التطبيع مع إسرائيل.. حق سيادي أم خيانة أمة؟

كشفت الإمارات أخيرا ما كان يدور وراء الكواليس وأعلنت اتفاقا لتطبيع كامل مع "إسرائيل". هذا الإعلان لم يكن مفاجئا لأحد. فالكل بات يعلم اليوم دفئ وطيب العلاقات التي تربط معظم الأنظمة العربية بإسرائيل. الخطوة الإماراتية إذن ليست منشئة لحالة جديدة، بل هي كاشفة لحالة موجودة فعليا ترجمتها سلسلة طويلة من حلقات التطبيع الناعم رياضيا واقتصاديا وثقافيا بل وأمنيا مع كثير من الدول العربية. في هذا المقال سنحاول التطرق إلى عدة أسئلة محورية:

أولا: هل التطبيع مع إسرائيل يشكل فعلا مدخلا للسلام والرفاه لشعوب المنطقة كما يزعمون؟

حسنا، بادئ ذي بدء، دعونا نوضح نقطة مهمة للغاية: لا مشكلة لنا في التعامل مع إسرائيل باعتبارها قد أصبحت أمرا واقعا ولا في تقديم بعض التنازلات لها من أجل تحقيق سلام دائم وعادل وشامل يحقق تطلعات شعوب المنطقة في الاستقرار والرفاهية، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل إسرائيل نفسها تستهدف أو ترغب في تحقيق السلام؟

 

في الحقيقة، لا يستطيع أحد أن يثبت عمليا وجود رغبة إسرائيلية في الوصول إلى اتفاقيات سلام عادل وشامل هدفها النهائي يتمثل في ضمان استقرار المنطقة وازدهارها بكل شعوبها وأطيافها، هذه الرغبة موجودة فقط وعلى مضض واستحياء في بعض خطابات قادة الصهاينة التضليلية والمخادعة. قد يرد علينا أحدهم بالقول: فلماذا وقعت إسرائيل إذن اتفاقيتي السلام في كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الأردن وقامت بتقديم بعض التنازلات في سبيل ذلك إن كانت فعلا لا تستهدف الوصول إلى السلام؟

 

إن توقيع إسرائيل للسلام مع مصر أو مع الأردن لا يشكل هدفها النهائي يا سادة. بل يعتبر خطوة استراتيجية مهمة في طريق تحقيق أهدافها الأيديولوجية الكبرى. بعبارة أخرى، الهدف ليس هو السلام بحد ذاته، بل هو ضمان أمن إسرائيل مرحليا من خلال السلام من أجل الوصول إلى أهداف أكبر من المستوى الاستراتيجي.. إنها الأهداف على المستوى الأيديولوجي أو ما يسمى "إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل" وفقا للرواية التوراتية (سفر التكوين 18:15- 21). فمن المعلوم والملاحظ تماما بأن قيام "إسرائيل" إنما تم منذ البداية على أسس عقائدية محرفة مستندة إلى تاريخ مزور. فعبارات "أرض الأجداد"، و"الأرض الموعودة"، و"مهد الشعب اليهودي" وإسرائيل الكبرى" في كتابات ومذكرات قادة الحركة الصهيونية تشير بوضوح إلى العامل العقائدي الذي استد اليه قيام إسرائيل على أرض فلسطين.

لذلك فإن القول بأن السلام ليس هدف إسرائيل النهائي بل هو خطوة في طريق تحقيق أهدافها الابعد ليس كلاما انشائيا أو اعتباطيا، بل هو كلام قابل للإثبات علميا وموضوعيا والأدلة عليه أكثر من أن تحصى نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر فيما يلي:

 

1- أهداف إسرائيل الكبرى مذكورة تقريبا في معظم كتابات ومذكرات قادة الصهيونية من تيودور هرتزل إلى حاييم وايزمان وديفيد بن غوريون ووصولا إلى رئيس الوزراء الحالي بن يمين نتنياهو الذي ذكرها صراحة في كتابه "مكان تحت الشمس". هذه الأهداف ليست من قبيل الشعارات الفارغة والرنانة التي نسمعها كل يوم في عالمنا العربي، بل هي مبادئ عمل تكرس لها كل الإمكانات وتوضع في خدمتها كل السياسيات والاستراتيجيات، وهذا واضح تماما في كل تصرفات إسرائيل.

 

فالتوسع الاستيطاني السرطاني في الأراضي المحتلة وضم الجولان وتهويد القدس واعتبارها عاصمة أبدية لإسرائيل والبحث عن الهيكل تحت المسجد الأقصى والخطط الحالية لضم أراضي شاسعة من الضفة الغربية كلها سلوكيات عملية تبرهن ما نقوله. زد على ذلك القانون الوقح الذي اقره الكونغرس الإسرائيلي والمتعلق بيهودية الدولة. هذا القانون بالذات يبرهن بالدليل القاطع أن إسرائيل دولة عقائدية متطرفة لا تهتم في سبيل تحقيق أهدافها حتى بمن وقفوا معها وحاربوا في صفوفها.

 

2- من الواضح لكل مراقب موضوعي بأن السلوك العدائي لإسرائيل تجاه مصر لم يتوقف يوما لا قبل كامب ديفيد ولا بعدها. فإسرائيل هي التي وقفت ودعمت انفصال جنوب السودان حتى تم فعليا عام 2011. كما أن إسرائيل هي التي شجعت ودعمت ومولت تشييد أكبر سد كهرومائي على مستوى أفريقيا على منابع النيل الأزرق في أثيوبيا. وساذج بالتأكيد من لا يرى بوضوح أن هذه الخطوات الإسرائيلية ليست سوى استهدافا للأمن القومي المصري في الصميم من خلال السيطرة على منابع النيل. وهاتين القضيتين ليستا بالتأكيد على سبيل الحصر بل على سبيل المثال لان القائمة تطول.

 

يقول البعض بأن هذه الرواية ليست سوى جزءا من أحلامنا وأوهامنا مستدلين بالقول بأن قيام "إسرائيل الكبرى" ليس ممكنا على الإطلاق من الناحية التطبيقية لسبب بسيط يتعلق بالبعد الديمغرافي. فاليهود الموجودون في العالم بأسره لا يتجاوز عددهم أربعة عشر مليونا. فلو افترضنا أنهم قد قبلوا جميعا الهجرة إلى إسرائيل فانهم لن يكونوا كافين لا لملأ "إسرائيل الكبرى" التي ستمتد على مساحة جغرافية واسعة في مصر وسوريا والأردن والسعودية والعراق ولا لحمياتها في مواجهة مئة مليون تقريبا من سكانها العرب والمسلمين.

في الحقيقة قد تبدو وجهة النظر هذه منطقية، إلا أن للصهاينة وجهة نظر أخرى. فاليهود يشكلون نسبة لا تذكر من سكان الولايات المتحدة، إلا أنهم يسيطرون على السياسة الأمريكية أكثر مما يسيطر عليها سياسيوها المنتخبون. كل هذا يتم في دول العالم المتقدم فما بالك في منطقة بدأت تتجه للتفكك وفقدان السيادة. فإسرائيل الكبرى لا تعني بالضرورة نشر اليهود ليسيطروا عسكريا على المنطقة المستهدفة.. هذه فكرة متخلفة. لكن إسرائيل الكبرى تقوم عندما يكون لإسرائيل الكلمة العليا على كامل أرجاء المنطقة التي ستكون مفككة بين أطياف متناحرة وباستخدام ذيول على شكل ولاة لا حول لهم ولا قوة إلا الارتماء في حضن إسرائيل وتنفيذ أوامرها بدون تردد أو تعليق، مع التأكيد على رفع علم إسرائيل عاليا في كل هذه المناطق كرمز للدولة.

 

إن رفع علم إسرائيل في سماء الإمارات ليس إلا خطوة في طريق التجسيد العملي لحلم إسرائيل الكبرى، وهذه الخطوة ستتبعها بالتأكيد خطوات مماثلة من دول أخرى قريبا. نعم، سنرى علم إسرائيل يرفرف قريبا في سماء عواصم أخرى في شبه جزيرة العرب. ولا بد من التأكيد هنا على عدم المقارنة بين رفع علم الإمارات في إسرائيل مقابل رفع علم إسرائيل في الإمارات. فالأول رمزي للغاية وبدون معنى، أما الثاني فهو الفيصل. العلاقة ليست ندية بين دولتين حتى ولو بدت ظاهريا كذلك، العلاقة علاقة تبعية شبه مطلقة.. للأسف.

ثانيا: هل الحكام المطبعون الحاليون والمستقبليون يجهلون الأهداف الحقيقية لإسرائيل؟

لا يمكن القول بان الحكام المطبعين مع دولة الاحتلال لا يعلمون تفصيلا كل ما أسلفناه أعلاه. فحتى الأطفال الصغار باتوا يعرفون هذه الحقائق. لكن، طالما أنهم يعرفون أن التطبيع لن يجلب الرفاه والاستقرار للمنطقة، فلماذا يطبعون إذن؟

 

الجواب بكل وضوح واختصار يتعلق بالنظرة "الثاقبة" لحكام العرب. فهؤلاء يرون بأن إسرائيل ورعاتها إنما يتجهون نحو القمة، نحو التفوق والانتصار، نحو الهيمنة على كل مفاصل الحياة في هذا العالم. العالم كله يتجه نحو إعادة صياغة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما ازمة كورونا الا البداية فقط. لذلك فان إسرائيل ورعاتها من اباطرة المال هم من سيقرر قريبا من يحكم ومن لا يحكم، من يبقى ومن سيذهب، وأنه لا مجال أبدا للوقوف في وجههم ولا معاندتهم. لذلك فإن اختيار التطبيع المجاني مع إسرائيل هو بمثابة الرهان على الحصان الذي يعتقدون أنه الفائز والذي سيحفظ لهم عروشهم حتى ولو كانت "ذليلة". اما القدس وفلسطين والفلسطينيين فلن يكون لهم في الزمن القريب أي مكان على الخريطة، ولا امل اطلاقا من الرهان عليهم ولا طائل من التمسك بقضيتهم لانهم "خاسرة". في المحصلة، يمكن القول بان التطبيع يهدف لبيع كل شيء…الارض والمقدسات والحقوق والاخوة… مقابل البقاء على العرش. المطبعون يعلمون ان التطبيع لن يأتي لمنطقتنا ولا لدولنا بالخير. قرار التطبيع لا يمكن وصفه الا كخيانة للامة مع سبق الاصرار والترصد.

ثالثا: رسالتنا لمن يهمه الامر

بسم الله الرحمن الرحيم

"وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم"….

صدق الله العظيم



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة