العلامة محمد المدني الذي أدخل دراسة فقهي الشيعة والقانون الوضعي في الأزهر

كان الشيخ محمد المدني 1907- 1968 من أنبغ علماء الأزهر في جيله، وكان قبل هذا أنبغ طالب أزهري ذلك أنه حصل على العالمية القديمة في سن العشرين مستفيدا إلى أقصى حد من استثناءين متتابعين وفرا عليه ما يقرب من ثمانية أعوام من الدراسة، وقد مارس هذا العالم الجليل الأستاذية والعمادة بكفاءة منقطعة النظير، وعلي يديه تحولت كلية الشريعة إلى كلية للشريعة والقانون بكل ما يعنيه هذا من تقدم للمجتمع المصري وسمو به وبمكونه الاجتماعي . لكنه رغم فضله وعلمه ونجاحه الساحق ورغم اجتهاده في التوافق مع النظام الناصري بكل مزعجاته لقي ما لقيه العلماء الازهريون في حقبة الستينيات من العنت والكمد حتى انه وهو الأستاذ النابع والعميد القديم لم يجد مفرا من ان يترك بيته الاثير في الأزهر الذي وصل فيه لأرفع مكانة علمية ليشغل وظيف أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية دار العلوم ثم ليشغل وظيفة أستاذ الشريعة في جامعة الكويت وليموت كمدا بعد وصوله للكويت بثلاثة شهور .

نشأته وتكوينه العلمي

ولد الشيخ محمد محمد المدني في ٢٨ سبتمبر 1907 في مركز المحمودية بمحافظة البحيرة، وتلقي تعليماً دينياً بدأه في الكتاب، وواصله في المعاهد الأزهرية، وقد حقق الرقم القياسي للتفوق الدراسي في الدراسة الأزهرية في زمنه وفي غير زمنه، حيث نال الشهادة العالمية في سن العشرين، ولم يسبقه إليها في هذه السن أحد، وكان السبب في هذا أنه اجتاز امتحان الثانوية الأزهرية مايو ١٩٢٧ بينما كان لا يزال مقيداً في السنة الأولي من دراسته الثانوية في معهد الإسكندرية، وكان القانون يسمح بهذا في ذلك الوقت، وهو ما استفاد منه أيضا الشيخان عبد الحليم محمود ١٩١٠- ١٩٧٨ وعبد العزيز عيسي ١٩٠٨- ١٩٩٤ التاليان له في المولد، أما في حالته هو فانه كان قد زاد على ذلك أنه اجتاز امتحان الشهادة العالية في أكتوبر ١٩٢٧ بعد أقل من سنة واحدة من القيد للدراسة في القسم العالي، وكان القانون يسمح بهذا في ذلك الوقت فقد كانت مصر تعيش زهوتها بعد ثورة ١٩١٩ وتولي سعد زغلول الحكم باسم وزارة الشعب الأولى حتى مع ما شاب الأمر من بعض انتصارات للثورة المضادة في بعض الجزئيات، والتحق الشيخ محمد المدني بعد حصوله على الشهادة العالية بقسم التخصص في البلاغة والأدب وتخرج فيه وعين مدرسا بالمعهد الإسكندري، واستمر الشيخ محمد محمد المدني طيلة حياته متميزا بطموح علمي شديد، وثقافة دينية وفكرية عالية،

مشاركته في الثورة الازهرية

كان الشيخ محمد المدني في شبابه أحد رموز «الثورة الأزهرية» الشبابية التي كانت تنتقد الإمام الأكبر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري في أسلوبه المحافظ الذي سيطر على إدارته لشئون الأزهر الشريف، وذلك على الرغم من تأسيس الظواهري للكليات الأزهرية الثلاث ووضع المناهج لها واختياره للمدرسين فيها من بين نوابغ الأزهريين، واختياره أساتذة للعلوم الحديثة من خارج الدائرة الأزهرية، وقد تمادي الشيخ المدني إلى حدود خطرة في نقد الشيخ الظواهري، وفي مقابل هذا فإن جبهة الشيخ الظواهري وضعت اسمه ضمن الشيوخ السبعين الذين فصلوا من وظائفهم، حين طلبت حكومة إسماعيل صدقي تقليل أعداد أساتذة الأزهر لدواعي الميزانية، وكان الشيخ المدني لا يزال في شبابه، مما دفعه إلى مواصلة الحملة على الشيخ الظواهري حتى انه أخذ يتنقل بين المعاهد الأزهرية المختلفة للقيام بالدور التحريضي، في تشجيع الطلاب على الإضراب.

دعا الشيخ محمد المدني في هذه الفترة كذلك إلى دراسة الأديان ليقابل الطلاب ما فيها من عقائد وعبادات وأحكام بما هو موجود في الدين الإسلامي

انتقاله لكلية الشريعة

ولما نجحت الثورة وعاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر عاد إليه حقه، حيث اختاره الشيخ محمود شلتوت (وكيل كلية الشريعة في ذلك الوقت) مدرسا بكلية الشريعة، وذلك على الرغم من أن شهادة التخصص التي حصل عليها كانت في علمي البلاغة والأدب، إلا أن ثقة الشيخ شلتوت الكبيرة في علمه جعلته يكلفه بتدريس مادة أصول الفقه، ولم يكن هو وحده من اجتاز هذا التحدي فقد كرر الشيخ عبد العزيز عيسى هذا التحول في عصر كان يدرك قيمة المنهجية ووحدة المعرفة سواء بسواء، ومن الجدير بالذكر أنه تفوق في تدريس أصول الفقه وبرز فيها بروزا شديدا، وارتبط منذ ذلك الوقت بعلوم الشريعة وبكلية الشريعة حتى أصبح عميداً لتلك الكلية، بل أعظم عمدائها، وكان في تفوقه هذا مثل واضح على وحدة العلوم الأزهرية، ومدي استطراق النجاح فيها، والتفوق في أدائها.

ثورته على بطء الإصلاح بعد عودة المراغي

لم يلبث الشيخ محمد المدني على عادة المصلحين الراديكاليين أن عاد إلى ممارسة سياسة النقد مرة أخرى، إذ أصبح هو نفسه من أبرز الذين استبطأوا الإصلاح على يد الشيخ المراغي، وربما أنه كان من أول مَنْ انتقد الشيخ المراغي في بطء خطوات إصلاحه، وقد كتب في هذا المعني مقالات عديدة في «الرسالة» وجريدة «البلاغ» وأخذ يستحث الإمام الأكبر على الإسراع في الإصلاح، ودعاه إلى تهذيب فصول العقائد والعبادات وتنقيتها من كل ما لحق بها من البدع، بحيث تتفق وقواعد الإسلام الصحيحة، وأن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة خالية من التعصب لمذهب معين، وأن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة، وأن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنّة، والأحكام المجمع عليها، مع النظر في المسائل الاجتهادية لجعلها ملائمة للعصور والأمكنة والأعراف.

دعوته لدراسة الأديان والمذاهب

دعا الشيخ محمد المدني في هذه الفترة كذلك إلى دراسة الأديان ليقابل الطلاب ما فيها من عقائد وعبادات وأحكام بما هو موجود في الدين الإسلامي، فيظهر للناس يسره وقداسته وامتيازه عن غيره. ودعا أيضاً إلى تدريس أصول المذاهب في العالم قديمها وحديثها، وكل المسائل العلمية التي يتوقف عليها فهم كتاب الله، وكان المدني يقول إنه لابد من تأليف كتب جديدة قيمة بجانب كتب التراث على الطريقة العلمية الحديثة مع العودة إلى الأسلوب الجيد الذي امتاز به المؤلفون فيما قبل عصر المماليك، ومع الالتزام كل الالتزام بما يحافظ على جوهر الدين، وكل ما هو قطعي من نصوصه.

مناداته دمج الأزهر في الحياة العامة

ومن المفيد أن نطلع على أسلوب المدني ومنهجه في بعض هذه المقالات، وقد نقل الدكتور محمد رجب البيومي بعض هذه الآراء في ترجمته له في موسوعته، وعن مقال للشيخ المدني في «الرسالة» (يونيو 1941)، نراه معتزاً بالدور الذي لعبته الثورة الأزهرية، كما نراه حريصاً على أن ينبه الشيخ المراغي إلى جوهر إصلاحاته: «عاد الأستاذ الأكبر المراغي إلى منصبه بعد الثورة الأزهرية المعروفة، وترقب الناس جميعا أن يتم من آيات الاصلاح ما بدأ، وأن تعود للأزهر الروح المراغية القوية التي كانوا يعهدونها من قبل، ولكن هذه الحركة الفكرية في الأزهر قد سكنت ريحها، ومازال الأزهر عاكفا على كتبه يدور بها حول نفسه، ويفني فيها زهرة شبابه، وينقطع بها عن الناس، فليس له اشتراك ذو قيمة في التشريع العملي للبلاد، وليس له صلة بأوساط العلم والثقافة، وليس له نشاط في إخراج كتب علمية أو أدبية كما يخرج الناس، وليس لمجلته أي أثر في توجيه العقول، وإن كان لها أثر كبير في تشجيع الخرافات والأوهام (كذا في النص)، وهذه الحركة الدراسية في الأزهر تشكو من تهاون الرؤساء، وطغيان الطلاب(!!!) (… هكذا كان المدني منتبها إلى ما يجره طغيان الطلاب من شر العلم)، وعدم إتمام المقررات، وضعف المستوي العلمي ضعفا يشغل البال، ويبلبل الأفكار».

على الرغم من انتقاد الشيخ المدني لخطة المراغي في إدارة الإصلاح الأزهري ببطء وتؤدة، فقد كان المدني معجباً بفكر المراغي وقدرته على النفاذ إلى حقائق التشريع الإسلامي

وقد أشار المدني كما يذكر الدكتور محمد رجب البيومي إلى أن الإمام المراغي «رأي من سياسته في العودة الثانية أن يرضي العناصر المختلفة في الأزهر»، وفي هذه العناصر منْ ألف القديم ولم يرض به بديلا، «والمصلح لابد أن يكون جريئا في تنفيذ خطته، إذ أن الاستعانة بمن يصدفون عن كل إصلاح حميد تعويق وتثبيط، وأكثر هؤلاء بحكم السن فقط يتبوءون المناصب الكبرى في الأزهر، وهم يكلون عن حمل الأعباء!»، ومن الجدير بالذكر أن الشيخ المراغي لم يكن ضيق الصدر تجاه انتقادات المدني وغيره من علماء ذلك الجيل.

إعجابه بقدرة المراغي على النفاذ إلى حقائق التشريع الإسلامي

وعلى الرغم من انتقاد الشيخ المدني لخطة المراغي في إدارة الإصلاح الأزهري ببطء وتؤدة، فقد كان المدني معجباً بفكر المراغي وقدرته على النفاذ إلى حقائق التشريع الإسلامي، ومما يذكر للمدني في هذا المقال أنه هو الذي جلا فكرة المراغي في التفريق بين الدين والفقه، وقد كتب مقالاً في «الرسالة» لخص فيه آراء الشيخ المراغي التي كان قد أبداها في أثناء مناقشة رسالة علمية تقدم بها صاحبها لنيل درجة الأستاذية في الشريعة الإسلامية، وقد حرص المراغي (علي نحو ما سجله المدني) على أن ينبه الطالب والعلماء إلى أن الدين في كتاب الله غير الفقه، وأن من الإسراف في التعبير أن يقال عن الأحكام التي استنبطها الفقهاء واختلفوا فيها، وتمسكوا بها حينا، ورجعوا عنها حينا آخر: إنها أحكام الدين، لأن الدين هو الشريعة التي أوصي الله بها الأنبياء جميعا، وتلك لا خلاف عليها، أما القوانين المنظمة للتعامل والمحققة للعدل، والدافعة للحرج، فهي آراء الفقهاء مستمدة من أصولها الشرعية، تختلف باختلاف العصور، ولو جاز أن يكون الدين هو الفقه مع ما نري من اختلاف الفقهاء، بعضهم مع بعض، لحقت علينا كلمة الله إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء (الأنعام: 159).

توجيه المراغي الى ما ينبغي في قضية النسخ

وإلي الشيخ المدني يعود الفضل في دور مماثل قام به لتسجيل وتوثيق فكرة الشيخ المراغي، الذي لم يكن معنياً بالتأليف، فيما يتعلق بالنسخ في القرآن الكريم، وكان النسخ في القرآن موضوعاً لرسالة من رسائل الأستاذية التي ناقشها الشيخ المراغي، وقد انتقد صاحب تلك الرسالة أبا مسلم الأصفهاني انتقادا لم يسلم من التجريح، فقال الإمام المراغي، فيما رواه الأستاذ المدني نفسه في مقال ضاف في «الرسالة»: «لقد كنت قاسيا على أبي مسلم الأصفهاني في غير ذنب جناه، ولا شطط صار إليه، لأن الذين قالوا بالنسخ في القرآن مثلوا له بآيات بلغت عشرين آية، فجاء الفخر الرازي وناقشهم في تسع منها، وظهر أنها لا تعد من النسخ، ونقض بقية العشرين بالدليل والبرهان، فكيف تحرّمون على أبي مسلم الأصفهاني ما تبيحون للفخر الرازي وكلاهما علم في بابه؟».

جماعة التقريب

ظل الشيخ محمد المدني ثائراً يحمل راية حركة الثورة الأزهرية المتصلة التي لم تقف عند حد عودة المراغي، وإنما استمرت في المطالبة بالإسراع في الإصلاح، وفي هذه الفترة كان الشيخ المدني والإمام الأكبر الأستاذ محمود شلتوت من أبرز أعوان الإمام الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم المفتي الأشهر في عدد من الأنشطة المهمة في مجال التقريب بين المذاهب، والفتوي، والتوجيه. وقد كان للشيخ المدني جهد بارز في جماعة التقريب الإسلامية، وقد رأس تحرير مجلتها التي صدرت في أعداد علمية ممتازة جاوزت الخمسين، وضمت عدداً كبيراً من الدراسات الاصيلة

معاونته للشيخ عبد المجيد سليم

كان الشيخ محمد المدني أول من عين في منصب مدير مكتب شيخ الأزهر وذلك في عهد الشيخ عبد المجيد سليم

دعمه للشيخ شلتوت

وقد قام الأستاذ المدني بدور داعم مع الشيخ محمود شلتوت حين ألقي محاضرة عن «السياسة التوجيهية في الأزهر»، وقد كتب الأستاذ المدني مقالا تعريفيا مادحا لهذه المحاضرة باعتبارها تأييدا لما يكتب عن طريق الإصلاح.

كانت وجهة نظر الشيخ المدني في الانتصار لفكرة تدريس الفقه المقارن بدلا من الفقه المذهبي أن يفتح الباب رحباً واسعاً أمام الاجتهاد، وأمام الإفادة من الاجتهاد الفقهي الذي تحقق عبر العصور بين فقهاء جهابذة

عمادته لكلية الشريعة

ظل الشيخ محمد المدني يجاهد في سبيل الإصلاح الأزهري في عهد المراغي وبعد عهد المراغي حتى إذا ما تولي صديقه وأستاذه الإمام محمود شلتوت مشيخة الأزهر، كان من الطبيعي والمنطقي أن يتولى هو عمادة كلية الشريعة، وبالفعل فقد اختير الشيخ محمد المدني عميدا لكلية الشريعة سنة 1959، عقب تولي الشيخ شلتوت لمشيخة الجامع الازهر، بذل الشيخ محمد المدني جهداً ضخماً في تطوير كلية الشريعة على نحو رائع لم يتمكن من تحقيقه أي من أسلافه وخلفائه على حد سواء، وهذه شهادة أمام الله، لا بد من أن أرفقها بشهادة أخرى وهي أنه قد قدر للشيخ محمد المدني أن يلعب أهم دور علمي في إصلاح الأزهر في عهد ١٩٥٢ بالمواكبة لتطوير الازهر واقتحامه مجال الدراسات العلمية الحديثة، اجتهد الشيخ محمد المدني في سبيل تطوير الكلية، وإصلاح مناهجها، وطرق التعليم فيها، وهو الذي كان يدعو إلى هذا الإصلاح من قبل، كما كان صاحب مدرسة تشبعت بفكره الإصلاحي، وقد كانت خطة الإصلاح واضحة المعالم في ذهنه، وقد أثبت المدني نجاحاً منقطع النظير في ثلاث خطوات مفصلية جبارة :

·      أولاها: العمل على تدريس الفقه على المذاهب الأربعة.

·      وثانيتها: تدريس مذهبي الزيدية وجعفر الصادق من أعلام الشيعة المعتدلين.

·      و ثالثتها: تدريس القانون الوضعي ضمن مناهج هذه الكلية.

وسنتناول هذه الجزئيات بقدر من التفصيل المعقول .

إنجازه في تدريس الفقه على المذاهب الأربعة

في هذا الصدد فإن الشيخ المدني لم يلبث عقب توليه العمادة أن وضع المناهج المقررة وفق هذه الخطة، وكان أهم هذه التعديلات المنهجية أنه قرر أن تدرس المذاهب الإسلامية الأربعة دراسة مقارنة يترك فيها التعصب المذهبي جانبا، بحيث لا يطلب من الباحث أن يقرر رأي الفقهاء في مذهبه، وإنما يطلب منه أن يقرر المسألة الفقهية غير متأثر بمذهب خاص، وغير معتمد أمامه إلا على قوة الدليل، وعلى هذه القوة وحدها يكون المعول في اختيار الحكم الصائب في رأيه. ومن المعروف أن نواة هذه الدراسة المقارنة بين المذاهب الأربعة كانت تُدرس في كلية الشريعة على نحو موجز، وكان الأستاذان الكبيران محمود شلتوت ومحمد على السايس قد وضعا فيها كتابا صغيرا، يتضمن أمثلة قليلة من قضايا فقهية كانت محل خلاف أصحاب المذاهب الأربعة، ولكن الشيخ المدني خصّ هذا المقرر بمساحة أكبر في المناهج بحيث أصبحت جميع مسائل الفقه خاضعة لهذا الاتجاه المقارن، وهكذا أصبح في وسع الدارسين والخريجين أن يختاروا الرأي الراجح من المذاهب متي صح الدليل، وذلك دون تقيد بإمام خاص.

الانتصار لفكرة الفقه المقارن على الفقه المذهبي

كانت وجهة نظر الشيخ المدني في الانتصار لفكرة تدريس الفقه المقارن بدلا من الفقه المذهبي أن يفتح الباب رحباً واسعاً أمام الاجتهاد، وأمام الإفادة من الاجتهاد الفقهي الذي تحقق عبر العصور بين فقهاء جهابذة، وكان يقول في هذا المعني: «… إن الفقيه المنصف الذي لا هدف له إلا البحث عن الحق، لا يسعه أن يغض الطرف عن قول مجتهد ما في المسألة التي يبحثها، مادام لا يصادم نصا قطعيا من كتاب أو سنّة، ولا يسعه أن يعرض عن دليله، فقد يكون هذا الدليل سليما، ولو أن فقيها باحثا ارتضي لنفسه أن يغض النظر عن قول غيره لكان ممن قال الله فيهم: ألا إنهم يثنون صدورهم منه ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم، ومنهجه حينئذ منهج فاسد غير معتد به من العلماء».

أمنيته دراسة الفقه بعيدا عن المذهبية

كان الأستاذ المدني يدعو إلى أن تكون دراسة الفقه المقارن قائمة على أساس جوهري، هو أن يقارب الباحثون المسألة الفقهية فيكونوا الحكم فيها غير متأثرين بحكم سابق ضد هذا المذهب أو ذاك، بعبارة أخري فإنه كان يهدف إلى أن يخلع الباحث ثوبه المذهبي قبل أن يقارب الدرس الفقهي، وإلا كان البحث المقارن غير صحيح، وكان ادعاؤه حينئذ أشبه بالمظاهر التمثيلية. وكان الشيخ المدني يؤيد أسلوبه هذا بما كان ينقله من نصوص قوية لأئمة الإسلام تدعو إلى محاربة الاتجاه المتعصب لمذهب معين، ومن ذلك قول شيخ الإسلام العز بن عبد السلام رضي الله عنه: «ومن العجيب العاجب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك مَنْ شهد الكتاب والسنّة له، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده».

تدريس مذهبي الزيدية وجعفر الصادق

نجح المدني في تحقيق أنجاز علمي كبير وغير مسبوق في دقته وذكائه ومعانيه في اثناء عمادته لكلية الشريعة، حين أدخل تدريس مذهبي الزيدية وجعفر الصادق من أعلام الشيعة المعتدلين، وقد قوبل هذا الاتجاه بعاصفة حادة ممن تعودوا النظر إلى الشيعة نظرة ريبة، وربما نظرة عداوة، وقد كان الشيخ المدني من الذكاء بحيث جعل دراسة المذهب الشيعي تدخل في درس الفقه المقارن، وكانت وجهة نظره إنه إذا عُرضت مسألة فقهية تشعبت فيها الآراء في المذاهب السنّية فمن الأجدر أن ننظر في هذه المسألة من وجهة نظر الفقه الزيدي أو الفقه الجعفري أيضا، وذلك لأن أئمة هذين الفقهين يرجعون إلى كتاب الله والثابت من سنّة رسول الله كما نرجع، فأي مانع من أن نعتبر أبا حنيفة ومالكا والشافعي وابن حنبل وزيد بن على وجعفر الصادق أئمة من طراز واحد ينهج نهج الإسلام؟». ولايزال هذا الاتجاه الذي قام به الشيخ المدني قائماً إلى يومنا هذا، ولاشك في أنه كان من العوامل التي ساعدت على دعم فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وإن كان الأمر لا يخلو في كثير من الأحيان من آثار سياسية سلبية تحاول الانتقاص مما تحقق في هذا المجال.

هو من قرر تدريس القانون الوضعي في كلية الشريعة

يتمثل الانجاز الثالث الذي نجح فيه الشيخ المدني في أثناء عمادته لكلية الشريعة في قراره بتدريس القانون الوضعي ضمن مناهج هذه الكلية، وكان المدني يبرر ضرورة الأخذ بهذا التوجه بلفت النظر إلى حقيقة أن الدولة تأخذ بالقانون الوضعي وتدير أمورها طبقا له، وتراه وحده أرقي قانون معاصر يتمشى مع دستور الاجتماع المعاصر، وكان ينبه إلى حقيقة أخري وهي أننا إذا أردنا أن نثبت كفاءة الفقه الإسلامي، وسموه على القانون الوضعي، فلابد أن ندرس هذا القانون لنبين ما لدينا من الرأي المخالف، محفوفا بأدلته المدعمة، فإذا طالبنا بعد ذلك بتنفيذ الشريعة الإسلامية نكون قد أثبتنا رجحانها في ساحة البحث العلمي بأدلة لا تدفع، تكفي لإقناع المعارضين أو إضعاف حججهم.

 

وكان الشيخ محمد المدني بفهمه العميق يستشرف طبيعة حركة المجتمع المدني، فكان يقول:« إن الدراسات القانونية ستكون سلاحا لطلبة الأزهر في ميدان الحياة والوظيفة، حيث يستطيعون أن يتقدموا إلى مناصب القضاء ومراكز التوجيه القانوني في الدولة، وحينئذ لا يقال للأزهريين: إنكم لستم أهلا لهذه المناصب المتطورة إذ لم تدرسوا قوانينها». وقد ظل الشيخ محمد المدني يؤكد على مدي الفائدة التي تعود من تدريس القانون الوضعي في كليات الشريعة، سواء في مجال إظهار صلاحية التشريع الإسلامي مقارنا بها، وفي مجال إتاحة العمل بالقانوني المدني أمام طلبة كلية الشريعة، وهم أولي بهذا العمل، لأنهم هضموا القانون «شرعيا ووضعيا»! وكان الشيخ محمد المدني يقول: "إنه إذا وفق الله وانتصرت فكرة الحكم الإسلامي بشرع الله، فلن يكون ذلك بغير جهاد الفقهاء ممن درسوا شريعة الله ولمسوا ارتفاعها عن شرائع الناس، فأقنعوا الناس كل الإقناع بما يعلمون".

إشرافه ورئاسته لاتحاد الطلاب

كان الشيخ محمد المدني رئيسا لاتحاد طلاب كلية الشريعة تم لاتحاد طلاب الأزهر جميعا في ظل النظام المعمول به في ذلك الوقت .

انتقال عمله من الازهر للجامعات المدنية

كان الشيخ محمد المدني من القلائل الذين عملوا أساتذة في الجامعات المدنية بعد أن عملوا في جامعة الأزهر، فبعد عميدا عمله عميدا لكلية الشريعة منذ سنة 1959، وما بذله من جهد معجز وساحق في تطويرها، انتقل إلى العمل في جامعة القاهرة أستاذا للشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم، ثم سافر إلى الكويت، فشارك في بناء جامعتها، أستاذا بكلية الحقوق، ولكن الموت أدركه بعد ثلاثة أشهر من سفره.

دعوته الى التدرج في تطبيق الشريعة

علي الرغم من كل ما فصلنا القول فيه مما يدل بوضوح على راديكالية الشيخ المدني الواضحة فيما يتعلق بمناهج التعليم الأزهري، فإنه كان، وهذا موطن عبرة، إصلاحياً متدرجاً فيما يتعلق بالدعوة إلى تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وكان من أنصار فكرة التدرج الطبيعي في المطالبة بهذا التنفيذ، وقد كان له رأي معتدل أبداه في هذا الشأن في محاضرة له ألقاها في جمعية الشبان المسلمين حيث قال: «… لنترك مسألة الحدود حتى يتضح جدواها في أذهانكم بعد حين، ثم نعجل بتنفيذ أحكام الشريعة في الأحوال التجارية والمدنية، بحيث يكون القانون المدني مأخوذا من كتاب الله على نهجه القويم، وهنا نكون قد قطعنا نصف الطريق، مقتدين برسول الله حين أرجأ هذه القوانين بمكة إلى ميعادها المدخر في المدينة».

تفسير القرآن الكريم

علي الصعيد العلمي والتأليف فقد كان الشيخ محمد المدني واحداً من نوابغ عصره في التفسير كما في الشريعة، وقد ترك تراثاً فكرياً متميزاً في كثير من موضوعات العلوم الإسلامية، وقد كان الشيخ المدني من أفضل الذين قاموا بتفسير القرآن الكريم في عصره، وكان منهجه في التفسير متأثراً بالمنهج المعروف عند علماء الشريعة الذين يفسرون آيات الأحكام مع إضفاء للجو التشريعي في قراءة النصوص القرآنية، وقد أتم تفسيره لبعض السّور القرآنية ونشرها في مجموعة من كتبه: «سورة الأنعام والأهداف الأولي للقرآن» و«المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء» و«محاضرات في التعريف بالقرآن»، وقد حرص على أن يتناول كل آيات التشريع بدراسات قصيرة وفقهية جليلة القدر. وقد مكنته دراساته المتعمقة في الأدب والبلاغة من أن يكتب كتابه المهم «القصص الهادف كما نراه في سورة الكهف»، وفيه أثبت فيه (علي نحو ما يشير أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومي) أن القرآن في مضمونه الخلقي الكبير يعتبر ردا على شُبه ظالمة أثارها حول القصص القرآني مَنْ جروا وراء الخيالات الموهومة، ودون تعمق في البحث.

تاريخ الفقه في مصر

كان الشيخ محمد المدني واحدا من العلماء الاصلاء الذين تهديهم ممارسة البحث العلمي الى الحقيقة الجوهرية القائلة بأهمية دراسة تاريخ العلم وفلسفته، ولهذا فان للشيخ محمد المدني بحث كبير ومهم عن تاريخ الفقه في مصر، وقد جعل عنوانه «الفقه الإسلامي في مصر» ونشره في مجلة «الأزهر» (ما بين ١٩٣٨ و١٩٤٠ )، وفيه أنصف الإمام الليث وأشار إلى ما دار بينه وبين الإمام مالك فقيه المدينة وعالمها من مناظرة علمية ومساجلة فقهية، وقد أجاد الأستاذ المدني عرض هذه المناظرة، وحدد مواضع الخلاف.

نفيه تأثير البيئة المصرية في فقه الإمام الشافعي

وكانت للشيخ المدني وجهة نظر مخالفة لما هو شائع في المسلمة المتناقلة التي تقول في تأثر الشافعي بالبيئة المصرية، وقد حاول الشيخ المدني بأسانيد كثيرة أن ينفي هذا التأثر، معارضا ما أثبته الأستاذ أحمد أمين في كتابه «ضحي الإسلام» من حديث قطعي عن هذا التأثر.

آثاره

في علوم الفقه والشريعة

–     الجوانب التوجيهية للعقائد والعبادات في الإسلام

–     فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه

–     دعائم الاستقراء في التشريع الإسلامي

–     رأي جديد في تعدد الزوجات

–     السلطة التشريعية في الإسلام

–     الزواج والطلاق في الإسلام

في التفسير

–     سورة الأنعام والأهداف الأولى للقرآن

–     القصص الهادف القرآن الكريم كما نراه في سورة الكهف

–     المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء

–     محاضرات في التعريف بالقرآن

في فلسفة العلم وتاريخه

–     مناهج التفكير في الشريعة الإسلامية

–     تاريخ الفقه الإسلامي في مصر

–     رجة البعث في كلية الشريعة

برنامج نور على نور

كان الشيخ محمد المدني أول من تحدث في البرنامج التلفزيوني "نور على نور". وكانت للشيخ المدني أحاديث كثيرة في الإذاعة، وتتمتع أحاديثه الاذاعية وكتاباته على حد سواء بقوة التعبير، وسعة الاطلاع، ونصوع الحجة.

ذريته

رزق الشيخ محمد المدني بذرية صالحة منهم زملاء أعزاء أساتذة في الطب .

وفاته

توفي الشيخ محمد المدني في مايو سنة 1968.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة