خفايا اختطاف الصحفي أوستن تايس والتفاوض عليه

بالأمس كشف وزير الخارجية الأميركي بومبيو عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجّه رسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد في شهر آذار الماضي، بهدف التفاوض بشأن إطلاق سراح الصحفي الأميركي المختطف أوستن تايس.. وأكد بومبيو أن الحكومة الأميركية حاولت مرارا التواصل مع مسؤولين سوريين للإفراج عن الصحفي.. فما حقيقة وجود تايس في يد نظام الأسد؟ وما كواليس التفاوض بشأنه؟ وهل يفكر ترامب جديا بإعادته ليعزز مكانته في انتخابات الرئاسة الأمريكية؟

دخول أوستن تايس إلى سوريا

مع بداية تحرك الجيش الحر على الحدود الشمالية السورية وتحريره بعض المناطق من سلطة نظام الأسد تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة للصحافة العالمية والمغامرين الذين اعتادوا تغطية الحروب أو الذين يحاولون خوض هذه التجربة، كان الشاب الأمريكي أوستن تايس أحد الذين اجتذبتهم الساحة السورية المفتوحة فدخلها من الحدود التركية بتاريخ الثلاثين من أيار عام 2012 وتنقل فيها لتغطية الأحداث ونقلها إلى مجموعة من الصحف ووكالات الأنباء حتى وصل إلى ريف دمشق في طريقه للذهاب إلى لبنان ومنها إلى أمريكا، ولكنه اختفى قبل بلوغه الحدود اللبنانية في الثالث عشر من شهر آب عام 2012.

 

في شهر تشرين الثاني من العام نفسه ظهر شريط مصور يبدو فيه أوستن في قبضة جماعة دينية متطرفة، مما يشير إلى اختطافه من قبل القاعدة أو إحدى الجماعات المرتبطة بها. لدى تحليل الفيديو الهزلي يظهر أن الذين ظهروا بلباس الجماعات المتطرفة ليسوا سوى أناس يمثلون هذا الدور بغاية السوء، مما عزز فرضية وجوده في قبضة نظام الأسد، الذي أنكر وجوده عنده، رغم إشارة القرائن إلى تورطه بخطفه، في السنوات التالية لاختفاء "أوستن" جرت مفاوضات بين نظام الأسد ومبعوث باسم وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" واضطر حينها وزير الخارجية الأمريكي إلى التصريح بضرورة التفاوض مع الأسد ظنا منه أن هذا التصريح سييسر عملية إطلاق سراح الصحفي المختطف.

رؤية أوستن تايس

في عام 2015 صرح مسؤول أمريكي أنه رأى أوستن في يد نظام الأسد وأنه بخير، ومع هذا فإن نظام الأسد بقي ينكر رسميا وجوده في يده، قبل سنة تقريبا تواصلَتْ معي إحدى المؤسسات الصحفية الأمريكية المهتمة بقضية الصحفي المختطف بتوكيل من والدته، وتساءلَتْ إن كنت قد رأيته أثناء وجودي في سجون المخابرات السورية مدة سنتين، وعن الأماكن التي يحتمل أن يوجد فيها، وخاصة فرع 248 الذي لم ألتق فيه من الأجانب إلا صحفيا إسبانيا أشقر أصلع الرأس كان في السادسة والعشرين من عمره في منتصف عام 2012م، ولم ألتق به بشكل رسمي وإنما تم التواصل بيننا عن طريق زنزانة وسيطة وشقوق صغيرة في أبواب الزنازين التي تم اعتقالنا في داخلها تحت الأرض. وبحسب ما أفاد الصحفي الإسباني حينها فإنه قد تم اختطافه في حلب ثم نقل إلى دمشق حيث أودع في فرع 248، ثم نقل بعد فترة قصيرة إلى مكان آخر غير معروف.

مكان احتجاز الصحفي المخطوف

من خلال التواصل مع المؤسسة الصحفية الأمريكية والبحث الشخصي تم الوصول إلى المعلومات التالية:

الصحفي الأمريكي موجود في سجن الطاحونة وهو سجن خاص بالحرس الجمهوري تحت الأرض، موجود قرب أحد القصور الرئاسية ويطل على مطار المزة العسكري.

قدم بعض الموظفين العسكريين في سجن الطاحونة وفي بعض المشافي العسكرية معلومات للأمريكيين تتعلق بالصحفي المفقود مفادها أنه تم نقل أوستن إلى المستشفى مرتين واحدة منها إلى مستشفى تشرين العسكري في عام 2016.

معلومات من علي مملوك

بحسب المؤسسة الصحفية فإن الأمريكيين حصلوا على معلومات سرية من رئيس مكتب الأمن القومي في نظام الأسد اللواء علي مملوك أخبرهم فيها أن الصحفي المختطف أوستن موجود عند نظام الأسد، ولكنه ليس معتقلا بشكل رسمي، وإنما تم اختطافه من قبل ضابط مقرب من بشار الأسد يعرف باسم اللواء "باسم الحسن" وما زال يحتفظ به في سجن الطاحونة كرهينة شخصية لديه ولا علاقة للمخابرات السورية بهذا العمل، حسب قوله.

من هو باسم الحسن؟

"باسم الحسن" هو اسم مستعار للِّواء "بسام مرهج" مدير المكتب الأمني للرئيس الأسد، وقد تسلم مدة من الزمن المسؤولية عن إدارة برنامج الأسلحة الكيماوية لدى نظام الأسد بحسب بعض المصادر، وهو ضابط مقرب من الإيرانيين والروس على حد سواء، كما شغل منصب رئيس وحدة العمليات الخاصة عند النظام السوري فترة من الزمن. وقد ظهر مرات عدة بجانب الأسد كحارس شخصي في بعض المناسبات.

محاولات على طريق الحل

وصلتني رسالة من والدة "أوستن" عن طريق المؤسسة المهتمة بقضيته وفيها ما فيها من شكر الأم المشفقة لكل من يقدم المساعدة لابنها المسكين الذي غدا رهينة في يد تنظيم مافيوي لا يعرف من الإنسانية إلا اسمها، وقد أُرفق بالرسالة مجموعة من الصور العائلية لأوستن منذ طفولته وحتى اختطافه.

 

كشاب سوري مكث في سجون الأسد قرابة السنتين قررت أن أساعد عائلته في العثور عليه، فمن يدخل سجون الأسد لا يتمناها لا لصديقه ولا لعدوه، فهي سجون لا تتوفر فيها أدنى المعايير الإنسانية، هي سجون للموت البطيء والقتل والتعذيب والانتقام من الإنسانية.. ولكن كل المحاولات باءت بالفشل ووصلت إلى طرق مسدودة. قبل أشهر كنت أؤمل أن تكون فدية بقيمة بضع ملايين من الدولارات وسيلة مناسبة لإنقاذ "أوستن" وخاصة بعد أن ذهب زمن أوباما وجون كيري اللذين اهتما بقضية "أوستن" تحت ضغط والديه لتُنسى بعد ذلك مع الأيام.

 

بعد العقوبات الأمريكية وإعادة فتح قضية الصحفي لم يعد ثمة فرصة لإخراج "أوستن" بفدية ما، وغدا الحديث للحديد والنار اللذين سيأكلان أطنانا من ظهور المدنيين السوريين ولحومهم قبل أن يصل ألمهما إلى ظهر مافيا الأسد التي تتاجر بالبلد والناس وتقدمهم قرابين لعرش الطاغية، وعندها قد تفكر بالتفاوض من أجل "أوستن" وغيره من القضايا.

قانون قيصر وأوستن تايس

قبل فترة وقَّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قانون العقوبات على سوريا "قيصر" وفي حسبانه -بحسب بعض المحللين- الحصول على الصحفي الأمريكي الذي وعد عائلته في بداية ولايته بإعادته سالما إلى البلاد. يدفع الشعب السوري الثمن وينعم المجرمون بالعيش سنوات أخر ليمارسوا المزيد من القتل والتجويع والتشريد، في ظل استمرار اعتقال عشرات الآلاف من السوريين لدى نظام الأسد وموت العشرات منهم يوما بعد يوم، وتأتي العقوبات الأمريكية لتقصم ظهر من تبقى من السوريين وتعيد تأهيل نظام الأسد في نظر أتباعه، النظام الذي لا يزال يحصل على النفط والإمدادات من مناطق قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المدعومة من ترامب.

كيف يتاجر ترامب بقضية أوستن تايس؟

يصاب الإنسان بالدهشة من تناقض سياسة الرئيس ترامب، فهو من جهة يعاقب نظام الأسد ويورد له النفط عن طريق قسد من جهة أخرى، ويقوم حلفاؤه الشخصيون ابن زايد وابن سلمان والسيسي بدعم عملياته ضد الجيش الحر، وقبل ذلك وأثناء حديث ترامب عن استعادة الصحفي كان ينسق مع نظام الأسد في الضربة الأمريكية الشهيرة، فأثناء الضربة الأمريكية المزعومة لنظام الأسد تم تبليغ النظام بالمواقع المستهدفة فقام بإخلائها قبل الضربة لتسقط الصواريخ الأمريكية في أماكن فارغة، بشهادة الكثيرين من جنود الأسد، الذين عزا بعضهم ذلك إلى قوىً سماوية يعتقدون أنها تحمي رئيسهم ومن يخدمه. وقبل أشهر وعَقِب الاتفاق الأمريكي التركي، وبدل أن يسحب ترامب القوات الأمريكية بطريقة عقلانية ومدروسة من مناطق "قسد" ويقدمها لأهلها من المدنيين الذين شردهم نظام الأسد؛ قام بالانسحاب منها بطريقة مدروسة -أو غبية بحسب البعض – بحيث تم تسليمها للأسد والروس.

 

وفي ظل التحضير لانتخابات البيت الأبيض، والتنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين يعيد فريق ترامب فتح ملف أوستن تايس.. فما خفايا هذه التصريحات؟ ولماذا اختار بومبيو هذا التوقيت بالذات؟ هل يتوقع ترامب أن يقوم صديقه بوتين بدعمه في هذه الانتخابات عبر إظهاره بطلا بتسليمه أوستن تايس الذي عجز من سبقه عن إعادته إلى الوطن؟

 

لا يستغرب المراقبون عودة أوستن تايس قريبا إلى وطنه، فبوتين قدم الخدمة ذاتها لنتنياهو أثناء الانتخابات الإسرائيلية وعن طريق نظام الأسد ذاته، ولا يُستبعد تقديمها مجددا لصديقه ترامب، فمن مصلحة روسيا أن يستمر ترامب بالتواجد في البيت الأبيض، ويستمر بوتين بالتمدد في الشرق الأوسط بدعم من حلفاء ترامب الشخصيين السيسي وابن زايد وابن سلمان.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة