مرفأ بيروت بين تحقيقيْن.. كلاهما مشكوك فيه

في الوقت الذي تواصل فرق الإنقاذ البحث عن أشلاء المفقودين تحت ركام مرفأ بيروت المدمر، صار التحقيق بقضية انفجاره عنواناً لقضية خلافية جديدة بين القوى السياسية في لبنان. التي لا تريد الاكتفاء بتبرئة صفحتها ورفع المسؤولية عنها، بل تسعى للملمة الجريمة و"لفلفتها". وكما حصل في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، حين علت أصوات تطالب بإجراء تحقيق دولي في الحادث لعدم ثقتها بالقضاء اللبناني، علت اليوم أصوات مشابهة تطالب بتحقيق دولي في تفجير مرفأ بيروت أيضاً لعدم ثقتها بالقضاء اللبناني.

 

لكن في مقابل المطالبات بإجراء تحقيق دولي تبرز قوى أخرى تضع فيتو لبنانياً على هذا المطلب. يتصدر مشهد الرفض حزب الله الذي يشعر أن أي تسلل دولي إلى لبنان، سواء كان تحت راية قوات حفظ سلام أو ضبط حدود أو لجنة تحقيق دولية، إنما يهدف لمحاصرته والتضييق عليه وسحب سلاحه. الذريعة التي يقدمها حزب الله أن لا حاجة لقضاء دولي، ففي لبنان قضاء نزيه وشفاف ومستقل.

 

يريد حزب الله إقناع اللبنانيين أن قضاءهم نزيه ومستقل وشفاف، علماً أن الحزب يدرك جيداً أن القضاء في لبنان لا نزيه ولا مستقل ولا شفاف، وأن التسييس نخر عظمه، وأن أي تحقيق سيتولاه القضاء، سيكون حتماً عرضة للتسييس والاستغلال والسعي لتبرئة السلطة من أي مسؤولية. وهذا ليس اتهاماً، ولا مبنياً على فرضيات واتهامات فارغة، بل على أحداث واضحة ناصعة.

ليس بعيداً عنا الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية قبل أشهر بكف التعقبات عن العميل الإسرائيلي عامر الفاخوري الذي دخل إلى لبنان بطريقة مريبة وكان في استقباله في مطار بيروت ضابط كبير في الجيش، ثم بعد ذلك حظي بإطلاق سراح من المحكمة وخرج على رؤوس الأشهاد بطائرة من السفارة الأميركية. كل الأطراف المعنية بالملف غسلت يدها من إطلاق سراحه وطمرت رأسها بالرمال.

 

قبل أسابيع أصدر قاض قراراً يقع ضمن صلاحياته، منع بموجبه وسائل الإعلام اللبنانية من تناقل تصريحات للسفيرة الأميركية التي اعتبر أنها تحرض اللبنانيين على بعضهم. القضاء المستقل والنزيه وبتوجيه من وزيرة العدل عاقب القاضي بإحالته إلى التفتيش المركزي، وقدّم ممثل رئيس الجمهورية اعتذارا للسفيرة الأميركية على ما بدر من القاضي.

 

القضاء المستقل والنزيه هو الذي أخلى سبيل ضابط في قوى الأمن الداخلي عملت على تلفيق تهمة العمالة لمواطن لبناني من خلال اختراق حساباته الإلكترونية. وفي جلسة الحكم قدّم مفوض الحكومة المعني بتوجيه الاتهام مطالعة برأ فيها المتهمة لتخرج من المحكمة محمولة على الأكتاف والزغاريد. ومفوّض الحكومة نفسه صدرت بحقه ملفات فساد، لكن بما أنه محسوب على رئيس الجمهورية لم يتم المساس به وتُرك دون محاسبة.

 

القضاء النزيه والشفاف والمستقل هو الذي يرفض رئيس الجمهورية إقرار تشكيلاته القضائية لأنها لم تأتِ بالقضاة الموالين له في الأماكن التي يريدها. القضاء النزيه والشفاف هو الذي لاحق مواطناً مزّق صورة رئيس الجمهورية بعد ساعات من قيامه بالفعل، في الوقت الذي لم يتحرك القضاء لملاحقة مسلحين مدنيين أطلقوا النار على المتظاهرين العزّل وسط بيروت قبل أيام، رغم أن صورهم انتشرت في وسائل الإعلام وكانوا يقفون على مسافة خطوات من ضباط وعناصر الجيش.

لا علاقة للقضاء اللبناني لا بالنزاهة ولا بالاستقلالية، ولا ثقة للبنانيين بهذا القضاء الذي يعرف كيف يلوي المواد القانونية ويماطل في إجراءاته لخدمة مصالح السلطة السياسية، ولا ثقة بأي تحقيق يجريه القضاء اللبناني بحادث تفجير المرفأ. هذا لا يعني أن التحقيق الدولي الذي يطالب به البعض سيكون أكثر عدالة واستقلالية ونزاهة، فالتجربة التي خَبِرها اللبنانيون مع المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري لا تبشر بخير.

 

اللبنانيون عالقون بين تحقيقيْن. الأول داخلي مشكوك بنزاهته ولا يثق به معظم اللبنانيين، والثاني دولي ليس مستبعداً أن يكون مسيّساً وأن يتم استغلاله لتحقيق مآرب أخرى لا علاقة لها بالتحقيق، وذلك ليس على المجتمع الدولي ببعيد.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة