العلاقة بين العلم والدين.. تمايز أم تباين؟

blogs-مكتبة قطر الوطنية

في هذه الحلقة نعرض للموقف الثاني والثالث في شأن العلاقة بين العلم والدين؛ فهل بينهما تمايز أم بينهما تباين؟

الموقف الثاني: أن بين العلم والدين تمايزا لا تناقضا

وادعت فرقة ثانية من غيرنا أن بين العلم والدين تمايزا، لا تناقضا؛ فليس أحدهما يَثبُت حيث ينتفي الثاني، فيكون بينهما تناقض كما عند الفرقة الأولى، وإنما يختص بما لا يختص به هذا الثاني؛ فما يشتغل به العلم لا يشتغل به الدين، وما يشتغل به الدين لا يشتغل به العلم؛ فالعلم عند أفراد هذه الفرقة الثانية موضوعه المعرفة والحقيقة، بينما الدين موضوعه الشعور والحدس؛ وضوابط المعرفة والحقيقة لا تنطبق على مجال الشعور والحدس، وقواعد الشعور والحدس لا تنطبق على مجال المعرفة والحقيقة. وعلى هذا، فلا النقد العلمي بمقدوره أن ينال من الدين، ولا السلطة الدينية بمقدورها أن تنال من العلم (عبد الرحمن، 2007، ص38-39).

 

ووُجدت منا نحن أيضا طائفة أخرى ادعت ما ادعاه هؤلاء، حجتها في ذلك أن العلمَ مبني على التدليل العقلي والدينَ مبني على التسليم القلبي، ولا مطمع في التقدم والتحضر مثلما تقدَّم وتحضَّر سوانا إلا باعتماد طريق العقل على شرطهم؛ ولكَمْ كان فخرها كبيرا أن تجد بين أسلافنا من أشبهَ قولُه قول غيرنا، فراحت تشدد على اتباعه، وما ذاك إلا ابن رشد الذي قرَّر وجوب الفصل بين العلم والدين بدعوى أن العلم طريقُه البرهان الذي يناسب العلماء وأن الدينَ طريقُه الإيمان الذي يناسب العوام! وما دَرَت هذه الطائفة الثانية منا أن البرهان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن الإيمان كما أن الإيمان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن البرهان (عبد الرحمن، 2007، ص39)!

الموقف الثالث: أن بين العلم والدين تباينا لا تناقضا

وادَّعت فرقة ثالثة من غيرنا أن بين العلم والدين تباينا، لا تناقضا ولا تمايزا؛ فليس أحدهما يَثبت حيث ينتفي الثاني، فيكونَ بينهما تناقض كما عند الفرقة الأولى، ولا أنه يختص بما لا يختص به، فيكون بينهما تمايز كما عند الفرقة الثانية، وإنما الواحد منهما يتناول ما يتناوله الآخر، لكن بغير الوجه الذي يتناوله به، فمُتعلَّقهما واحد ووجه تعلُّقهما مختلف؛ فالاعتقاد في العلم غير الاعتقاد في الدين، والمعرفة في هذا غير المعرفة في ذاك، والفعل هنا غير الفعل هناك، فيكون العلم والدين بمنـزلة شكلَين متباينين من أشكال الحياة، بل بمنـزلة عالمين اثنين لا مجال للمقارنة بينهما ولا لمقايسة أحدهما بالآخر؛ ومادام العلم والدين بهذا التباين البالغ، فلا يُعقل أن نصرف الدين بحجة أنه معرفة لا تقوى على النهوض بموجبات العلم، كما لا يُعقل أن نسعى إلى تقويته بأن نخلع عليه حلية العلم(عبد الرحمن، 2007، ص39).

blogs مكتبة

ووُجدت منا نحن كذلك طائفة ثالثة ادعت ما ادعاه هؤلاء، مسترجعة بهذا الصدد ما قاله بعض أسلافنا من كون الدين يُعبّر عن الأشياء بلغة المجاز والإشارة، في حين أن العلم يُعبّر عن هذه الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة؛ لذا لا يجوز أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا صارت قولا كاذبا، ولا أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا صارت قولا لا يقبل التحقيق ولا التدليل؛ فيتباين الدين والعلم عند أفراد هذه الطائفة منا كما تتباين لغة الشعر ولغة المنطق؛ وما دَرى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة، وإنما درجات كثيرة، وأن العبارةَ –هي الأخرى- ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة! وحينئذ لا مفر من أن يتعذر عليهم الفصل في الأقوال التي تنـزل الدرجات الوسطى هل وردت على وجه الإشارة أم على وجه العبارة(عبد الرحمن، 2007، ص39).

 

ولعل هذا يذكرنا بقول إقبال عليه رحمة الله لما قارن بين الفلسفة والتجربة الدينية في الوصول إلى الحقيقة، حيث رأى أن "الدين – في أكمل صوره- يسمو فوق الشعر، فهو يتخطى الفرد إلى الجماعة؛ وفي موقفه من الحقيقة الكلية يتعارض مع عجز الانسان وقصوره، فهو يفسح مطالبه، ويستمسك بأمل لا يقل في شيء عن شهود الحق شهوداً مباشراً"(إقبال، تجديد التفكير الديني، ص7).

 

أما في ما يتعلق بالفلسفة والجهد العقلي، فإن إقبال يرى أن "مطمح الدين يسمو فوق مطلب الفلسفة. فالفلسفة نظر عقلي في الأشياء، وهي بوصفها هذا لا يهمها أن تذهب إلى أبعد من تصور يستطيع أن يرد كل ما للتجربة من صور خصبة إلى نظام أو منهج، فهي كأنما ترى الحقيقة عن بعد، أما الدين فيهدف إلى اتصال بالحقيقة أقرب وأوثق. فالفلسفات نظريات، اما الدين فتجربة روحية ومشاركة واتصال وثيق"(إقبال، تجديد التفكير الديني، ص77).

 

وكأنه يرى أن طريق الدين غير طريق الفلسفة في إدراك الحقيقة، وإن كان يؤكد أن الادراك العقلي إدراك براني، بينما الادراك الديني إدراك جواني يسمو بالإنسان عن مجرد الإدراك الظاهري لا شكلي الذي توفره الفلسفة والعقل، فهذه مواقف ثلاثة من الصلة بين العلم والدين وقفها غيرنا، فقلّدناهم فيها على غير بصيرة من أسبابها الحقيقية في مجالها الأصلي؛ أولها التناقض، وهو يفضي إلى صرف الدين؛ والثاني التمايز، وهو يفضي إلى تقديم العلم على الدين؛ والثالث التباين، وهو يفضي إلى جعل العلم في رتبة الدين (عبد الرحمن، 2007، ص39).