هواوي.. نحو تعدد الأقطاب وتوازن القوى

اقتنيت منذ أيام قليلة هاتف هواوي الجديد بعد صراع وتفكر قادني في النهاية إلى اتخاذ هذا القرار، وقد تبين لي بعد ذلك حجم الفجوة التي خلفتها العقوبات الأمريكية على شركة هواوي، فالهاتف رغم غلاء ثمنه في هذه الظروف الصعبة التي تواجه الشركة من جهة وتواجه العالم أجمع من جهة أخرى، إلا أنه أصبح أشبه بالهاتف المقلد الرخيص لافتقاره لخدمات (قوقل) إذ بات يستجدي مطوري التطبيقات لتلائم إمكانياته الكبيرة ومتطلبات زبائنه الطموحة، في الحقيقة فإن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت أكثر انكشافا عن السابق، وأكثر صراحةً ووضوحاً في ممارساتها التسلطية على العالم أجمع، وبالأخص تجاه من يتخذ موقفا ترى واشنطن أنه يشكل تهديدا بسحب البساط من تحت تمثال حريتها على حين غرة وهو مستقر في مكانه ينظر للأفق.

 

إن الممارسات الأمريكية ضد شركة هواوي بشكل خاص والمنتجات التقنية الصينية بشكل عام، ينذرنا جميعا بخطر هذا الغول المتوحش، والذي بالرغم من الحجج التي يسوقها والأسباب الواهية التي يبرر بها تلك القرارات، إلا أن العالم أجمع أصبح يدرك يقيناً أن تلك القرارات التي تتخذها أمريكا ضد الشركات الصينية تمثل جزءا من الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين، في محاولة لثنيها عن تحقيق طموحها وإحباطها وتحجيمها، سواءً عبر أدوات  اقتصاد السوق التي أثبتت أمريكا فشلها فيها، أم عبر استخدام أساليب أخرى ملتوية و غير مبنية على أسس اقتصادية نزيهة.

 

وكما أسلفت فإنه وعلى الرغم من علمنا جميعا بأن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية أخذت منحى كسر العظم وهي لا تتعلق بالحجج التي تسوقها أمريكا لتبرير الأمر، إلا أن الأخيرة لا تبالي بما يعتقده العالم، وتمثال الحرية غير آبه هو الآخر بانكشاف سوءته للعالمين. مخطئ من يظن أن الحرب القادمة ستشن عبر الصواريخ والترسانات النووية، فالحرب الآن قائمة ومستعرة عبر التكنولوجيا ونظم المعلومات، وساحتها هواتفنا ومعلوماتنا. وما النزاعات والحروب وحروب الوكالة هنا وهناك سوى شجار أطفال في الحي، أما أباطرة المال والمؤثرون في السياسة فلا يخفى على الجميع أنهم أصحاب الشركات التقنية ومواقع التسويق الالكتروني. والمؤثرون في الرأي العام والموجهون لسلوكه هم مشاهير وسائل التواصل، خبراء البرغر والقهوة والعطور، وهو ما يشي بأننها على أعقاب تحولات كبرى خطيرة نكون نحن طرفا ولاعبا أساسيا فيها.

 

ما يثير الاستغراب والسخرية في آن، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد مخطئة بأن هيمنتها وسيطرتها لن تنتهي في يوم قادم، وهي بذلك لم تحتط ولم تعدّ العدة لذلك اليوم الذي بات وشيكا، وهي بكل أسف لم تتعظ بدروس التاريخ، فالولايات المتحدة نفسها وكما يخبرنا التاريخ نشأت وتبلورت على أعقاب الهيمنة البريطانية والأوروبية، وكانت في يوم ما أيقونة للتمرد على السيطرة وبسط النفوذ، فهل تنتظر أمريكا حفلة شاي صينية تغرق فيها السوق بتقنيات بديلة وسياسات أكثر انفتاحا عبر تطبيقها لمقولة /دعه يعمل دعه يمر/ والتي نستها أو تناستها أمريكا، وأحسنت الصين تطبيقها، خصوصا إذا ما علمنا بأن عددا من دول أوروبا لبت الدعوة لحفلة الشاي الصينية التي وجهتها هواوي غير آبهة بالتهديدات الأمريكية والتي تحاول بكل ثقلها منع تقنية الجيل الخامس من الانتشار متحججة بقضية التجسس وأمن المعلومات!

 

والقضية الأخيرة مثيرة للاهتمام، فتركيز الولايات المتحدة على هذا الجانب تحديدا، أي ما يتعلق بأمن المعلومات والخصوصية والامن السيبراني، يكشف جلياً ما تقوم به من تطويع للتكنولوجيا خدمة لأغراض وأهداف سياسية واقتصادية.. وإلا لما الخوف من المنافسة الشريفة المبنية على مبادئ اقتصاد السوق؟ ثم لماذا لم تحرك الولايات المتحدة الأمريكية ساكنا أمام ما نشر عبر وسائل الإعلام والتقارير الإخبارية من قيام شركات خاصة بتطوير منتجات تقنية وتطبيقات تكنولوجية تسمح بالتجسس على الهواتف الخاصة عبر أساليب معقدة تم توظيفها في عمليات تجسس كانت عواقبها كارثية ونتائجها خطيرة، ألم يرمش طرف لشركة آبل التي تتخذ من الصين مقرا لمصانعها أمام ما انتشر من اختراقات لتقنياتها من قبل شركات إسرائيلية؟! وهل تقنية الجيل الخامس أكثر خطراً وانتهاكا لخصوصيتنا المنتهكة أصلا من برنامج (بيغاسوس) الذي سوقت له شركة (ان اس او) بنجاح في منطقتنا دون ضجيج من قبل ترامب كالذي أحدثه تطبيق (تيك توك)!

 

باعتقادي فإن شركة هواوي تمثل جانبا منا، ذلك الجانب الذي يرفض التسلط والقهر والطغيان، ويمقت التظاهر بالنزاهة وتقديس الحريات وحقوق الإنسان في حين أن ما يدور تحت الطاولة وخلف الستار على العكس من ذلك تماما. وأعتقد أن دعم موقف الشركة ولو معنويا له أهمية مرتبطة بكياننا وموقفنا تجاه تغول الغرب، كما أن الموقف الداعم لا يأتي من كون الصين أو هواوي هي الأفضل والأكثر نزاههة، بل لضرورة تعدد الأقطاب وتوازن القوى بدل أن يكون الأمر كله لترامب.

من جهة أخرى، فنحن أمام هذه القضية قد تجاوزنا إشكالية الارتباط بالتكنولوجيا وإدمانها وتحكمها في حياتنا حتى أصبح ارتباطا صعب الانفكاك، ولم نعد نناقشها أساسا، بل الأدهى من ذلك والأمرّ ارتباطنا بتكنولوجيا محددة، أو بصورة أدق ارتباطنا بمنتجات شركة (قوقل) على وجه التحديد، الأمر الذي تبين لي بوضوح بعد استخدامي لهاتف هواوي الجديد، وهو ما زاد من إصراري للمضي قدما وعدم الرجوع القهقرى.

 

نحن الآن أمام تحول مفصلي على كافة المستويات، فإما أن ندعم القوة الأمريكية المتنمرة، دون رغبة واعية، أو أن نتحامل على أنفسنا قليلا ونندد بطغيانها عبر فك الارتباط -إن صح التعبير – بمنتجات جهة معينة وتنويع اعتمادنا على التكنولوجيا، حتى نتحكم بها بدل أن تتحكم بنا، وحتى لا يأتي علينا يوم يكون فيه إنترنت الأشياء قد تمكن من كل مفاصل حياتنا، وحينها فإن غضب الولايات المتحدة علينا قد يجعل من غرف نومنا ظلاما دامسا، وقد يجد أحدنا نفسة وقد خرج من منزله فلا يستطيع أن يعود إليه لأن تطبيق خرائط قوقل لم يعد يعمل بسبب العقوبات الأمريكية فيضل الطريق ويقعد ملوماً محسوراً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة