بيروت.. مدينة منكوبة أخرى

Damages due to explosion in Port of Beirut

ما عاد مفهوم (النكبة) في العقد الأخير، بمعناه وجوهره، حكراً على القضية الفلسطينية التي نُكبت بالاحتلال، وتقتيله وتشريده الفلسطينيين منذ أكثر من سبعين عاما، حيث ظلت مرادفات النكبة تدور في حدود فلسطين مع تجدد فصول نكبتها وتنوع مظاهرها عبر السنين، ومع اشتداد ساعد مقاومة الاحتلال، ومع إجراءات الأخير الإجرامية بأنماطها المتعددة، كانت هنالك (نكبات) مستترة تتفاعل على مهل في الحواضر العربية المختلفة، قاسمها المشترك أثر سيف الاستبداد في جسدها، ومطامع النفوذ والتسلط والقهر لدى كل من تعاقبوا على حكمها في مختلف البلدان.

 

غير أن النكبة بمعناها الكارثي غزت وجه تلك الحواضر خلال العقد الأخير، بعد الموجة الأولى للربيع العربي، وتفاعلاتها المختلفة، وردود فعل الأنظمة الباطشة على ثورات شعوبها ومطالباتها بالحرية والكرامة، ثم الدخول في نفق التنازع المسلح مع مرحلة الثورة المضادة وما صنعته من صراعات في ساحات عديدة. ثمة مدن عربية عريقة تغيرت معالمها وانطمس وجهها وغارت ملامحها، ففي حلب وحمص وحماة والموصل تتجلى المأساة بأوضح وأقبح صورها، وفي صنعاء وتعز وسرت وبنغازي وغيرها بدرجة أقل، لكن المحصلة أن الإنسان في تلك الحواضر قُهر وجُوّع وشُرّد، وحاصرته الأوبئة، وعاش همّ فقد المأوى وضيق ذات اليد، وحلّ الدمار في تفاصيل حياته كلها، مادياً ونفسياً واجتماعيا.

 

كانت بيروت وغيرها تبدو بعيدة عن مثل هذا المصير، فجاءها الدمار من خاصرتها ومن حيث لم تحتسب، وجرى عليها ما جرى على عديد المدن الأخرى، كانت حالة التضامن مع مصاب بيروت وأهلها واسعة، وهو كان تضامناً صادقاً وعفويا، لكنه تضامن شعوري في معظمه، سرعان ما يزول أثره حتى وإن ظل الدمار مقيما، فلم يعد مستبعداً أن يظل الدمار عنوان هذه المرحلة، وأن يتمدد إلى أماكن أخرى، حتى وإن اختلفت المسببات، فجوهر الحال واحد، وهو أن هذه الأمة تعيس همّاً مشتركاً وستواجه مصيراً مشتركا، ومثلما ابتليت بحال واحدة من حيث واقع الاستبداد والطغيان، فسيجري عليها مصير واحد، في محاولاتها للنهوض من واقع الموت والتخلف والقهر، وفي الأثمان التي سيتعين عليها دفعها، وفي الغد المرتقب الذي سيأتي حتماً مهما طال بعده.

لم تكن بيروت بعيدة عن تفاعلات حالة الربيع العربي، حتى وإن لم تحدث فيها ثورة واضحة ومباشرة، فالنظام الطائفي الذي أنهكها ووزّع ولاءاتها على دول وأنظمة مختلفة، وجعلها ساحة خلفية لتنازع المصالح والنفوذ كان قد أفضى بها إلى حالة موت سريري، بعد أن فرّخ فساداً واسعا، وواقعاً اقتصادياً مترديا، وانهيارات في كل مناحي الحياة، غير أن التفجير الأخير في مرفئها كان الإفراز الأقسى لواقعها المتهالك، بغض النظر عن سببه الحقيقي.

 

هذه الساحات العربية التي أدمنت مشاهد الدم والدمار حتى جفّت ينابيع الدهشة فيها وهي تتابع ما يجري يُراد لها أن تظلّ كسيرة، وأسيرة واقع التخلف والانحطاط والرضا بواقعي الاستبداد والفساد، بحيث تكون الكلمة العليا واليد الطولى فيها لمن يملك القوة وتعوزه الأخلاق، فيفتك بخصومه ويمكّن لنفسه دونما اكتراث لوسائله ومدى دمويتها، لكن الرسالة التي عليها أن تلتقطها أن هناك ارتباطاً وثيقاً في همها على مستوى الأمة، وهو ما يُلزم جماهيرها بالتخلص من نزعات القُطرية فيها، وتوسِعة مداركها لكي تبصر موقعها وحاجاتها كأمّة، ذات إرادة مستقلة، وأهداف واضحة، وأحلام كبيرة تتجاوز الحاجة للمأكل والملبس والمأوى، على أهمية هذه الحاجات.

 

قد يكون من المبكر القول إن على الأمة أن تبلور ملامح مشروعها الخاص، فحالة التنازع وتعدد الولاءات فيها وتداخل المشاريع المتصارعة في ميادينها لا تتيح ذلك في المدى المنظور، وخاصة مع غياب الدولة التي يمكن أن تشكل حاضنة لذلك، لكنها وهي تعيش كل هذه المخاضات المؤلمة عليها ألا تسمح لبوصلتها أن تنحرف أو يجللها الضباب أو تنخدع بمرأى السراب.