المقاول المغامر ديليسبس الذي حكم القضاء الفرنسي عليه بالنصب والاحتيال

سألني بعض الأصدقاء ممن يعرفون ميلي الشديد لإنصاف المنجزين من أية جنسية عن حقيقة ديليسبس وعن قيمته العملية والانساني، فأجبتهم بأن ديليسبس ١٨٠٥- ١٨٩٤ لم يكن رجل أعمال بالمعنى المعروف لرجل الاعمال وإنما كان أقرب إلى المغامر الذي يرتدي ثياب رجل الأعمال الجسور فإذا حقّقت له هذه الثياب ما يريد من مغامرته، فبها ونعمت، وإن لم تحقق فإنه يعود مغامرا. ولهذا فان ديليسبس كان لا يمانع في سلوك مسلك قطاع الطرق، وصحيح ان اسمه ارتبط بمشروع كبير، عظيم القيمة الحدية كما يقال في الاقتصاد، لكنه لم يكن يعنيه في هذا المشروع أكثر من الربح فحسب، ولم يكن حريصا بأية صورة على ذكراه التاريخية التي كان واعيا كل الوعي أنها ستختلط بالسواد نظراً لما ارتكبه من الموبقات القانونية والخلقية في حصوله على الامتياز وبعد حصوله على الامتياز، فقد ظهر للجميع أنه أناني لا يعرف حدوداً للأنانية، وأنه لا يؤمن بالإنسانية ولا بالوفاء ولا بالإخلاص حتى إنه كان من أجل تحقيق أهدافه حريصا على أن يوظف كل دعوى من دعاوى السياسة مهما كانت قصيرة النظر، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنه كتب إلى البابا الكاثوليكي بيوس التاسع في 1857 يُقنعه بالمشروع فبدلاً من أن يلجأ إلى النفاق القائل بأن المشروع سيكون ميدانا لنشر السلام والمحبة والقيم المسيحية مثلا فإنه آثر أن يلعب على وتر التعصب المقيت وأن يذكر أن المشروع سيُسهل عمليات التنصير…. وهكذا كان ديليسبس يفعل على الدوام.

 

وقبل أن نتعرض لقصة ديليسبس باختصار فإنه يجدر بنا أن نشير إلى حقيقتين،  أولاهما أن الأمريكان أنفسهم كانوا يريدون ان يقوموا بمثل هذا المشروع لكنهم في ذلك العصر كانوا بعيدين عن الاتصال الوثيق المؤثر بالسلطة المصرية، ولم تكن علاقاتهم تصل إلى العلاقات الوثيقة التي أسسها الفرنسيون عبر جيل أو جيلين سابقين، أما الحقيقة الثانية فهي أن محمد على باشا الكبير ظل طيلة حياته رافضا لهذا المشروع لسبب بسيط ماثل أمام عينيه وهو ما كان يجلبه مضيق البسفور من الطمع الأوربي في استانبول، والتحرش بالدولة العثمانية التي كان محمد على نفسه واحداً من جنودها الذين اشتركوا في حروبها ورأوا معاناتها من الذئاب مهما بلغ به الحظ بعد ذلك، حتى لو كان هو نفسه قد تحول إلى ما يشبه أن يكون ذئباً من هذه الذئاب.

 

أما ديليسبس نفسه فقد حظي مبكرا بوصف النصاب بصفة رسمية وقانونية، فأما الصفة الرسمية فقد جاءت على لسان اللورد بلمرستون (وهو من هو) في مضابط مجلس العموم البريطاني في 1855 واما الصفة القانونية لهذا الوصف فقد تحققت بكل وضوح في حكم أصدره القضاء الفرنسي نفسه وحكم عليه بالسجن 5 سنوات مع الغرامة وذلك في تهم النصب والاحتيال، وليس هذا بالعجيب على رجل أعمال لم يشغل نفسه بأن ينفذ مشروعه ويحافظ على من يتعاملون معه بقدر ما شغل نفسه في توظيف علاقاته بالخديو اسماعيل في فتح باب القروض الأجنبية من أجل إغراق مصر بالديون تمهيداً للاستيلاء على قرارها السياسي، وهو ما حدث بالفعل، بل إنه من باب الفجور السياسي كان هو نفسه رئيس لجنة التحقيق الأوربية التي انتهت بقرارها إلى إجراءات لم تكن تعني إلا القضاء على الوجود الرسمي المصري من خلال القضاء على الكيان السياسي المالي لمصر.

ديليسبس لم يكن مهندسا وإنما كان أفاكا درس في كلية الحقوق سنة واحدة ولم يكمل دراسته فيها، وأتاحت له عائلته أن ينال وظيفة في السلك القنصلي لكنه لم يلتزم في أدائه بما يهيئ له أن يحافظ على تلك الوظيفة

أما خدعته الكبرى للمصريين فلم تكن في الاستيلاء على أرضهم ولا على أموالهم ولا في توظيف هذه الأرض لخدمة الاستعمار فحسب وإنما كانت أيضا في خديعته للجيش المصري المحارب بقيادة الزعيم أحمد عرابي حين وعدهم أنه لن يسمح للإنجليز بالدخول عبر القناة ثم فتح القناة للإنجليز وكان هو المسئول الأول والأخير عن هزيمة مصر في معركة التل الكبير، ولو ان كل قادة العالم كانوا في موضع الزعيم أحمد عرابي ما استطاعوا التصدي لقوات بريطانيا التي فاجأتهم بطريقة غادرة تماما وقاسية إلى ابعد حد وقاصمة للظهر مستندة إلى خيانة هذا الوغد المسمى ديليسبس.

 

وبعد أن استطاع ديليسبس أن يُمكن للاحتلال البريطاني من الانتصار الرخيص على المصريين فإنه بدأ وهو الفرنسي يحث الحكومة البريطانية على مزيد من التوغل والتوحش في معاملة المصريين والحكومة المصرية، بما لا طاقة لأية حكومة به، وفي الوقت ذاته فقد كان ديليسبس يزعم للفرنسيين من باب النصب (الذي يتوافق مع الأحلام) أنه يمهد لهم كل طريق لإنشاء دولة فرنسية في مصر، ومع أن هذا من وجهة نظر الأحداث كان نصبا مكشوفا فإنه من وجهة النظر الوطنية المصرية لا يعكس إلا أخس مشاعر الغدر والخيانة والعداء.

 

من العجيب أن التفكير الاقتصادي البحث في الفائدة التي عادت على مصر من القناة منذ إنشائها يكاد يصل إلى انه كان في مجمله تأثيراً قاسيا، فإذا ما فكرنا بطريقة الفرصة البديلة التي كان من الممكن ان تنشأ من خلال مجتمعات صناعية زراعية ومؤسسات تشغيلية وتخزينية بل وتصنيعية على مسار سكة حديد السويس القاهرة وسكة حديد القاهرة الإسكندرية فإننا نستطيع أن نقول إن مصر فقدت عدة دجاجات كانت تبيض ذهبا في مقابل دجاجة واحدة تبيض لكن بيضها يوضع في حجر خارج مصر، وفي مقابل هذا فإن المجتمعات المتحضرة (الافرنجية) التي نشأت بسبب القناة في بور سعيد أو الإسماعيلية او السويس كانت محدودة إلى أقصى حد ممكن بما لا يمكن معه قبول القول بأن القناة نقلت حضارة او أسست مجتمعات حضرية بعد إنشائها.

 

أما تاريخ حياة ديليسبس نفسه قبل هذا المشروع فلا يتمثل إلا فيما هو مُشين، فهو لم يكن مهندسا وإنما كان أفاكا درس في كلية الحقوق سنة واحدة ولم يكمل دراسته فيها، وأتاحت له عائلته أن ينال وظيفة في السلك القنصلي لكنه لم يلتزم في أدائه بما يهيئ له أن يحافظ على تلك الوظيفة وذلك في ظل رغبته المتأججة في الإثراء السريع، وتحفل المذكرات المصرية والفرنسية بإثبات تخطيطه الخبيث الذي كان يتراوح في تنفيذه في اللجوء إلى (بل والتنقل بين) كل الوسائل حتى إنه كتب لوالدة زوجته مفاخرا بأنه يسيطر على الوالي محمد سعيد باشا ابن محمد على باشا الكبير وعم الخديو إسماعيل الذي عرفه وهو صبي، ومكّن له طريق السوء في معرفة النساء والليالي الحمراء والمخدرات حسبما ذكر هو نفسه، وذلك كي يظل مسيطراً عليه أما سيطرته على الخديو إسماعيل من خلال الديون الباهظة فأمر لا يحتاج إلى دليل بعد ان ظلت مصر تدفع ثمناً باهظا له من استقلالها وثروتها ودخلها حتى العشرينات من القرن العشرين. ومع هذا كله فإنك لن تعدم من المصريين من لا يعرف من التاريخ حرفا وهو يزعم أن ديليسبس كان رجلاً من رجال التنوير!

مع أن ديليسبس أفاد فرنسا كثيراً جدا من حيث لم تخطط حكوماتها ولم تتصور هيئاتها فإن فرنسا نفسها لم تغفر له فضائحه المالية، بل ظل اسمه في صورة سيئة في القانون الفرنسي وفي الضمير الفرنسي

التزوير باسم التوير

هل يمكن لنا أن نعرض الآن صورة للمهارة الاجرامية في تزوير التاريخ حين يكتبه من يريدون مجاملة شخصية مثل ديليسبس أو الترويج لتوجهه الفكري أو الدفاع عن سلوكه الانتهازي والاستعماري؟ لنقرأ بعض النصوص المكتوبة عن ديليسبس في أدبياتنا أو المترجمة عن نصوص تريد ان تُحسّن صورته، خذ عندك على سبيل المثال تعريفه بأنه دبلوماسي فرنسي ومقاول ومنشئ قناة السويس، وخذ تعريفا آخر يحشر كلمة مهندس ما بين دبلوماسي فرنسي ومقاول مع أنه كما ذكرنا عمل بالسلك القنصلي لا الدبلوماسي، وفي وظائف صغيرة لا تسمح بإطلاق كلمة دبلوماسي بدلالاتها العربية عليه!

 

خذ أيضا هذا التعبير المراوغ: بعد دراسة قصيرة للقانون.. هذا التعبير يوضع بدلا من القول الحقيقي أنه لم يبق في كلية القانون وفصل منها بعد عام أو بعد بضعة شهور، فبطريقة الإغراء بالنظر إلى النصف الممتلئ من الكوب أو الربع او العشر على أنه نصف ممتلئ يقول القلم المجامل: بعد دراسة قصيرة للقانون، وقل مثل هذا في وصف هروبه من حكم القضاء الفرنسي بأنه: اعتكف في مزرعة عائلة زوجته لمدة 5 سنوات!

 

وعلى هذا النحو نستطيع أن تقرأ كل ما هو مكتوب لتجميل وجه ديليسبس في علاقته بالوالي محمد سعيد، وهي لا تعدو لأن تكون علاقة غدر، وعلاقته بالخديو إسماعيل وهي علاقة أكثر غدراً، ولا تنبئك المصادر المتاحة في اللغة العربية عن أن هذا الرجل الذي حكم عليه القضاء الفرنسي بأنه نصاب محترف عاش نصابا طيلة تسعين عاماً ما بين نوفمبر 1805 وديسمبر 1894، وأنه لم يستطع رغم طول عمره أن ينظف سيرته سواء بالتوبة أو بالإصلاح الخلقي والاجتماعي.

 

ومع أن ديليسبس أفاد فرنسا كثيراً جدا من حيث لم تخطط حكوماتها ولم تتصور هيئاتها فإن فرنسا نفسها لم تغفر له فضائحه المالية، بل ظل اسمه في صورة سيئة في القانون الفرنسي وفي الضمير الفرنسي، وذلك على الرغم من توظيفه لقرابته بالإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث في الضغط على نابليون الثالث من أجل تغيير رأيه المقاوم للقناة، وفي الضغط عليه لإقحامه في تسويات فرضتها الخيانة والغدر على مصر شعبا وحكومة ودفعت مصر بمقتضاها مبلغا كبيراً (48 مليون فرنك) تعويضا عن عدم تسخيرها للعمال بعدما اشترى ديليسبس ما كينة للحفر قامت بالعمل بدلا من هؤلاء العمال الذين أجبروا في البداية على الحفر بدون أجر، وأخيراً فإني أنقل عن المؤرخ شميدت ما نقله عن التايمز حين قالت بطريقة حصيفة عن ديليسبس حين مات: إنه فعل وحده للحفاظ على مجد فرنسا (الذي تقلص بكوارثها) أكثر من كل السياسيين البؤساء مجتمعين الذين لاحقوه بكراهيتهم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة