فارقتنا جدتي وقلبي أضعف من فراق..

المس وجهها الطيب وكأني أقلبها نائمة، ثم تغادر مجلس العزاء على النعش بابتسامة من سيقابل الله، بروح بيضاء كياسمينة دمشقية، تودع بيتنا بعد أن بنت فيه مدائن حب وقد سكنت روحها وهدأت نفسها، تتوقف عجلة الحياة عن الدوران من هول الألم، ولا تتسع الأرض حزننا، تصدح تكبيرات العيد وتصمت البهجة وتضيق جدران المنزل بعدها فجأة وتسكن الروح غصة على فراقها، كمن التف حبل نجاته على عنقه واختنق.

 

أصوات متزاحمة بعظم الله أجركم وصبركم، وأصواتنا ترجف فزعا وتفيض مدامعنا أسى، ففقد الموت مهلك للروح، عصي على المداوي، قبل ساعات كانت بيننا روحا وجسدا فلمن ينتمي هذا المشهد المزدحم المتشح بالسواد وهذه ثياب الحداد لماذا؟ ورائحة القهوة المالحة كدموعنا، مذاق التمر الذي تيبس من شدة الحزن، ترتيل القران والأدعية.

 

اتلفت حولي في البيت كيف لنا ان نعيش مع التفاصيل المتبقة، وذكريات الضحكات العالقة في زواياه لا زلت أسمع همس صوتها وهي تتلو الفاتحة في صلاتها أذكر جلستها وهيئتها أذكْرُ ملامحها.. كم سنفتقد كفيها وهي تحتضن دعواتها لنا كحزمة قمح، رحم الله شيبات شعرها الحريري ورائحتها العطرة، وتجاعيدها التي تسكنها الطيبة، وحضنها الذي نأمن به كما يأمن حمام مكة في حرم الله .

مازال في الجسد دم وفي القلب نبض وفي العمر بقية فلنمر بسلام بعمل صالح وبقرب دائم لأحبتنا دون فراق فالعمر قصير وكل فراق دون الموت كاذب، ولا أحد يبلغ حد الموت بعد الموت.

جدتي هذا العمر يمضي على عجل وكأن الحياة حلم يوقظنا منه الموت، فعودي معي واعيديني تلك الطفلة بضفيرتين طويلتين أحمل بيساري قطعة شوكولاتة وبيمناي يديك الكبيرة تدفئني في طريقي للمدرسة أو تعالي لنتقدم عمرا وتشاركيني فرحتي بدراستي العليا، يا ريحانة قلب أبي تركت بنا ثقباً يزدادُ لك شوقا، كلما تقاسمنا تفاصيلك المُتبقية بيننا، مع صوت ابي وهو يتفقدك من باب المنزل حتى يصل بقلبه عالقة معلقا بحنانك، لطعامك المفضل لصلواتك ومسبحتك وابتسامتك على فراش الصلاة .

 

أعلم جيدا ما قصده جبران حين تحدث عن الموت " الانسان لا يموت دفعة واحدة…. ولكننا، بشكل ما، نموت في أجزاء. كلما رحل صديق مات جزء…. وكلما غادرنا حبيب مات جزء… وكلما قتل حلم من أحلامنا مات جزء ثم يأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة…. فيحملها ويرحل، وها قد مات جزء منا برحيلك..

 

حبيبتي لم أنكر قانون اللاديمومة في الموت ولم أسخط على قدر يوما وانما بكائي حمم تقاذفها فؤادي الي عيني لأجل ما تمنيته من دوام البقاء لك، فوالله ما الفراق هين وانه قدرنا وبه رضينا وإِنما الموتُ مُنْتهى كُلِّ حيّ، لم يصبْ مالكٌ من الملكِ خُلْداً، سنةُ اللّهِ في العبادِ وأمرَ ناطقٌ عن بقايهِ.

 

فسلام لوجهكِ الذي قد غاب للأبد، سلام لكِ حتى نُلاقِيك ومن تحبين بذات الضحكة الدافئة، على بابْ الجنة سأعُانقك فالجنّة موعد المشتاقيِن، أرجوك أن تخبري جدي الذي مر سريعا أنه لم يغادر ذاكرتنا الوفية لكم، وأعلم يقينا أنك ستسعدين بلقياه وستحدثينه عنا يا غاليتي، ولا تقلقي بشأن أبي فنحن نحبه كما أحبك، ولا تخافي النسيان ستصحبك دعواتي ويحملك قلبي دائما (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). سورة يونس

 

مازال في الجسد دم وفي القلب نبض وفي العمر بقية فلنمر بسلام بعمل صالح وبقرب دائم لأحبتنا دون فراق فالعمر قصير وكل فراق دون الموت كاذب، ولا أحد يبلغ حد الموت بعد الموت.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة