أريد العشرة التي على الشجرة

blogs تفكير

منذ صغري وأنا أكره المثل القائل: "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة"، وكبرتُ وكبر بغضي لهذا المثل. غير أنني في صغري كنت أكرهه لأنني كنت فقط أتساءل: لماذا أكتفي بعصفور واحد؟ لماذا لا أنال العصافير العشرة أو على الأقل أنال منها ما استطعت الوصول إليه؟ ببساطة وبراءة وطفولة: لماذا لا أحصل على أكثر من عصفور واحد؟

 

وعندما كبرت اكتشفت أن الامر أكبر من ذلك بكثير؛ اكتشفت أن هذا المثل يقتل الطموح، ويَحُدُّ المستقبل، ويجعل الإنسان بلا تطلعات ولا مبادرات ولا حتى إنجازات؛ فهو يتمسك بمقعده الذي هو فيه، ويحافظ عليه بأقل مجهود ممكن؛ دون أية رغبة في التقدم أو التطور أو النمو. اكتشفت أن هذا المثل، وأمثاله كثير للأسف، لو آمن بها الناس جميعاً لما صنع عالِمٌ شيئا، ولما أبدع مبدعٌ أمرا؛ بل لما قامت في الدنيا حضارة.

 

إنه الطموح يا سادة.. إنه قيمة الإنسان؛ فـ "قيمة المرء لا تزيد عن طموحاته" كما يقول الفيلسوف والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس أنطونيوس "Marcus Aurelius Antoninus". إنه الطموح الذي يعني في اللغة "الارتفاع"، والذي معناه في المفهوم امتلاك الحافز لبلوغ القوة، الطموح ذلك الشيء الذي ينمو بداخل الإنسان ليُكْسِبَه القدرة على بذل مجهود أكبر كي يحقق ما يريد؛ فلا وصول لمبتغى أو هدف بدون حافز، ولا حافز إلا من ورائه طموح؛ فالطموح قوة لا يُستهان بها، تُخلَق في داخل الإنسان، وتدفعه إلى الفعل والبذل والجهد للوصول لمبتغى أعلى فأعلى.

BLOGS تفكير

والشخص الطموح هو شخص يتحدى المصاعب من أجل الوصول إلى المستوى الذي يطمح إليه؛ فهو لا يقبل بالواقع ولا بالأمر الواقع، ويرى دوماً أن هناك ما يمكن أن يفعله وأن يصل إليه، ولا يضع كلمة الحظ أو الظروف عقبة تمنعه أو حتى تؤثر في طبيعة حياته وإنجازه ونجاحه. الشخص الطموح ينظر دوماً بعين التفاؤل إلى الحياة، ويؤمن بالكفاح والتعب والجهد، ولا ينتظر الظروف أن تتهيأ له؛ بل يهيء هو لنفسه الظروف، ويعتمد على نفسه، ويتحمل مسؤولياته. قديماً قال أشعر شعراء العرب أبو الطيب المتنبي:

"إذا كنتَ في شَرَفٍ مَرومِ *** فلا تَقْنَعْ بما دونَ النجومِ"

 

امتلك الطموح الذي لا يجعلك تقنع بشيء أقل من النجوم؛ بل لماذا لا يكون طموحك إلى ما هو فوق النجوم كذلك؟ قد تفشل؟ افشل! وماذا في ذلك؟ إن المخترع العظيم توماس إديسون "Thomas Edison"، مخترع المصباح الكهربائي وعشرات الاختراعات الأخرى التي كان لها تأثيرها على البشرية جمعاء، فشل ألف مرة قبل اختراعه للمصباح، وحين سئل عن فشله هذا قال: "أنا لم أفشل ألف مرة؛ بل اكتشفت ألف طريقة لا تؤدي إلى اخترع المصباح"، والفشل ليس نقيض النجاح؛ بل هو طريق النجاح، وكما يقول الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا "Nelson Mandela": "أنا لا أخسر أبدا؛ً إما أن أفوز، وإما أن أتعلَّم"، "الفشل هو نجاحٌ إذا كان لنا أن نتعلَّم منه" كما يقول مالكوم فوربس "Malcolm Forbes" رجل الأعمال ومالك مجلة فوربس "Forbes" الشهيرة.

 

نعم أعلم جيداً أنني حين أحاول الوصول إلى العصافير العشرة التي على الشجرة قد لا أصل إلى أيٍّ منها، وسأعود خالي الوفاض من العصافير، وأفقد حتى العصفور الذي كان في يدي؛ لكنني حينها لن أكون خالي الوفاض من الخبرة، من معرفة سبب فشلي، من إدراكي طريقة جديدة لن تؤدي إلى الوصول للعصافير؛ وكل لك سيكون رصيداً من الخبرة اكتسبته كي أتقن عملي أكثر في المحاولة القادمة، ثم التي تليها، والتي تليها؛ إلى أن أصل إلى أن يقع في يدي أكبر عدد من العصافير التي على الشجرة.

 

النتائج الكبيرة تحتاج لطموحات كبيرة، وتحتاج كذلك لبذلٍ أكبر ومجهودٍ أكثر وتعبٍ زائد، وفي هذا يقول المتنبي: وإذا كانت النفوسُ كِباراً *** تَعِبَتْ في مُرَادِها الأجسامُ. ولكن هذا التعب ليس مجانيًّا؛ إذ له نتائج ومنافع، له نمو وارتقاء وارتفاع، وغير ذلك يعني عدم التقدُّم والتطور والنمو، يعني البقاء في الأسفل، العيش بين الحفر؛ "ومَن لا يُحِبُّ صعودَ الجبالِ *** يَعِشْ أَبَدَ الدهرِ بين الحُفَرْ" كما يقول أبو القاسم الشابي. كما أن من أهم مميزات الطموح أنه لا يتوقف؛ إذ "لا يبدو أن هناك أية نهاية للطموحات، وهذا أفضل ما في الأمر؛ فبمجرد أن تصل إلى أحد الطموحات، ترى واحداً آخر يتألق في الأعلى.. إنها تجعل الحياة ممتعة للغاية" كما تقول الكاتبة الكندية لوسي مود مونتغمري "Lucy Maud Montgomery" والتي تكتب رواياتها باسم "L. M. Montgomery".

BLOGS تفكير

وكي تكون إنساناً طموحاً عليك أن تفكر بإيجابية وترى الأمور بعين إيجابية، وأن تعزِّز ثقتك في نفسك، وأن تدرس نفسك جيداً وتعرف قدراتها الحقيقية، وأن تعمل على جوانب النقص فيها فتقوِّيها وتعزِّزها بالعلم وبالممارسة، وأن تستكمل ما تفتقده من قدرات، وأن تحفِّز نفسك دوماً وتشجعها، وأن تحيط نفسك بالمحفِّزين والمشجِّعين وتبتعد عن المحبِطين والمحبَطين.. أن تكون إيجابيًّا في كل شيء؛ من داخلك، ومن خارجك، ومن كل ما حولك من أشخاص أو أشياء أو ظروف.

 

ونعود للمتنبي من جديد:

ذَرِيني أَنَلْ ما لا يُنَالُ مِنَ العُلا *** فصَعْبُ العُلا في الصَّعْبِ والسَّهْلُ في السَهْلِ

تُريديـنَ لـُقْــيَانَ المَعَـالِي رَخِيصَـةً *** ولا بُـدَّ دُونَ الـشَّـهْـــدِ مِــنْ إِبَــرِ النَّـحْـــلِ

 

الصعب في الصعب؛ لكن النتيجة مرضية، مغرية، ممتعة، مبدعة، عظيمة، لها طعم لا مثيل له، وهكذا هو الطموح، وتلك هي نتائجه. الوصول إلى العصافير العشرة؛ هذا هو الطموح، وهذه هي الإرادة، وهذه هي الغاية، وهكذا تتقدم الأمم وتتطور، وبهذا قامت الحضارات وما زالت تقوم؛ بعيداً عن هذا المَثَل وأمثاله. أريد العشرة عصافير التي على الشجرة.. نعم العشرة، ولا شيء غير ذلك.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة