كورونا واللقاح الروسي.. تسعة أسباب للحذر

فجأة وبدون سابق إنذار خرج الرئيس الروسي بوتين على العالم مبشرا باعتماد لقاح ضد فيروس كورونا، متفوقا لذلك على الغرب بقده وقديده، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل.

 

أولا: كل اللقاحات التي يتم اختبارها حاليا عليها المرور من المرحلة الثالثة وهي الحاسمة ويجري فيها الاختبار على عشرات الآلاف من الناس وفي مناطق مختلفة من العالم لمعرفة نجاعته، بينما اللقاح الروسي يقال إنه للتو سيدخل المرحلة الثالثة، أين وكيف ومتى، لا أحد يعلم، والمرحلة الثالثة هي الأكثر تعقيدا وحساسية، لأنها تحتاج لعشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف من المتطوعين وبريطانيا مثلا طلبت نصف مليون متطوع من أجل إخضاعه

 

ثانيا: استشهاد الناس بخضوع ابنة بوتين للقاح، وهذا أمر عادي فعمرها يسمح لها أن تكون من المتطوعين لتلقي اللقاح وإن كان في مرحلته الأولى كما يفعل الكثير من أقرانها حاليا في عدد من الدول الغربية كمتطوعين، وليس الأمر دليلا على النجاعة التامة للقاح.

 

ثالثا: لو كانت روسيا فعلا هي سباقة لإنتاج هذا اللقاح، فلماذا تم اتهامها رسميا من السلطات البريطانية، بمحاولة التجسس على فريق عمل جامعة أوكسفورد وأيضا على فريق عمل تطوير اللقاح في الولايات المتحدة. وحدث هذا الأمر بمجرد إعلان كل من بريطانيا وأمريكا عن نتائج مبشرة في عملية اختبار اللقاح فإذا كنت أنا الصاحب المركز الأول فلماذا سوف أنظر خلفي لمعرفة ما يفعل الآخرون.

رابعا: استشهاد البعض بكون عشرين دولة طلبت اللقاح، وهنا أيضا يجب التفصيل، فما يحدث حاليا في العالم هو سابق ومزاد مفتوح حول اللقاحات، بمعنى أن كل الدول تقدم طلبات لشراء اللقاحات من الجهات التي تطورها، ولكن عملية الشراء لن تتم إلا عندما يتم اعتماده من منظمة الصحة وليس قبل، وعلى سبيل المثال فبريطانيا مثلا قامت بعقد صفقات لشراء لقاحات مازالت في مرحلتها الثانية، لكن فقط لضمان حصة من كعكة اللقاحات فالدول الكبرى خصوصا تعلم أن معركة حقيقية سوف تندلع لتوفير أكبر قدر من الجرعات اللازمة لأي بلد.

 

خامسا: من خلال تواصلي مع جامعة أوكسفورد عقب إعلان النتائج المرحلة الثانية من القاح الذي يتم تطويره من طرف الجامعة العريقة، والتي كانت مبشرة جدا، فهمت من فريق العمل، أن اللقاح وللحكم على نجاعته وسلامته فيجب أولا اختباره في دول مختلفة من العالم، مثلا لقاح أوكسفورد يتم حاليا اختباره في جنوب إفريقيا والبرازيل الولايات المتحدة ودول إفريقية أخرى، وهذا ما لا نعلم عنه شيئا بالنسبة للقاح الروسي.

 

سادسا: هناك من اعتبر أن التشكيك في نجاعة اللقاح الروسي، هو من باب المكايدة الغربية لموسكو، وبأن الغرب لن يقبل إلا بأن يكون صاحب السبق في إنتاج اللقاح، وهذا أمر مفهوم ومقبول في إطار الصراع المستمر بين الطرفين، لولا أن الواقع لا يرتفع، فالمؤسسات الطبية والبحثية الغربية، تتمتع بالكثير من الاستقلالية عن الحكومات، إضافة للشفافية التي تتعامل بها، في الكشف عن كل مراحل تطوير اللقاح، ولعل بحثا بسيطا في مواقع موثوقة (الغارديان، نيويورك تايمز، منظمة الصحة) قبل أيام عن اللقاحات القريبة من مراحلها النهائية لم يكن ليجد أي ذكر للقاح الروسي، فهل هذا راجع إلا أن هذه الجهات وغيرها تفرض حصارا إعلاميا على روسيا، كما أن نتائج اللقاح، يجب أن تنشر في مجلات علمية محكمة، فأين نشرت دراسات عن اللقاح الروسي؟

 

سابعا: تشكيك جهات طبية ذات مصداقية في نجاعة اللقاح، فالجهات الصحية الألمانية كانت من أوائل من حذر من هذا اللقاح، وربما سيكون من الصعب اتهام المؤسسات الطبية الألمانية المعروفة بصرامتها العلمية واستقلاليتها أن تقوم بتسييس هذا الملف، فضلا عن منظمة الصحة العالمية، التي قالت إن اللقاح لم يمر بعد عبر آلياتها من أجل الاعتماد، وهي آليات تتطلب وقتا طويلا، فكيف قفز الرئيس الروسي على هذه المرحلة وأعلن إنتاج اللقاح خلال الشهر القادم.

ثامنا: مسار تطوير اللقاح، ليس باليسير، فبالعودة لموقع منظمة الصحة العالمية، سنجد أن آخر اللقاحات التي تم تطويرها تعود لعقود، وأسرع لقاح تم تطويره استغرق أربع سنوات، وظهر فيم بعد أن له بعد الأعراض الخطيرة، وحاليا يتم اختصار الوقت بشكل كبير، ومع ذلك فكل التوقعات تشير لتوفر اللقاح مع بداية العام المقبل، وهذا راجع بالأساس للإمكانيات المتوفرة حاليا، ولكون المختبرات استفادت من الأبحاث التي كانت تجريها لتطوير لقاح ضد "السارس" قبل أن تتوقف العملية بعد اختفاء الفيروس، وهذا السبب بالذات هو الذي يجعل من جامعة أوكسفورد في مقدمة الجهات المطورة للقاح فعال ضد كورونا، بينما كل ما نعلمه عن اللقاح الروسي هو أنه جرى تطويره في غضون أشهر فقط.

 

تاسعا: نحن أمام نموذجين في تطوير اللقاح، نموذج يعتمد الانفتاح وتقديم المعلومات، حول مراحل التقدم، ومن السهل الوصول للمعلومة فيه، وبأيسر طرق، وحتى عملية تطوير اللقاح كانت تحت الأضواء الكاشفة منذ البداية، وتقف خلفه مؤسسات لحد الآن تعتبر صاحبة الكعب العالي في العلم والبحث العلمي والطبي، وهناك نموذج مغلق، لا أحد يعلم فيه كيف تم تطوير هذا اللقاح، ولا المراحل التي مر منها، وأثار تخوفات أوساط طبية عالمية.

 

إن محنة كورونا علمت العالم، التعامل مع المعلومات والمعطيات بحذر كبير، وربما علامات الاستفهام التي فتحها هذا الوباء أكبر من الأجوبة المقدمة لحد الآن، وحتى لا يدفع العالم الثمن مرتين، بعد أن دفعه بسبب التكتم الشديد الذي فرضته الصين في بداية انتشار الوباء، فالواجب هو الحذر، وهو التعلق بأمل هش، ربما قد يدفع الناس للتراخي أكثر وكأنه سيتم تلقيحهم بعد أسابيع قليلة، المشوار مازال طويلا، وسيكون أطول على دول العالم الثالث والدول الفقيرة، التي ستكون في مؤخرة قائمة المستفيدين من اللقاح إن وجد.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة