الورقة التي تحكم العالم

بعد انتهاء الحرب في أوروبا بانتصار ساحق للحلفاء على الفاشية المنتشرة آنذاك بقيادة الحزب النازي، كان المنتصر الأكبر في تلك الحرب هي الولايات المتحدة الاميركية على كافة الأصعدة، فهي الدولة الوحيدة التي لم تمس أراضيها بالقصف والدمار .فلقد كانت مدنها وترسانتها العسكرية والاقتصادية ومصانعها في مأمن من القصف والقتال الضروس، مما عزز إمكانيتها في فرض شروطها ورؤيتها الرأسمالية على العالم الذي سوف يولد قريبا بعد انتهاء الحرب نهائيا، وبعد تولي الرئيس هاري ترومان قام بعقد مؤتمر من أجل إنشاء منظمة عالمية تفرض السلام في عالم يسبح في الحروب وكما أراد تأسيس مؤسسة مالية عالمية تتحكّم بها أميركا للسيطرة على التجارة العالمية والسياسة النقدية، وكانت أميركا آنذاك الدولة الأنسب لتدير هذه العملية وذلك لأن العالم الجديد يحتاج الى نظام تجاري عالمي جديد كما أن الولايات المتحدة الأميركية آنذاك كانت تمتلك ثلثي احتياطي الذهب في العالم وأصبحت تنتج 50% من إنتاج العالم من مواد غذائية ومواد أساسية يحتاجها العالم لبناء مجتمعات قد اندثرت بسبب هذه الحرب، لأجل كل هذه الأسباب جاء مؤتمر "بريتن وودز" ليفرض الدولار الاميركي كعملة عالمية يتم تداوله في كل النشاطات الاقتصادية والنقدية وتم إنشاء أربع مؤسسات عالمية؛ الصندوق النقد الدولي والامم المتحدة والبنك الدولي ومؤسسة التجارة العالمية.

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد إلقاء الولايات المتحدة الأميركية قنبلتين نوويتين على اليابان، عززت سطوتها العسكرية على العالم وزرعت في قلب السوفيات الرعب مما أجبرها على المضي في إنتاج أول قنبلة نووية سنة 1949 وبداية الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب مباشرة، بسبب هذه السطوة أصبحت الولايات المتحدة الأكثر ثراء وأصبحت دول العالم كله ترسل سبائكها الذهبية للحصول على قصاصة ورق أي دولار الأميركي، وبما أن أميركا تقوم بطبع تلك الورق بأعداد كبيرة ويتم تبادلها عالمياً، فإنها لن تغرق في عملية التضخم التي من المفترض أن تحصل إن تم طبع أوراق نقدية دون أي زيادة إنتاجية كما حصل لألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والتي طبعت أوراق نقدية حتى وصل سعر رغيف الخبز الى 120، 000 مارك ألماني.

 

بدأ نظام الثنائي العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي بالصراع غير المباشر في كل من كوريا وفيتنام ومصر وإسرائيل، ولكن هذه الحروب لم تؤثر على الاقتصاد والخزينة الأميركية، ولكن بالنسبة للاتحاد السوفياتي فإن هذا الاستنزاف الكبير على مدى عقود خلال حروب جانبية دعم عسكري وسياسي لدول من أجل الخروج من الاستعمار الجديد وجاءت إطلاق حرب النجوم في عصر الرئيس ريغن لتكن رصاصة الرحمة في جسد العملاق السوفياتي وتفتته الى دول وانتهاء الثنائية وبداية حقبة الأحادية والهيمنة الأميركية على العالم ولعب دور الشرطي العالمي. ولكن الرئيس الفرنسي شارل ديغول أدرك أن النظام القائم بعد بريتن وودز لم يكن إلا كذبة أميركية للسيطرة على العالم، فإن النظام القائم آنذاك يحتم على طبع الورق شريطة أن يكون مغطى بالذهب، ولكن ما الضمان أن الأميركيين يقومون بهذا الشي؟ وهل لديها المخزون الصحيح من أجل تغطية نفقاتها الضخمة في الحروب المنتشرة في كل من فيتنام وكمبوديا والكوريتين وغيرها من الدول وقواعد عسكرية منتشرة في كل أوروبا وجيوشها الجرارة وانتهاج مبدأ ايزنهاور وهو احتواء الشيوعية في كل العالم؟

من هذا المنطلق، أرسل الرئيس الفرنسي سفينة محمّلة بالدولار الأميركي لتسترجع فرنسا سبائكها الذهبية الموضوعة في البنك الفيدرالي الأميركي في نيويورك، طبعا فإن الولايات المتحدة خشيت أن تقوم باقي الدولار حذو فرنسا فقرر الرئيس نيسكون بإلغاء اتفاقية بريتن وودز إقامة نظام جديد قائم على سياسة التعويم والعرض والطلب وسميت وقتها بصدمة نيكسون، بهذه الفعلة اهتزت مكانة الدولار وبدأت الثقة العالمية تتراجع في تلك العملة، ظلت هذه الازمة الخطيرة التي كادت أن تسقط أميركا حتى خرج وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر بفكرة سوف تعيد أميركا الى قوتها وسطوتها ولا زالت حتى يوم بسبب تلك الفكرة وهي البترودولار، فلقد سافر هنري كيسنجر الى المملكة العربية السعودية حاملا فكرة جهنيمة وهي أن المملكة تبيع صادراتها النفطية حصراً بالدولار مقابل الدفاع عن أمن الخليج، بهذه الفكرة أعادت أميركا قيمة عملتها الورقية التي لا تساوي فعليا سنتات قليلة الى السيطرة العالمية مجدداً.

 

اليوم بعد سقوط الإتحاد السوفياتي جراء الضربات المتكررة من النظام الرأسمالي الغربي على رأسه الولايات المتحدة الأميركية وإخفاق تطبيق نظرية باريسترويكا، استطاعت أميركا أن تفرض سيطرتها السياسية والعسكرية والتي هي جزء اساسي في السيطرة النقدية على العالم، ولكن الصعود الصيني وتحولها الى مصنع عالمي حيث يتم تصنيع كل انواع الصناعات الثقيلة والخفيفة حتى إن الكثير من الشركات الأميركية تقوم في الصين بتصنيع منتوجاتها مثل شركة ابل، وذلك لعدة أسباب منها رخص العملة الصينية مقارنة مع الدولار الأميركي.

قوة الولايات المتحدة الأميركية ليست بجيوشها الجرارة والتكنولوجيا العسكرية والمدنية فحسب وذلك لأنه هناك نوع من المنافسة والتوزان النسبي إما على الصعيد العسكري أو الأسلحة النووية مثل روسيا والصين وغيرها

هناك كلام في الخفاء وأصبح ظاهرا في الساحات الدولية تتكلم عن حرب باردة جديدة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية ولكن السؤال هل النظام العالمي الأحادي سوف تحول ثنائي فعليا؟ بالطبع لا فلم تصل الصين الى هذا المستوى من القوة الاقتصادية والعسكرية لمنافسة اميركا الأولى عالمياً. ولكن حتى لو وصلت، ماذا عن سياسة النقد العالمية؟ حتى الصين التي تسعى الى كسر الهيمنة الأميركية وكسر هيمنة الدولار فهي تمتلك أكبر مخزون من الدولار الأميركي كما إنها أكبر دولة مدينة للولايات المتحدة الأميركية وتعتبر أميركا أكثر الدول استيراد من الصين.

 

تسعى معظم دول العالم الى امتلاك أسلحة الأكثر قوة وتطوراً كما أنها تسعى الى فرض سيطرتها العسكرية من أجل فرض وجودها السياسي على الساحة الدولية، ولكن بالمقابل إن كل تلك الجيوش لا قيمة لها أمام قصاصة الورق، تلك الورقة التي تحكم العالم دون أي منازع، هناك عدة أمثلة؛ الصين، روسيا، تركيا ومصر، كلها دول لها وزنها السياسي والعسكري على الصعيد الإقليمي والدولي ولكنهم لازالوا تحت سطوة الدولار ورغم محاولة منظمة شنغهاي الدولية للخروج من هذه الهيمنة ولكن حضور أميركا السياسي الدولي لا زال يحظى بالثقة نسبياً ولكن بعد تخطب سياساتها في كل من سوريا وليبيا والكثير من القضايا خصوصاً خلال حقبة الرئيس ترامب أدى الى تراجعها نسبياً وجاءت الكورونا حتى تكون ضربة قاسية في وجه النظام النيوليبرالي والرأسمالية المتوحشة حتى اصبح العالم يفكر جدياَ في الخروج من تلك الهيمنة الورقية خصوصاً أن أميركا أصبحت الأولى عالمياً من حيث انتشار الكورونا وعدد الوفيات والملفت أن الصين مسقط راس الوباء استطاعت نسبياً السيطرة على الوباء ومحاصرته، فتلك الأزمة أظهرت هشاشة النظام الرأسمالي النيولبيرالي وهشاشة النظام الصحي كما أن العولمة الاقتصادية أصبحت في خطر وهناك دراسات تشير الى اعادة نظام التموضع القومي مما يؤثر بشكل مباشر على تدفق الرأسمال الى الداخل وتحسين الإنتاج والاقتصاد الداخلي مما يعني أن العالم سوف يتحول الى جزر معزولة على المستوى الاقتصادي وعملية تدفق رؤوس الأموال، كما أن الصين بدأت فعلياً تشجّع عملة اليورو من خلال شراء سندات أوروبية وذلك لقناعة الصين أن اليورو هي العملة الوحيدة الجاهزة لمواجهة الدولار لا بل لأخذ مكانه.

 

ولكن رغم كل تلك المعطيات فإن قوة الولايات المتحدة الأميركية ليست بجيوشها الجرارة والتكنولوجيا العسكرية والمدنية فحسب وذلك لأنه هناك نوع من المنافسة والتوزان النسبي إما على الصعيد العسكري أو الأسلحة النووية مثل روسيا والصين وغيرها، فإن قوتها تكمن في قصاصة الورق التي جوعت الأرجنتين وفنزويلا ومصر ولبنان ودول غيرهم بفعل الدولار . فان قوة الدولار تكمن في فرض القيود والعقوبات الاقتصادية وأكبر مثال إيران التي هبطت عملتها الى ادنى مستوياتها بسبب العقوبات الاميركية، فلا قيمة للأسلحة النووية وغيرها من أسلحة ما دام سلاح الدولار هو المسيطر على المشهد العالمي ولا قيمة للاقتصاد والإنتاج ما دام الدولار هو المسيطر فعلياً وزوال الإتحاد السوفياتي هو خير دليل على هذه القوة، فإن هزيمة أميركا لن تكون عسكرياً إنما من خلال إزالة هيمنتها النقدية فهكذا تكون بداية النهاية لهذا العملاق، ولكن حتى الآن فإن الدولار لا يزال سيد العالم حتى إشعارا آخر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة