سنذهبُ يوماً إلى خليجِنا تهريب بالشاحنات الإسرائيلية

قبل نحو خمس سنوات أو كثر بقليل عندما بدأ تطبيق واتس آب بالانتشار السريع، كانت تصلنا صور كثيرة تُعبّر عن مزاج الشعوب العربية المُتعكِّر، مِن أشهَر هذه الصور صور لباصات عربة قديمة لنقل الركاب كُتب عليها الخط الذي ستسير عليه تجاه المدن والعواصم العربية المختلفة مثل، خط باص حيفا بيروت، أو خط باص الكويت عمّان الشام بيروت القدس رام الله بغداد، أو خط باص حيفا يافا عكا القاهرة صنعاء جدة، تصور عدد المدن العربية التي كانت تصلُ إليها خطوط هذه الباصات وغيرها الكثير.

 

كان متناقلوا هذه الصور يترحمون على تلك الأيام التي كانت تصل فيها الباصات العربية إلى المدن الفلسطينية كالقدس وحيفا وغيرها، ربما كان يعود بعض هذه الصور إلى ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات وبداية ستينيات القرن الفائت، خاصة تلك التي كانت تصل إلى فلسطين ومدنها، عندما بدأت تصلنا هذه الصور على هواتفنا الذكية لم نكن من بين أولئك الذي كانوا يترحمون على تلك الأزمنة، بل كنا نعتبر أن الصور وخطوط المواصلات هذه كانت من فيلم سينمائي أو ربما صور خيالية، نحن خُلقنا ونشأنا وكانت فلسطين محتلة، وترعرعنا على القضية الفلسطينية وعلى الصراع العربي الصهيوني.

 

أذكر أنه كان مقرر علينا في تسعينيات القرن الفائت حين كنا في المرحلة الإعدادية بالمدارس الأردنية كتاب، القضية الفلسطينية، الذي كان يُخبرنا عن ثورة عز الدين القسام وعمليات الفدائيين الفلسطينيين والعرب، والمجازر التي قامت بها العصابات اليهودية بحق الفلسطينيين وعن الحروب التي دارت بين العصابات اليهودية والجيوش العربية، كان الهدف بأن تبقى القضية الفلسطينية حية في وجدان الشاب الأردني والعربي، وأن تبقى القضية الفلسطينية كذلك البوصلة التي تُسيِّر حياته كاملة.

كانت تملك الأردن أكبر وأضخم أسطول شحن بري في الوطن العربي وربما على مستوى الشرق الأوسط كاملا من الشاحنات والثلاجات

نحن جيل السبعينيات من الفلسطينيين والأردنيين وباقي العرب الذين لم نشهد احتلال فلسطين سنة 1948 ولم نشهد كذلك النكسة سنة 1967 لم نتصور يوماً أن نشهد نكسات أفظع وأبشع من تلكما النكستين، ولم نكن نتخيل أنه سيأتي علينا أيام ونترحم فيها بدورنا على خطوط باصات الثمانينيات والتسعينيات والتي كانت بين بعض المدن والعواصم العربية كما ترحم آبائنا من قبل.

 

مطلع التسعينيات تألمنا كثيرا حين ظهرت تلك الأغاني الخليجية وخاصة الكويتية منها والتي كانت تمجد الرئيس الأمريكي وقتها، بوش الأب، وهي تتغنى به وتعتبره الأب الحنون الذي حرر الكويت وخلص شعبها من الغزو العراقي الذي كان بأمر من الرئيس العراقي، صدام حسين وقتها، نهاية تسعينيات القرن الفائت كان مَن هُم في سني يعبُرون السنة الأخيرة من دراستهم الجامعية حين بدأنا نترحم على العراقيين وأحوالهم المعيشية والحصار ومسألة النفط مقابل الغذاء وقرارات الأمم المتحدة الفارغة كسابقاتها، لم نكن نعلم أن هذا الترحُّم سيكون بداية لسلسلة مؤلمة من الترحُّمات التي ستليها والتي يبدو أنها لن تنتهي.

 

بالفعل ما إن انتهى العقد الأول من الألفينات وبدأ الثاني حتى بتنا نترحم بدورنا على خطوط الباصات وجِمْسات السفريات كما نسميها هنا في الأردن، تلك الخطوط التي كانت بين عمّان وبغداد والرياض والكويت ومسقط، أو عمّان دمشق والعكس، أو عمّان دمشق بيروت، عمّان حلب، بدأنا بالأول بالترحم على خط بغداد، ثم على خط سورية لبنان، لم يعد الوصول إلى بيروت براً ممكناً من خلال الأراضي السورية، ثم بدأنا نترحم على الشاحنات الأردنية التي كانت تصل إلى كل العواصم والمدن الأوروبية وهي تعبر من سورية إلى تركيا فأوروبا.

اليوم ما زالت تصل بعض مِن هذه الشاحنات والثلاجات الأردنية إلى السعودية والكويت والإمارات، لم تعد تصل مثلا إلى بغداد، أو قطر واليمن، حتى مصر عبر العقبة والنويبع أصبح وصولها غاية في الصعوبة

كانت تملك الأردن أكبر وأضخم أسطول شحن بري في الوطن العربي وربما على مستوى الشرق الأوسط كاملا من الشاحنات والثلاجات بحيث كان يغطي هذا الأسطول كل أوروبا وأجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا، كانت تصل الشاحنات الأردنية إلى روسيا وإسبانيا والنرويج وجنوب أفريقيا، اليوم لم يتبق من هذا الأسطول سوى أقل من 10% فقط حسب وزارة النقل الأردنية، الأمر الذي دعانا لأن نترحم حتى على أيام الشاحنات وسواقين الشاحنات وهم يجوبون أوروبا ويُحضِرون لعوائلهم وأصدقائهم شتى أنواع الهدايا والبضائع الأوروبية.

 

اليوم ما زالت تصل بعض مِن هذه الشاحنات والثلاجات الأردنية إلى السعودية والكويت والإمارات، لم تعد تصل مثلا إلى بغداد، أو قطر واليمن، حتى مصر عبر العقبة والنويبع أصبح وصولها غاية في الصعوبة والتعقيد، هذا طبعا ليس له علاقة بكورونا بل قبل ذلك بكثير، والله نخاف أن يأتي علينا اليوم الذي نترحم فيه على الخطوط والشاحنات التي كانت تصل يوما إلى الخليج كاملا ليس فقط قطر والعراق، وربما يأتي اليوم الذي نذهب فيه نحن الأردنيون تهريب إلى هذه البلدان مختبئين بالشاحنات الإسرائيلية وهي تنقل إليهم شتى أنواع الخيرات الفلسطينية المسروقة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة