"الجزائر المحمية بالله" وانتصارها على جيوش أربع دول مجتمعة

أمام القوة المتعاظمة للبحرية الجزائرية في غرب المتوسط خلال العقد الثالث من القرن السادس عشر قرر الفرنجة التقرب من الباب العالي وإقـناع السلطان سليمان بعقد اتفاق ثلاثي يربطهم بإسطنبول والجزائر فحل مبعوث خير الدين بربروس رئيس دولة الجزائريين كما كان يدعوه مستقبـِـلُهُ فرانسوة الأول عام 1534م بشاتلير (1) فبدأ تبادل السفراء مع مدينة الجزائر وترسمت العلاقات بداية من 1536م (2). إلا أن جارتها مملكةَ إسبانيا كانت آنذاك في ذروة صراعها مع الجزائر… فهذا هو ملكها شارل كونت الذي خضعت لحكمه أطراف كثيرة من البلاد الأوربية يخاطب قادة جيشه وأميرالات بحريته : "لقد جعلتموني مسخرة ً بين الملوك فليس فيكم من يستطيع التصدي لبربروس" !

 

ينتفض عندها الأميرال الجَنَوي أندريا دُورْيا وينحني بين يدي الملك طالبا ً منه أن يعطيه فرصة لينفذ وعده بإحضار "عدو المسيحية" بربروس مكبلا ً بالأغلال بين يدي سيده ليُلحِق الملكُ روحَ خيرالدين بروح أخيه عرُّوج "التي تستقر في قعر جهنم" (3) مثلما نقل إلى خيرالدين جواسيسُه الذين كان يبثهم في مختلف مدن الساحل الإسباني التي كان يغير عليها مع أهل مدينة الجزائر لإنقاذ المورسيكيين من غياهب سجون شارل، هنا يجمع الملك بين يدي دوريا عشرين سفينة إسبانية وسفن ٍ أُخـَـرَ جَنَوِية بلغت العشرة. لكنّ تمرس دوريا بحروب البحار جعله يعدل عن مهاجمة الجزائر وينطلق بعد آخر موقف له بجزيرة مايوركا للإغارة على شرشال غرب مدينة الجزائر التي كان بها قبالة البحر قلعةٌ يحتمي بها عدد قليل من الجنود للذود عن مدينتهم الصغيرة.

 

وصل خبر خروج دوريا إلى خيرالدين باشا بالجزائر فتأهّب لصده. لكنّ دوريا كان قد وصل سريعا ً شاطئَ شرشال فظل جنود القلعة محتمين بداخلها عندما لاح لهم دوريا في الأفق وتلمسوا تفوقه عليهم في العدة والعتاد. ولما رأى هذا الأخير مكوث الجند داخل القلعة وعدم مبادرتهم بالقتال ظن أنهم قد احتموا بالقلعة خوفا ً منه أو استسلاما ً له فجعل جنوده ينطلقون في شوراع المدينة وأسواقها ليغنموا منها وبينا هم يعودون لسفنهم محملين بما سرقوه من سكان شرشال إذ ينزل عليهم الجنود من القلعة فيقتلون الكثير منهم ويحاول البقية الفرار فينجوا من استطاع الوصول إلى الشاطئ لركوب السفن التي سرعان ما انطلقت بهم عائدين أدراجهم خائبين خيبة تتضاعف حينما تلوح خلفهم 40 قطعة بحرية على رأسها خيرالدين بربروس الذي لحق ما إن لحق بهم حتى استولى على 20 قطعة أخرى من تلك السفن وأسر 1200 من الجند والقادة بينهم أميرال إفرنجي (3). كانت سفينة دوريا قد ابتعدت فنجى الأميرال وعاد يجر أذيال الخيبة إلى ملكه.

 

بعد أن تيقن شارل أن ْ لا قِبل لجنوده وقادته ببربروس ومن معه قرر أن يبحر لحصار مدينة الجزائر والاستيلاء عليها بنفسه في مجاراة لما يقوم به سليمان القانوني عندما يخرج في جيوشه غازيا ً. وقد انتهز الاسبان بذلك فرصة غياب بربروس عن الجزائر الذي كان قد استخلف عليها هو الآخر ابنه قارة حسن بك، جهّز شارل كونت لذلك عام 1541م (4) أكبر حملة حشر له فيها 516 سفينة منها أكبر القطع البحرية الأوربية من إسبانيا وإيطاليا ومالطة وألمانيا حملت جيشا ً قوامه 36.000 فردا ً منهم أكثر من 23.000 مقاتل بري وانطلق نحو الجزائر في عدد من حشمه وخدمه ونساء الأشراف من مختلف أقطار مملكته ليشهدوا نصره المرتقب على أعدائه وتخليصه أوربا من الكابوس الذي صار يؤرّقها.

بلَغ َ حسن بك في الجزائر كتاب ُ الملك شارل وتهديده له ولما ّ تبلغ ْ سُفنُه بحر الجزائر فردّ حسن عليه ورفض الخضوع له بل وأخبره أن قلبه لا يحمل ذرة خوف من ملك توالت عليه الهزائم على يد خيرالدين (3). هكذا واصل شارل الإبحار رفقة أميراله أندريا دوريا إلى أن بلغت سفنه أسوار مدينة التي استمات أهلها في الدفاع عنها ومعهم يومها 2000 مقاتل عربي و600 مقاتل تركي فقط (3). بعد جولات من القتال لم يتمكن فيها شارل وأندريا من دخول المدينة، أشار الكونت على جنوده بالنزول شرق المدينة عند مصب وادي الحراش (بمنطقة المحمدية حاليا ً) (4).

 

اغترّ الأوربيون بقوتهم وتوهموا حتمية انتصارهم فأنزلوا الخمور من سفنهم وقضوا تلك الليلة في احتفال مسبق باستيلائهم على المدينة. وكان حسن باشا قد أرسل جواسيسه للدخول بين جند العدو ومنهم من كان قد قضى سنوات طوال في الأسر جعلتهم يتقنون الإسبانية بشكل يستحيل على الأوربيين تمييزهم من خلاله عن الإسبان. بلغ أمر احتفال دوريا وجنوده قلعة الجزائر فأشار قارة حسن على جنوده الذي ظلوا في يقظة وتجهز إلى سلوك طريق جبلي للإنزال خلف خطوط العدو والاستعداد للانقضاض عليهم بدلا ً من انتظار المواجهة في الصباح أو إعطاء الأوربيين فرصة لاستجماع قواهم.

 

وحين همَّ جنود الجزائر بالتحرك جاءتهم بوادر النصر بمطر من السماء اشتدت به الريح فاضطر الاسبان ومن معهم للاحتماء داخل خيامهم وكان الحراس على أطراف المعسكر قد تركوا كذلك أماكنهم من هول العاصفة التي حالت بين أسماعهم وبين صوت اقتراب الجزائريين منهم.. هكذا وجد الجزائريون المنفذ آمنا إلى وسط المعسكر فدخلوه وقتلوا هنالك ثلاثة آلاف جندي. بعد أن وجد من على الأرض أنفسهم معزولين عمن هم في السفن منشغلين بحمايتها من الغرق مع اشتداد العاصفة.

 

أنهكت قوى الجيش الأوربي بعد ليلة لم ينم فيها جنده وهارت عزائمه إذ وجد كثيرا ً من الذخائر قد تبللت ولم تعد صالحة للاستعمال فلم يعد بذلك قادرا ً على إعادة الكر والهجوم بقوة كما فعل في الأول. لكن الملك أصر على المكوث واقتحام المدينة وماهي سوى أيام حتى بدأ المؤونة تنفد، وكان خلالها حسن بك يستغل هفوات الملك الذي لم يكن خبرة بالحرب فظل يباغتهم بين الفينة والأخرى فأصاب من جندهم وأغرق بعض سفنهم فتفرق بعض الجند هنا وهناك آكلين لحوم خيولهم التي لم يتبقى لهم سواها. ثم نزل عليهم أهل المدينة مرة أخيرة بعد أن عرفوا أن الملك قد ذبح فرسه ليطعم المقربين منه، فوصل إليه حسن بك وتمكن درويا من إنقاذ سيده شارل فصعدوا سفنهم فارين وتركوا العديد من جندهم أسرى في الجزائر.

 

بعد أن أعجبتهم كثرتهم فلم تغنِ عنهم شيئا ً، عاد الأوربيين يجرون أذيال الخيبة ويُحكى عن شارل أنه ألقى بتاجه الملكي في مياه البحر قبل أن يبلغ الساحل الإسباني.  كانت هذه هي المعركة التي رأى فيها أهل الجزائر أن الله قد حمى مدينتهم من الغزاة بتلك العاصفة التي قلبت الموازين وجعلت الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة.

===============================

المصادر:

1: شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830 مولود قاسم نايت بلقاسم – الجزء 2.

2: إنية وأصالة، مولود قاسم نايت بلقاسم.

3: مذكرات خيرالدين بربروس.

4: تاريخ الدولة العثمانية، يلماز أوزتونا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة