مع هيمنة النموذج الغربي لا ينفع التكديس بل لا بد من البناء

من الإشكالات التي تجابه الإنسان في عصرنا أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكانا مركزيا في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة انتصارات باهرة، على المستويين المعنوي والمادي.

 

ونحن نلاحظ كيف أن التعامل مع الحضارة الغربية الغالبة أخذ – منذ أخريات القرن الثامن عشر – صيغة الانبهار الذي دفع كثيرين من قيادات الأمة الإسلامية ونخبها وعلمائها وأبنائها عموما، إلى الأخذ غير المتبصر عن هذه الحضارة، أو ما سماه مالك بن نبي "التكديس" ، الذي يستورد ويراكم الخبرات والأشياء، ولكنه لا يصنع حضارة، أو يعيد نهوضها من جديد ؟!.

 

ومكمن الخطورة كما يقول مالك بن نبي في هذا الأخذ أنه لم يميز بين الأشياء والأفكار. فإذا كان في الحالة الأولى (حالة الأشياء) يمارس عملا مشروعا، فإنه في الثانية (حالة الأفكار) يقتحم عقل الأمة وعقيدتها وثوابتها التصورية وخصائصها الأساسية بجملة من المفردات التي تلحق الدمار بمقومات الشخصية الإسلامية، وتقودها إلى الخروج من ساحة الاحتكاك الحضاري، وقد فقدت ذاتها وأصبحت – في نهاية الأمر – تابعا يدور في فلك الآخر.

كتاب شروط النهضة للمفكر الجزائري مالك بن نبي

وهذا يشكل عائقا كبيرا في تحقيق التنمية والنهضة في عالمنا الاسلامي، بسبب لجوء الانظمة والمؤسسات والجهات الرسمية والأهلية إلى التكديس بدل البناء، بسبب غلبة الشيئية على نظرنا إلى التنمية وإلى النهضة، فعميت بصيرتنا، وغفلنا عن البناء المرحلي التكاملي، واكتفينا بتكديس منتجات الحضارة إلى جنب بعضها البعض، معتقدين أن هذه المنتجات هي التي تصنع الحضارة، في حين أن العكس هو الصحيح، بحيث أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها كما يقول مالك بن نبي.

 

فلا يمكن بأي حال من الأحوال لركام من المتناقضات التي جُمعت بشكل فوضوي رغم تنافرها أن تسهم في بناء حضارة، أو بالأحرى السير قدما بمجتمع استيقظ من نومه الذي دام عدة قرون، نحو دروب التحضر (العاطف، 2008). ولننظر إلى ما قمنا في عالمنا العربي خاصة بركمه من منتجات الحضارة؛ في شكل عمائر وطرق وجامعات ومؤسسات ومنتجات وأنماط العيش وطرقه.

 

كما لا يمكن أن يكون هناك جمع عشوائي لمنتجات حضارة للحصول على حضارة، لأن الحضارة تقوم على قانون البناء لا على التكديس، فلكي نبني حضارة لا يكون ذلك بتكديس منتجاتها، وإنما بأن نحل مشكلاتها الأساسية (الخطيب،1993) المتعلقة بالانسان فردا ومجموعا، والمتعلقة بالوقت الذي نهدره في شكليات فيضمي هباء دون منتجات لها كثافة الواقع وتحقق مصالح مجتمعاتنا والانسان عندنا، وكذلك تلك المتعلقة بالإمكانات الطبيعية في الأرض والبحر والجو، من ثروات طبيعية ومعادن وطاقة شمسية ومساحات شاسعة وبحار زاخرة بالإمكانات، فنبيعها مادة خاما، ونشتريها مصنعة بأضعاف مضاعفة من اثمانها، دون التفكير في امتلاك التقنية والافكار والمهارات لتصنيعها محليا واستغلالها محليا.

 

ويشتمل التكديس على الأشياء والأفكار والأشخاص. يقول مالك بن نبي: "وهذا التكديس للأشياء يزدوج على العموم مع تكديس للأشخاص، فالمكان الذي يجب أن يشغله خمسة موظفين أو مستخدمين، يوضع فيه أحيانا خمسة عشر أو عشرون بطريقة تزدوج بها مشكلة البطالة العادية، مع بطالة ناشئة عن الواقع في استحداثنا لموظفين دون أن نستحدث وظائفهم"(بن نبي، القضايا الكبرى).

كما يشمل تكديس الأفكار، حينما يتم تكديس الشهادات والكلمات والكتب، لكن دون أن يكون لها ثمرة، ودون أن يكون للأفكار كثافة الواقع وحقيقته، وقد استمرت ظاهرة التكديس في مجال الأفكار إلى يومنا هذا، فأغلب الكتب المعروضة في المكتبات العربية، تتضمن تكديسا لنصوص من إبداع الغير سواء القدماء من المسلمين، أو المحدثين من الغربيين، وأن مضمونها ما هو إلاّ جمع للألفاظ المتقاربة المعنى والدلالة (العاطف، 2008).

 

بل وتعدى الأمر فيما يتعلق بالأفكار إلى تكديس أنماط التدريس، وأشكال الجامعات، وفروع التخصصات، سواء أكانت مجتمعاتنا تحتاجها أم لا، وسواء أكنت هذه التخصصات مما يساعد في بناء مجتمعاتنا وتحقيق نهضتها الحضارية ام تؤدي إلى تعميق التخلف، وتكريس التبعية، واستيراد "الأفكار المميتة"، التي تنقل لنا أنماط ثقافية مرضية، ولا تزودنا بأي معامل تحضر.

 

ويكفي أن تنظر في جامعاتنا، وسياساتها اللغوية، فبدل أن تعتمد سياسة لغوية تثري بها المحتوى العربي وتوسع من استعمال اللغة العربية في الميادين العلمية والتقنية والإنسانية، فإنك تجدها تجاري الجامعات الغربية في اعتماد اللغة الانجليزية او الفرنسية او اي لغة اوروبية اخرى، اعتقادا أن باعتماد تلك اللغات تتحقق النهضة العلمية، وليس بتطوير برامج التعليم وتحسين مستوى البحث وتوفير برامج مبنية علميا على اسس صحيحة تستجيب لهويتنا الحضارية وتضمن لنا السبق العلمي والتميز.

 

بل ويتعدى التكديس إلى كثير من ميادين الحياة الاخرى، في الثقافة والرياضة والاقتصاد والتجارة والصناعة والسياحة وغيرها، بحيث يخيل إليك أننا نعمل بطريقة "الدجاجة التي تبيض ذهبا"، فنأتي بكل المنتج الغربي ونعتقد اننا سنتقدم وننهض، والأصل أن نكون خبراء من أبنائنا ليقوموا هم بعملية تحويل التكنولوجيا والمعرفة والحضارة بطريقة بنائية متدرجة بتوفير وسط ثقافي يقوم على بناء تكاملي لكل سياساتنا التنموية في مختلف الميادين، وتوجيهها وفق هويتنا الحضارية ووفق حاجاتنا، مع الحفاظ على مواكبة الخبرة الحضارية الانسانية مواكبة المتعلم المستفيد، لا مواكبة التاجر الذي يتابع الموضة فيشتريها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة