هل يغامر بوتين بسمعة بلاده من أجل لقاح؟

لم يكتف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإعلان عن نجاح مختبرات بلاده الطبية باكتشاف لقاح جديد لوباء كوفيد- 19، بل تجاوز ذلك للإعلان عن أن احدى بناته قد تلقت ذلك اللقاح، وهو ما يعبر عن ثقة الرجل بالإنجاز العلمي الجديد لعلماء بلاده، وفي التفاصيل، قال بوتين إن العلماء الروس في "معهد جامالي موسكو" نجحوا في إنتاج هذا اللقاح لفيروس كورونا؛ وقد بات هذا اللقاح متاحا ً للإنتاج العام بعد أن أثبت نجاعته في إحداث مناعة طويلة الأمد.

 

كما أعلن الرئيس الروسي بأن هذا اللقاح قد مر بكافة ‏الأبحاث والتجارب والإجراءات اللازمة لاعتماده، وفور هذا الإعلان توالت ردود الأفعال العالمية حول هذا اللقاح ما بين مرحب ومتحفظ ومشكك. وتلقى الرئيس الروسي الكثير من الاتصالات من رؤساء العالم لتهنأته بهذا الإنجاز، ‏وبدى أن بعضهم قد تحدث بخصوص شراء هذا اللقاح، الذي من المتوقع أن يتوفر مقابل اربعون دولارا مقارنة بمئة دولار السعر المتوقع للقاح الأميركي.

 

كان لمنظمة الصحة العالمية موقفها المشكك بفاعلية اللقاح الروسي، وشككت أنه قد اجتاز كافة الخطوات التي يجب أن يمر بها إنتاج اللقاحات، خاصة أن العلماء الروس لم يقوموا باطلاع المنظمة ‏على الخطوات أو البيانات التي تتعلق بإنتاجه، كما تفعل مراكز الأبحاث الأميركية والأوروبية والصينية، لكن العلماء الروس أكدوا من جانبهم، بأن اللقاح قد مر بكافة الإجراءات المطلوبة المتعارف عليها علمياً، حيث بدأت التجارب السريرية عليه في 18 يونيو/ حزيران الماضي، وقد تمكن جميع المتطوعين من انتاج الأجسام المضادة ضد اللقاح.

 

وعلميا يجب أن يمر اللقاح بثلاثة مراحل، الأولى تجرى على عدد قليل من المتطوعين وتعنى بدراسة الأمان؛ أما المرحلة الثانية فتعنى بدراسة فعالية اللقاح بالإضافة الى دراسة الامان وتشمل عددا أكبر من المتطوعين؛ أما المرحلة الثالثة فتشمل عدة آلاف من المتطوعين وتدرس أيضا الأمان وفعالية اللقاح، ويجب أن تكون هذه المرحلة عشوائية مزدوجة التعمية وهي المعتمدة لتسجيل اللقاح وترخيص انتاجه.

والمطلع على مراكز الأبحاث الروسية يستطيع الجزم بأنها تضاهي أعظم المراكز العالمية رغم ضعف الميزانيات، وقلة عدد الأبحاث المنشورة، وهذا يرجع غالبا إلى كون هذه المراكز تهتم بإنجاز أبحاث تطبيقية أكثر من اهتمامها الكمي لغايات النشر وتحقيق الشهرة ‏الأكاديمية، كما تفعل كثير من الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية.

 

ولذلك قلما تجد أي من الجامعات الروسية بين أفضل الجامعات العالمية من حيث الترتيب العالمي، لكن لنعلم أن معهد "جامالي موسكو" الذي انشأ في عام 1891 والمختص في انتاج اللقاحات ويخضع مباشرة لوزارة الصحة الروسية، هو الذي استطاع قبل ثلاثة أعوام انتاج لقاح لفيروس إيبولا، وهو اللقاح الوحيد المعتمد رسميا في العالم حتى هذه اللحظة.

 

في المقابل، فإن المتمعن في شخصية الرئيس الروسي حين أعلن عن اكتشاف اللقاح، يرى أن هذا الشخص العسكري لم يخرج أبدا بتصريحات كوميدية كما فعل نظيره الأميركي دونالد ترامب عندما طلب من الأميركيين شرب الكلور والمعقمات للقضاء على فيروس كورونا، لذا فمن المؤكد أن الروس لن يغامروا بتاريخهم العلمي المشرف بتسمية اللقاح "Sputnik-V" تخليداً لأول قمر صناعي روسي في إشارة إلى تاريخ سباق التسلح وغزو الفضاء.

 

وبالتالي نستطيع القول بأن العلماء الروس قد يملكون من الأدلة العلمية الدامغة التي يحتمل أنها جعلتهم يختصرون بعض المراحل العلمية في إنتاج اللقاحات، وهذه الأدلة ذاتها جعلت بوتين يخرج بهذا التصريح الذي أصبح الخبر الأول في كافة وكالات الأنباء العالمية. والخلاصة، فمن المتوقع أن يكون اللقاح الروسي ناجحا وفعالا، ومن المرجح أنه سيحدث نقلة نوعية في الحد من خطر وانتشار هذا الوباء العالمي في الأسابيع القليلة القادمة، والله تعالى أعلم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة