قطر تواجه فيروس كورونا بتواضع ودون مكابرة

لنا في أزمة انتشار فيروس كورونا آيات وعِبر من الله سبحانه وتعالى، حيث إن الإنسانية شُغلت خلال العقود الماضية بالحروب والنزاعات، وسادت الثقافة الاستهلاكية على نمط حياتنا جميعاً. فلعلّ هذه الجائحة تذكّرنا أن قدرته سبحانه وتعالى فوق كل قدرة، وأن علينا من الآن وصاعداً أن نلتفت لما يُضيف لذواتنا ومجتمعاتنا وأوطاننا. لنجعل من جائحة كورونا فرصة نغتنمها لإعادة ترتيب أولوياتنا، والتركيز على ما هو مفيد وبنّاء، والتضرّع لله سبحانه وتعالى بأن يرفع عنّا هذه الغمّة. اللهم إنّا قد أخذنا بأسبابك، وأنخنا الرجاء ببابك، فارفع عنّا، وعن سائر البلاد، إنك وحدك القادر على ذلك.

 

هذه الكلمات ليست مقطعاً من خطبة جمعة لأحد العلماء، ولا هي تعليق لأحد الدعاة المشهورين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنما هي كلمات اختتمت بها الناطق الرسمي باسم اللجنة العليا لإدارة الأزمات في دولة قطر لولوة الخاطر مؤتمرها الصحفي المخصص للكشف عن آخر مستجدات فيروس كورونا في قطر. بهذا التواضع والإيمان والتسليم واجهت الدوحة جائحة كورونا، رغم كل ما امتلكته من قدرات وإمكانيات ومقدّرات جعلها تنجح بمحاصرة الفيروس.

 

 

منذ اليوم الأول لوصول الجائحة إلى قطر، لم تُكابر الدوحة ولم تدفن رأسها في الرمال، بل عملت على تعزيز قطاعها الطبي ورفده بالكوادر البشرية والقدرات اللوجستية، وسخّرت جميع وزارات ومؤسسات الدولة جهودها لمواجهة الفيروس.

 

أعداد الإصابات بالفيروس تزايدت في قطر بشكل مخيف، خاصة في أوساط العمالة الوافدة التي كان الصعب محاصرة الفيروس بينها. الأعداد المتزايدة للإصابات لم تُصب أحداً بالهلع، فالجميع اطمأن لوجود قيادة ستبذل ما تستطيع لمواجهة الفيروس، والجميع كان يثق بكل ما تقوم به هذه السلطة. فمن نجح بالصمود والانتصار على الحصار البري والجوي والبحري الذي فرضته الدول المجاورة لقطر، لن يكون مستغرباً أن ينجح بالانتصار على الفيروس. خلال أسابيع قليلة اقتربت أعداد الإصابات اليومية من ألفيْ إصابة، واستمرت الأعداد على هذا المستوى قرابة شهر، وحلّت قطر في المرتبة الأولى في العالم لناحية عدد الإصابات نسبة لعدد السكان. هذا الواقع لم يدفع الدولة للانهيار والتخبّط، بل للسير على هدى خطة واضحة التزمت بها منذ البداية، بدأت بمكاشفة المواطنين والمقيمين بالأعداد الحقيقية للإصابات، ثم مواجهة الفيروس ومحاصرة رقعة انتشاره، من خلال توفير رعاية طبية لكل مُصاب، تبدأ بنقله إلى حجر صحي في كثير من الحالات كان فندق 5 نجوم، وتأمين العناية الطبية ووجبات الطعام للمصابين، كما أُجريت فحوص لجميع أفراد عوائلهم ومن خالطوهم في الأيام التي سبقت الإصابة، وكل ذلك دون أن يدفع المصابون قرشاً واحداً.

 

لم تُعلن السلطات في قطر حظراً للتجوّل كما فعلت الكثير من الدول، لكنها وضعت ضوابط وإجراءات أثبتت التجربة نجاعتها. أقفلت المرافق الاستهلاكية باستثناء ما هو حيوي كالمستشفيات والصيدليات والسوبرماركت.  صدر قرار بتعطيل المدارس فلم نسمع احتجاجاً من الهيئة التعليمية ولا من ذوي الطلاب. صدر قرار بالعمل عن بُعد لمعظم الموظفين في القطاعيْن العام والخاص والجميع التزم دون نقاش. صدر قرار بإقفال المساجد، لم نسمع صوتاً معترضاً، على العكس واكبت القرار حملة توعوية من وزارة الأوقاف. تمّ إلزام جميع المقيمين في قطر بتنزيل تطبيق هاتفي يرصد حركتهم والأشخاص الذين يخالطونهم، مما ساهم في تتبع حالات العدوى، لم يشكُ أحد من انتهاك خصوصيته. وتمّ الالتزام بخطة رفع تدريجي للإجراءات الاحترازية على أربع مراحل.

اليوم بدأ سكان قطر (مواطنون ومقيمون) يحصدون ثمار الإجراءات التي اتُخذت خلال الأشهر الماضية. فبعدما قاربت أعداد الإصابات ألفيْ إصابة يومياً، باتت اليوم تقلّ عن ثلاثمائة، والعدد في تناقص يومي، ومن المتوقع أن يصل لحدوده الدنيا في نهاية أغسطس، ليبدأ العام الدراسي الجديد بداية سبتمبر وقد تمّت محاصرة الوباء والسيطرة عليه. وفي الوقت الذي تغزو العالم موجات جديدة من الفيروس، تواصل قطر مواجهة الفيروس بهدوء وحكمة.

 

ما قامت به دولة قطر لمواجهة فيروس كورونا ليس معجزة، بل كان نتيجة طبيعية لتوفر عامليْن اثنيْن: الأول وجود قيادة لديها رؤية واضحة، وضعت الخطط والآليات واتخذت الإجراءات الضرورية، واستنفرت جهودها وطاقاتها لمواجهة الفيروس، والثاني مجتمع رافق القيادة في إجراءاتها والتزم بها، لأنه يثق بهذه القيادة ويدرك أنها تسعى لتأمين سلامته.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة