ضم "غور الأردن".. مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية؟

بسحر ساحر، تبخّر مشروع ضمّ "غور الأردن" الذي كان مقرراً السير فيه مطلع هذا الشهر. فبعد أن أثار المشروع جدلاً واسعاً وردود فعل عالمية، سُحب فجأة من التداول ولم تُقدّم أي تفاصيل أو ترتيبيات أو خرائط حوله للكنيست الإسرائيلي بحسبما نصّ اتفاق "تداول السلطة" الموقع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وندّه زعيم حزب "مناعة إسرائيل" بيني غانتس، الذي أفضى إلى ولادة الحكومة الائتلافية بينهما.

 

الاتفاق قضى بإطلاق عملية الضم مطلع شهر تموز، لكن بتنا في نهاية شهر آب ولم يحرّك نتنياهو ساكناً، وذلك بحسب مراقبين عدة يعود إلى اعتبارات حالت دون السير بمشروع الضم، أولى هذه الاعتبارات هو استراتيجي، يخصّ أولويات إسرائيل في تعبئة العالم الغربي ضد برنامجي إيران النووي والصاروخي. فمن شأن الضمّ أن يضعف موقف إسرائيل الدبلوماسية وسيؤدي إلى تفكّك الجبهة التي وحدتها مع بعض الدول العربية المعادية لطهران.

 

ناهيك عن اعتبار آخر يخص ملف الانتخابات الرئاسية الأميركية، فالرئيس دونالد ترامي ليس في وارد إضافة أي ملف جدلي وخلافي إلى الملفات العالقة بين يديه أصلاً، خصوصاً ملف جائحة كورونا الآخذة في الانتشار أكثر في الداخل الأميركي. اعتبار آخر قانوني يهدد عملية الضم، ويتعلّق بصعوبة تطبيق السيادة الاسرائيلية على أراضٍ محتلةٍ بالقوة العسكرية، لأن هذا ستُعدّ انتهاكا للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، كما يتعارض مع اتفاقيات أوسلو التي تركت للمفاوضات الثنائية المفتوحة تقرير ترسيم الحدود بين الدولتين.

 

أما في الاعتبارات الأمنية فإن توسع الحدود بنحو ١٨٠٠ كلم سيفرد على إسرائيل السير بجدار عازل آخر وقوات أمنية إضافية لحماية هذه الحدود المستجدة، وهذا تكلفته قد تصل إلى 1.5 مليار دولار. أضف إلى أنّ القرار سيتسبب بانتفاضة جديدة داخل فلسطين، ومن دون الحدث عن تأثير قرار الضمّ على العلاقة بين إسرائيل والأردن وخصوصاً في مجال الاتفاقات مثل الغاز والمياه، واتفاقية وأدي عربة ١٩٩٤ الخاصة بالسلام بينهما.

حجج أمنية غير مقنعة تتمسك بها إسرائيل وترفضها الأردن، التي كانت من بين الدول العربية القليلة، التي رفعت الصوت باكراً ووقفت بوجه نتنياهو، فأطلق الملك عبد الله الثاني تهديداً بالانسحاب من معاهدة السلام وحذّر من تدهور الوضع الأمني بين البلدين في حال قرّر نتنياهو ضم "غور الأردن". قال الملك: "القادة الذين يأملون في الوصول إلى حلّ للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مسترشدين بمبدأ دولة واحدة، لا يدركون عواقب هذا الأمر. لا يفكرون في الفوضى وفي موجة التطرف التي ستكتسح المنطقة إذا انهارت فلسطين. إذا تجرأت إسرائيل على ضم غور الأردن في تموز (يوليو) فسوف تثير صراعاً واسعاً مع المملكة الأردنية الهاشمية".

 

حتى بعض الدول الخليجية التي أظهرت تقرّباً من إسرائيل مؤخراً، حذّرت علناً من أنها لا تنوي الظهور بمظهر المسهّل لتمرير مشاريع نتنياهو الذي أكمل عملية إعادة توزيع الأدوار السياسية في الداخل الإسرائيلي بسلاسة، مظهراً قدراته مرة جديدة على الصمود. ربح معركته ضد غريمه في الانتخابات البرلمانية، ثم استطاع الحفاظ على السلطة، متقاسماً إياها مع غانتس، بشكل غير مسبوق في تاريخ إسرائيل، قضى بتبادل مركز رئاسة الحكومة مع غانتس بعد عام ونصف.  في الاتفاقية ثمة قسم كامل مخصص لـ"توسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية" وينص على أنّ بداية شهر تموز/يوليو، سيكون لنتنياهو الحق في تقديم خطة إلى الكنيست، وافق عليها الأميركيون من أجل "توسيع السيادة الإسرائيلية داخل جزء من الأراضي الفلسطينية".

 

و13 أيار/مايو الفائت، وبعد أداء اليمين المشتركة بين نتنياهو وغانتس، اجتمع وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو مع نتنياهو ومع رئيس الموساد يوسي كوهين ووزير الخارجية الإسرائيلي الجديد غابي أشكنازي. وعلى الرغم من أن قضية ضمّ "غور الاردن" لم تكن مدرجة ضمن جدول أعمال اللقاء، إلا أنّ الموقف الأميركي كان واضحاً. عشية زيارة بومبيو إلى إسرائيل، أجرى مقابلة عدة مع وسائل الإعلام الإسرائيلية وردد خلالها جملة "مبتذلة" واحدة هي: "القرار متروك لإسرائيل". إسرائيل التي اتخذت لنفسها هذا القرار بالفعل، ولم تكرس له فقط قسماً منفصلاً عن اتفاقية نتنياهو – غانتس، بل أيضاً أقرت بموافقة نتنياهو على "صفقة القرن" التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب كخطة لحلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

افترضت "صفقة القرن" تحديدًا أوليًا للأراضي بما في ذلك "غور الأردن"، لكنها علّقت بناء المستوطنات على الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية إلى حين تحديد الحدود الجديدة. وعلى ما يبدو، حددت إسرائيل من جانب واحد شروط تعيين الحدود وقررت أن تأخذ "غور الأردن" بالكامل من دون الالتفات إلى اعتراضات العالم العربي بأكمله، لكنها تتحيّن الفرصة.  لم تكترث الولايات المتحدة للاعتراضات العربية العالمية، فنظمت اجتماعاً خاصاً مع المراسلين الإسرائيليين في 15 مايو، أعلن خلاله المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مورغان أورتاغوس، "الدعم الأميركي" لخطط إسرائيل لضم غور الأردن، والذي سيصبح "جزءاً من عملية السلام" على حد قولها.

 

خطة الولايات المتحدة وإسرائيل كانت تقضي بتمرير المشروع في أسوأ توقيت يمر على الدول العربية: لحظة غرقها في أزمتي "تدهور أسعار النفط" و"جائحة كورونا". توقيت ممتاز لتشتيت انتباه العالم بأثره عن معركة حقوق الفلسطينيين، لكن ذلك لم يحدث. لكن ما حدث فعلاً هو أنّ الولايات المتحدة تصرّ على فرض معايير "ديموقراطية" مزيفة على الرغم من انتهاك الأمر للقانون الدولي وللرأي العام الدولي. انتهاك بالقوة لسيادة دولة مستقلة يعترف بها العالم بأسره. ربما تعيد واشنطن المحاولة من جديد في المستقبل، لعلّ ذلك يحدث بعد أن يضمن الرئيس ترامب ولايته الثانية في البيت الأبيض… إلى حينه يكون الرجلان (نتنياهو وترامب) ما عادا يملكان شيئاً ليخسراه في طريق العودة إلى البيت!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة