكير فإن الدول الأخرى وقعت اتفاقيات في ظل حديث مكثف عن السلام والتعايش ولغة دبلوماسية أمريكية بعكس الظرف الحالي.. وبالتالي طبيعي أن يكون الهجوم على الإمارات أشرس، خاصة مع البذاءة التي تبديها أذرعها.

 

فهل يتوقع المدافعون عن الإمارات شيئا آخر في ظل المعطيات المذكور جزء منها؟ فلا قول الإمارات يسعد ولا حالها يسرّ، وهي تستفز الأمة مراهنة ومستقوية بالمال والدعم الصهيو-أمريكي ونفوذها في بعض الدول كي تطلب منها إسكات أي صوت رافض لمسار التطبيع، بل أرى أن الهجوم على نهج الإمارات التطبيعي أقل من المستوى المطلوب…كل العلاقات والاتفاقيات مع الكيان مرفوضة ولا ندافع عنها ولكن الأسوأ  بكل المقاييس حتى اللحظة ما كان من الإمارات.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة