ملاحظات في العمل التطوّعي بعد انفجار بيروت

إثر الانفجار الكبير الذي دوّى في مرفأ بيروت، وأدّى إلى تضرّر أكثر من 8000 وحدة سكنيّة، حيث بات نحو 300 ألف شخص في بيروت مشرّدين من منازلهم التي تدمّرت أو تضرّرت إلى حدّ كبير (بحسب إحصاءات غير نهائيّة)، بالإضافة إلى الشهداء والجرحى.. إثر هذه الكارثة، ووسط غياب المؤسسات الخدميّة للدولة، تسابقت مؤسسات المجتمع المدني ونشطت المبادرات التطوعية الفردية من مختلف فئات المجتمع اللبناني للمساهمة في إغاثة المتضرّرين، سواء في رفع الركام من المنازل والمؤسسات، أو توزيع الطعام والشراب على الأهالي والمتطوعين، أو كنس الشوارع الي غطاها ردم البيوت وحطام الممتلكات.

 

ولقد قدّمت هذه المبادرات صورة راقية لتضامن المجتمع اللبناني، المكوّن من طوائف وثقافات ومذاهب متعدّدة، وأحياناً هي متناحرة.. لكن المصاب جمع هذا التنوّع، لهدف إنسانيّ نبيل. وبعد مرور عدة أيام على الانفجار\الكارثة في بيروت، ومع تزايد المبادرات الشبابية التطوعيّة، بات يشعر أهالي المناطق المنكوبة بضرورة تنظيم الجهود التطوّعية وتوجيهها، حتى تحقق الغرض منها. فمن يمرّ في الأحياء الأساسيّة المتضرّرة في منطقتَي الجمّيزة ومارمخايل مثلاً، يلحظ فائضاً من أعداد المتطوّعين الذين يجولون بين الأحياء، وبعضهم لا يدري ما يقدّم، وهو الآتي من مناطق بعيدة للمساعدة.. كما يلحظ المراقب كمّاً كبيراً من وجبات الطعام في الخيام للتوزيع بشكل يفوق الحاجة.

 

وأمام إيجابية هذه الروح العالية التي قدّمها المجتمع اللبناني ومؤسساته الاجتماعية وأنديته الشبابية، والتي أعطت دفعاً معنوياً للأهالي المتضرّرين وجبرت شيئاً من كسرهم.. لكن بات لزاماً على الجمعيات – بشكل أساسيّ – أن تراعي بعض الاعتبارات قبل تنفيذ مشاريعها الإغاثية. وأذكر من هذه المحدّدات:

1- الانطلاق في التخطيط وتحديد المهامّ من احتياجات المتضرّرين وليس من الأعمال الأسهل، فقد كثر الشباب الذي يحمل المكانس في هذه الأحياء، وتكدّست وجبات الطعام.. في حين قد يحتاج أصحاب المنازل أو المحال التجارية المتضرّرة خدمات من نوع آخر.

 

2- تمتلك الجمعيات من الخبرة والتنظيم ما لا يتمتع به المتطوّعون الأفراد، وبالتالي وجب على تلك الجمعيّات التوجّه نحو الأعمال التي تتناسب مع ميزتها المنظمة، وترك عمل الأفراد للأفراد.

3- لابدّ للجمعيات من مراعاة خصوصيّات الأهالي المتضرّرين المراد تنفيذ الأعمال الإغاثية في مناطقهم. فعلي سبيل المثال، المنطقتان الأكثر تضرّراً من #انفجار_بيروت هي الجمّيزة والأشرفية، وهاتان منطقتان يقطنها لبنانيون وغالبهم من طبقة ثرية، بعضهم يتحدّث الفرنسية أكثر من العربيّة. هذه الخصوصيّة تقتضي مراعاة نوعيّة التقديمات التي يمكن منحها لأهالي هذه المناطق. فوجدنا مثلاً من ضمن المبادرات مجموعات شبابية أعلنت عن مركز لاستقبال المساعدات العينيّة كالملابس أو الأواني المستعملة، لتقديمها للمتضررين. لكن غاب عن أصحاب هذه المبادرات أن طبيعة أولئك الأهالي لا تتقبّل ارتداء ملابس مستعملة أو استخدام أوانٍ قديمة، فقد اعتادوا على مستوى معيشيّ معيّن. والأمر ينسحب على نوعية الوجبات الغذئية المقدّمة لهم أيضاً.

 

4- أيضاً ضمن عنوان مراعاة خصوصيّة قاطني المناطق المنكوبة، فهم في هذه الحالة مسيحيّون تربطهم صلة ثقافية وثيقة بفرنسا التي يعتبرونها الأمّ الحنون، وقد رأينها تفاعلهم عند زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، حيث تهافتوا عليه يشكون حالهم، وبعضهم ناشده أن يأخذهم معه. ويتبنّى كثير من هؤلاء موقفاً سلبياً من غير اللبنانيين المقيمين في لبنان (اللاجئين السوريين أو الفلسطينيين)، ويعتبرونهم أحد أسباب مآسي لبنان. هذه ثقافة موجودة لا يمكن إنكارها عند شريحة من هذه الفئة من اللبنانيين. وقد رأينا عدداً من المبادرات التطوعيّة الجميلة من الشباب السوريين أو الفلسطينيين في إغاثة أشقائهم اللبنانيين بعد الانفجار. لكن للأسف، لم تلقَ بعض هذه المبادرات التفاعل الإيجابيّ المتوقع. ولعلّه وجب هنا على أصحاب المبادرات غير اللبنانية مراعاة هذه الاعتبارات – وهي غير صحيّة لكنها موجودة للأسف – والتفكير بمشاريع إغاثية للمتضررين، دون التلاحم المباشر، الذي قد يتسبّب بمواقف محرجة.

 

5- أخيراً، لابدّ على الجمعيات الإغاثية والاجتماعية عدم التأثر بالتمييز الذي وقع به بعض الإعلام اللبناني، حيث حصر تركيزه في التغطيات على مناطق دون أخرى، فعلى سبيل المثال، لقد تضررت بفعل الانفجار مناطق مثل الكرنتينا الفقيرة وزقاق البلاط وغيرها وإن بمستوى أقلّ، لكن نجد معظم الإعلام اللبناني كما معظم العمل التطوّعي ركز على مناطق معيّنة وتجاهل أخرى، لأسباب مستغربة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة