لبنان.. وطنٌ للبيع بداعي السفر

أن تكون متأهباً للرحيل حاملاً أوراقك الثبوتية وسيرتكَ الذاتية في حقيبتك اليومية.. هذا يعني بأنكَ ستمضي ما تبقّى من حياتك تبحث عن بقعة آمنة للنوم. حقيبة الظهر تلكَ لا تليق بكلّ ما أرتديه. أحياناً أرتدي أثواباً ملوّنة، وسراويل أنيقة.. وأضع الحليّ والمساحيق والعطور.. حاملةً على ظهري حقيبة سوداء كبيرة، وكأنني في سفر دائم بين الشوارع الفرعية والطريق السريع، لا أسمّي ذلك تناقضاً، إنّما استعداداً دائماً للرحيل.. عن كلّ شيء وفي أي وقت.

 

أحبّ لبنان وكأنّه والدي الذي منحني وقته، وتفكيره وقلقه.. ثمّ وفي أمسّ حاجتي إليه.. تركني في أرضٍ مجهولة، في بحث مستمرّ عن طريق للخروج أو طريق للعودة، ذلك الشعور بانعدام الشعور، وغياب الأفكار.. والترقّب المستمرّ، والخوف.. والانتظار.. هذا تماماً ما أشعر به الآن، كلّ ما عرفته لسنوات، وما مررت به، والتفاصيل الصغيرة التي لم أكترث لها بالشكل الكافي يوماً، تتلاشى أمامي وكأنها مشهد مركّب بالأبيض والأسود.

 

قهوتي التي أحبّ على شرفة منزل والدايْ، على وقع صوت فيروز.. الهدوء في الخارج، الحيّ الذي يستيقظ بعد الساعة الثامنة، الضجة التي تبدأ بإزعاجي ولجوئي إلى زاوية غرفتي… مكاني الخاص الصغير.. رائحة البخور.. الكنبة الفارغة، التلفاز الوحيد.. رائحة "الفول والفتّة" و"مناقيش الصعتر"… والشاي بالقرفة… وأصوات الأكواب.. وثرثرة أخواتي على مائدة الطعام.. وصوت "سمر أبي خليل" في مقدمة نشرة الأخبار المستفزّة.. والأخبار المقلقة.. وخطاب "الرئيس" و"صهر الرئيس".. وتراشق النكات على فايسبوك وتويتر.. ونشطاء في غرفة التحقيق.. واعتصامات على أبواب الوزارات.. والثكنات.. ومجلس الوزراء… ومعاذ الله مجلس النواب.. وربما في عالمٍ موازٍ أمام منزل رئيس مجلس النواب.. و.. و.. و..

 

سأشتاق لكلّ ذلك.. لكن سأترك "كلّ ذلك". لأنني أحمل حقيبة وجواز سفرن وسنوات من الحبّ والحبّ المضاعَف.. لا يخيفني المجهول، ولا تخيفني الحدود بين الدول.. والإقامات منتهية الصلاحية، ومقابلات العمل، والبحث عن منزل فيه شرفة مطلّة، ومقهى صغير قرب المنزل، لا يخيفني استبدال ساعات الانتظار أمام نافذة صغيرة لاستلام أوراقي الثبوتية، بدقائق كرامة، أنالها عند الولادة، لا يخيفني العيش على الهامش في ضواحي العواصم، أستقلّ باصات النقل المشترك والقطارات السريعة، وأنتظر مع الركاب وصول "الترامواي" الذي سيقلّني إلى الحيّ الهادئ الذي اخترته من بين آلاف الأحياء في أكثر مدن العالم صخباً وتناقضاً. كلّ ذلك لا يخيفني.. لكن تخيفني فكرة واحدة، أن أخسر كل ما أحببت.. وكل من أحبّ.. وأبدأ من جديد رحلة البحث عن أحلام مؤجلة وزوايا دافئة.

لبنان كما عرفته منذ الولادة يحتضر. الكل يحتضر بصمت.. والأسوأ من الاحتضار هو الصمت، والخوف من الذلّ أصعب من الذلّ.. والغربة في الوطن أصعب من الغربة.. والوطن للبيع بداعي السفر.. كل ذلك لا يكفيني كيْ أصف هول المصائب التي حلّت في سماء وطننا وهبطت على الأرض بشكل قنبلة ذرية هزّت عاصمة الحبّ.. فقتلت الحبّ وقتلت العاصمة.. ذكريات الأمس استُبدلت بزجاج مبعثر.. ودماء تضفي ألواناً على المشهد الرمادي.. وأصوات صراخ وبكاء الكبار قبل الصغار.. ذكريات الأمس انتشلتها عصابات حقيرة وسُلطة أحقر.

 

بيروتنا تلقّت صفعة مؤلمة.. وهذه المرة رفضت أن "تُدير خدّها الأيسر"… بل انهارت وركعت على الأرض.. ثم نظرت إلى السماء مستجدية أرواح أبنائها.. بيروتنا تلفظ أنفساها الأخيرة.. وأبناؤها يتنفسون رغماً عنهم وعنها وعن الهواء الذي ينوي مغادرة لبنان على متن أول طائرة.. بيروتنا قتلها بعض أبنائها.. أرذل الناس.. أحقر الناس.. وهي راكعة تستجدي السماء.. تأخذ الهواء وتعيده لرئة من خذلوها.. لأنها كالأم تحبّ دون قيد أو شرط.. وتعشق زلّات أبنائها قبل مزاياهم.. كما تعشق الحبيبة حبيبها.. لكن بيروتنا.. ورغم الألم المُضاعَف.. ستنهض كما نهضت سابقاً.. وتنفض التراب عن أضلعها.. وتعانق الكون الذي خذلها.. لأن لديها من الحبّ ما يكفي من تحبّ ومن أراد بها شرّاً.. ومهما ابتعدنا، ولو كان لنا في كل عاصمة مأوى.. بيتنا الصغير في زاوية الحيّ الدافئ.. وبكلّ ما فيه من نوافذ محطّمة.. وجدران مصدّعة.. سيكون مأوانا الأخير.. حيث كانت أحلامنا تكبر وزوايانا تتسع وبيروتنا تزداد قوةً.. وجمالاً.. حتّى وهي مغطاة بالتراب.

 

حبيبتنا بيروت.. أبناؤكِ يملؤون شوارعكِ اليوم.. يصففون شعركِ.. ويزيلون آثار التعب عن وجهكِ.. ويقبّلون رأسكِ.. هم يعلمون بأنّهم يساوون إسماً على لوائح الانتظار ان قرروا الابتعاد عنكِ.. فانهضي.. كلنا نراهن على كبريائكِ الذي رفض الانصياع للخنجر الموجّه خلفَ ظهركِ.. وحين طعَنكِ رفضتِ الصراخ..و أطبقتِ شفتيْكِ بانتظار زوال الألم.. انهضي.. فنحن حين تأبيْنَ النهوض.. سننبذُ الهواء الذي غادرنا.. ونختنق بعيداً عنكِ..  قومي بيروتنا… لأننا لأجلكِ حملنا ما تبقى لنا من هواء.. ولففنا أطفالنا بأعلام الثورة.. ولأجلكِ أنشدنا الشعر المحرّم في ساحاتكِ المكلّلة بالقنابل المسيّلة للدموع..

 

لأجلكِ لن نقف مكتوفي الأيدي.. وأقتبسُ ما قاله نزار قباني.. فاقرأوه جيداً يا من حرّفتم كتبَ الأرضِ وكتبَ السماء.. والشعر والرسم والموسيقى.. يا أعداء الفنّ والحب والكرامة: إنّ الثورة تولَدُ من رحمِ الأحزان



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة