رحلة ماجلان ومعركة ماكتان

كانت رحلة ماجلان (1480-1521)، إلى الشرق، إحدى المغامرات الاستكشافية الكبرى، في القرن السادس عشر الميلادي، وكان هدفه المباشر منها، هو الحصول على التوابل، التي كانت، حينذاك، تحت سيطرة التجار المسلمين التامة، وكانت مصدرا مهما لثرائهم، وثراء السلطنات الإسلامية في الشرق، وبخاصة دولة المماليك، فيما عدا البندقية، التي أعطاها المماليك حق احتكار هذه التجارة في أوروبا، وكانت تحقق من ورائها أرباحا فاحشة.

 

وأما الهدف الحقيقي لماجلان، فقد كان، بعد السيطرة على هذه التجارة، هو استخدام عائداتها الضخمة، لتمويل حملة صليبية جديدة سيتم تجريدها إلى الشام، لاستعادة بيت المقدس من أيدي المسلمين، وبالتالي، إحياء مملكة بيت المقدس الصليبية (المقدسة)، والتي قضى عليها صلاح الدين (532-589هـ)، وذلك بعد فشل الحملات الصليبية السابقة في استعادتها، وكان البحث عن تمويل لهذه الحملة الصليبية، هو السبب الرئيس لمعظم الرحلات الجغرافية للبرتغالين والإسبان، والتي ترتب عليها ما ترتب من كشوف جغرافية، سواء تلك الرحلات التي سبقت هذه الرحلة أو التي تلتها، أما الهدف الكشفي أو المعرفي، فكان يأتي في المقام الثاني.

 

ولأن البرتغال كانت قد سبقت إسبانيا في الوصول إلى الهند، وإلى جزر الملايو (ماليزيا)، وجزر الهند الشرقية (اندونيسيا)، والتي كانت تدعى، حينذاك باسم "جزر التوابل"، وبالتالي، وضعت يدها، أي البرتغال، على مصادر هذه التجارة، فقد نشط الإسبان للوصول إلى هذه الجزر، من طريق اخرى، غير الطريق الذي تسلكه الأساطيل البرتغالية، وهو طريق رأس الرجاء الصالح، في أقصى جنوب القارة الأفريقية، وذلك منذ اكتشافه سنة 1498، ومن هنا جاءت رحلة ماجلان إلى الشرق، وكانت بعد اكتشاف الإسبان للأمريكيتين بأقل من عشرين عاما، وكانت هذه الرحلة عن طريق الابحار غربا، عبر العالم الجديد، بعيدا عن منطقة نفوذ البرتغال.

 

ولكن ماجلان، الذي كان أكثر اطلاعا على كتب الرحالة العرب وخرائطهم وانجازاتهم في الشئون البحرية وعلم الفلك، والذي أيضا كان قد خدم التاج البرتغالي في الهند وجزر الملايو، وشمال أفريقيا كملاح وكمقاتل صليبي، لأكثر من عقد من الزمن، قبل أن يتحول لخدمة التاج الإسباني، كان قد أدرك بأنه طالما والأرض كروية، فإن الأبحار نحو الشرق، أو الأبحار نحو الغرب، سيؤدي، بالتالي، إلى نفس المكان.

وهكذا أبحر ماجلان في 10 أغسطس 1519، من اشبيلية على رأس خمس سفن تحمل على متنها 270 بحارا، حتى وصل البرازيل، ثم دار حول أمريكا الجنوبية، مجتازا المحيط الأطلسي، إلى المحيط الهادي، ثم استمر في الابحار غربا، في رحلة طويلة شاقة جدا، ومهلكة، كانت هي الأولى من نوعها، وامتزجت فيها المغامرة بالخوف من أمواج المحيط وعواصفه العاتية وحيتانه الضخمة، كما امتزج فيها العلم بالوحشية، والأمل باليأس، والطموح بالتهور، والهدف الاقتصادي بالهدف الديني والرغبة في السيطرة، حتى أدرك ماجلان اليابسة في مارس 1521، وكان هو ومن تبقى من بحارته في اخر رمق، بعد أن تعفنت أغذيتهم، واضطروا لأكل الفئران والحشرات ونشارة الخشب، وبعد أن هلك منهم من هلك في عرض البحر بسبب المرض والجوع.

 

ولم يكن قد تبقى مع ماجلان عند وصوله إلى هذه الجزيرة، سوى ثلاث سفن، فقد تكسرت أحداهما في المحيط، بسبب سوء الأحوال الجوية، وتمردت عليه الأخرى في الطريق، وعادت من حيث أتت، وقد ظن ماجلان لحظة وصوله إلى هذه الجزيرة، أنه قد أدرك بغيته، ووصل إلى جزر التوابل (جزر اندونيسيا)، ولكنه لم يلبث أن عرف أنها جزر أخرى، ولذلك فقد أطلق عليها اسم جزر "سان لازار"، قبل أن يتحول هذا الاسم، بعد ذلك، إلى "جزر الفلبين"، تخليدا لاسم فيليب الثاني، ملك إسبانيا (1566-1598)، والذي وقع الغزو الإسباني، الحقيقي لهذه الجزر، في عهده.

 

وقد نجح ماجلان، والذي كان أول رحالة أوروبي تطأ قدماه أرض هذه الجزر، في رفع العلم الإسباني على جزيرة "سيبو"، الواقعة في وسط الأرخبيل، وذلك بعد أن عقد معاهدة مع حاكمها الوثني، واقناعه باعتناق النصرانية، والتبعية للتاج الإسباني، وكان يصحب ماجلان في هذه الرحلة خادمه (أنريكي)، الذي ينتمي لهذه الجزر، وكان قد جيء به أسيرا إلى إسبانيا قبل عشر سنوات من بدء الرحلة، فاشتراه ماجلان واصطحبه معه، فكان لهذا العبد، بالتالي، دورا مهما في تسهيل مهمة ماجلان في التواصل مع أهالي جزيرة سيبو، وبخاصة مع حاكمها.

 

وقد بدأت متاعب ماجلان تعود من جديد، على إثر وعده لحليفه هذا، بأن يجعل منه ملكا على جميع الجزر، وأن يخضع لسلطانه جميع أمراء هذه الجزر بالقوة، وأولهم الأمراء المسلمون، كاشفا عن عدوانيته وتعصبه المقيت للصليب، وعن هدفه الديني التنصيري. وكان ماجلان، المتعجرف ذو النزعة الصليبية، والمغتر بمدفعيته واسلحته النارية، والتي لم يكن يعرفها أهالي تلك الجزر البسطاء، واثقا من قدرته على تحقيق ذلك الوعد، وقد ابتدأت جهوده في هذا الصدد، بمحاولة إخضاع جزيرة "ماكتان" الصغيرة، والمواجهة لجزيرة "سيبو"، وكان أميرها مسلما يُدعى "لابو لابو"، ولكن هذا الأخير رفض الخضوع لسلطان جزيرة سيبو، ونعى عليه خضوعه لهؤلاء الغزاة الغرباء، وأعلن مقاومتهم، وبخاصة بعد إطلاق ماجلان لبحارته وراء نساء هذه الجزيرة، ليشبعوا شهواتهم الجنسية المكبوتة لأكثر من سنتين، ثم إقدامهم، بعد ذلك، على نهب وحرق أكواخ الأهالي البسطاء، الذين تصدوا لهم، وهبوا للذب عن نسائهم وأعراضهم.

 

ولم يقتصر "لابو لابو"، على رفض الخضوع لسلطة حاكم جزيرة "سيبو"، وإنما أخذ يحرّض أهالي الجزر الأخرى على منع وصول الغذاء لأولئك البحارة الهمج الدخلاء، ويستنفرهم لمقاومتهم وطردهم من البلاد، وقد أعتبر الإسبان صراعهم مع هؤلاء الأهالي المسلمين، امتدادا لصراعهم مع المسلمين في الأندلس وشمال أفريقيا، ولذلك فقد أطلقوا عليهم اسم "المور"، وهي التسمية التي عرفوا بها بعد ذلك، وحتى اليوم، وهي التسمية التي كان الإسبان، يطلقونها على المسلمين في الأندلس والمغرب.

وقد تطور الموقف بين "لابو لابو"، وماجلان، إلى نشوب مواجهة عسكرية، بينهما في ساحل جزيرة "ماكتان"، في صبيحة يوم 27 ابريل 1521، حيث هاجم سكان الجزيرة المسلمين البسطاء، البحارة الإسبان المعتدين، واشتبكوا معهم، في معركة حامية، بالسيوف والقسي، مما أدى إلى إبطال مفعول المدافع الإسبانية، وإلى اضطرار ماجلان ومن معه للنزل للقتال مترجلين.

 

وقد انتهت تلك المعركة بمصرع ماجلان على يد البطل "لابو لابو"، ومقتل العديد من بحارته، وخسارتهم لإحدى السفن، وهروب من نجا بجلده منهم في سفينتين، إلى جزيرة التوابل في اندونيسيا، والتي كانت خاضعة للبرتغال، وقتذاك، تاركين وراءهم جثة قائدهم ماجلان، والتي رفض "لابو لابو" تسليمها لهم، وتاركين أيضا خادمه أنريكي، والذي آثر البقاء في موطنه.

 

ومن تلك الجزيرة (جزيرة التوابل) عاد بقية البحارة الإسبان، إلى بلادهم، عن طريق رأس الرجاء الصالح، وفي طريق العودة تحطمت سفينة رابعة، ولم تعد لإسبانيا سوى سفينة واحدة فقط، ولم يكن على متنها سوى 18 بحارا من أصل 270 بحارا، وكان ذلك في سبتمبر 1522، وذلك بعد مضي 37 شهرا من انطلاق الرحلة.

 

ومهما كان من أمر، فتعتبر هذه الرحلة أحد الأدلة على كروية الأرض، كما هو مثبت في المقررات الدراسية اليوم، وذلك أن الرحالة الإسبان بعد هلاك قائدهم ماجلان واصلوا الرحلة إلى جزر التوابل، ثم أكملوا الرحلة في المحيط الهندي، والتفوا حول أفريقيا، وصولا إلى المحيط الأطلسي، حتى عادوا إلى النقطة التي انطلقوا منها في إسبانيا، وذلك تحت قيادة الملاح (سباستيان دل كانوا) أحد مساعدي ماجلان، وبذلك أكلموا الدوران حول الأرض. والله تعالى أعلم!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة