المخيال السياسي الشيعي والاستثناء الإيراني

"إن فكرت مليا، ستجد أن إيران لا تريد شيئا من لبنان سوى أن يكون ممرا استراتيجيا يسهل لها تحقيق هدفها الأسمى: تحرير بيت المقدس واستعادة كرامة هذه الأمة المسحوقة." هذا ما قاله لي في عام 2008 أحد أساتذتي في المرحلة الثانوية في لبنان. كان نقاشا مستفيضا، حامي الوطيس، حول أسئلة السياسة، الاقتصاد الوطني، الديمغرافيات الطائفية والاصطفافات الإستراتيجية في منطقة شرق-أوسط ترزح تحت ثقل احتلالين: نيو-كولونيالي ممثلا بإسرائيل ونيو-توتاليتاري ممثلا بقيادات عربية غائبة عن آمال وتطلعات شعوبها، ناهيك عن حقوقهم السياسية والاقتصادية والمدنية.

 

حينذاك، كما اليوم، لا زلت أقف موقف المتعجب من هكذا منطق. أستاذي، وقد انقطعت علاقتي به، ليس من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. ولكنه يتشارك وأبناء الطائفة – "البيئة" أو "الحاضنة"، كما هو شائع في الأدبيات اللبنانية الحديثة – مخيالا سياسيا جمعيا مقاوما، لا من حيث معاداته لأجندات التقسيم والتفتيت الغربية، ومحو الذاكرات النضالية (قومية ويسارية وإسلامية) للأمتين العربية والإسلامية، فحسب، إنما، وهو الخطير، من حيث هيمنته وسطوته شبه-المطلقة على منطلقات التحليل والأدوات التفكيرية والتفكيكية المتاحة للفرد أو الجماعة لعقلنة الأحداث السياسية ودراسة خلفياتها وتداعياتها ومآلاتها القريبة والبعيدة المدى.

 

فالغريب عند السواد الأعظم من أهلنا الشيعة في لبنان – هنا، أشمل عائلتي الممتدة وثلة من أصدقائي – هو تمنُّعُهم، إما بدوافع ذاتية أو بيئية، خارجة عن الذات، عن النظر إلى إيران ومعرفتها بنفس القواعد المنطقية وأرضيات التحليل التي يستخدمونها في العادة، وبفطنة وحنكة لافتتين، للنظر إلى دول وقوى أخرى، كالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

 

بعبارة أبسط، ما ينطبق على إيران لا ينطبق على غيرها. لكل دولة أجندتها، أهدافها ومصالحها، ولا ينبغي للبنان التعامل معها إلا على قاعدة الندية والاتفاق على سلة من المصالح الملموسة المشتركة، اهتداء بتعريف الإمام الشاطبي العريق للعمل السياسي باعتباره جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد.

إلا إيران، النظام والدولة والإرث الحضاري والامتداد الجيو-استراتيجي، التي يبدو أن الحجر المفروض على المخيال السياسي الشيعي اللبناني يحيلها إلى شيء من الاستثناء والخصوصية. فما إن تُستَحضر إيران حتى يتحول هذا المخيال إلى مخيال موقوف، مستغرق في أيديولوجية أقلوية مصقولة بوعي مذهبي، مسلوب الإرادة والحركة الحرة، عاجز عن إعمال لغة المصالح أو أي لغة مفهومية أخرى، قديمة أو جديدة، للوصول إلى فهم موضوعي للحالة الإيرانية المعقدة. لكأنما إيران ليست دولة كغيرها من الدول، لها ما لها وعليها ما عليها، تصيب وتخطئ، تحارب حينا وتسالم أو تهادن حينا أخرى، تعرج وتزول.

 

المعنى الحقيقي لاستيقاف المخيال السياسي للجماعة أو الحجر عليه هو تعريتُهُ عن القدرة على التجريد النظري للإمساك بخيوط التنازعية الاجتماعية التي تشكل الواقع وتشغِّلُه، في العمق. قصدي أن التوقف عند إيران، أو بمعنى أصح، عن التعرض لإيران، هو بحد ذاته، من حيث يدري أو لا يدري صاحب/ة المخيال المُستَوقَف، صناعةٌ معرفيةٌ يُراد منها طمسُ التركيبة الحيوية والغنى الموضوعاتي ليس فقط للاختلاف (والخلاف) الإيراني-العربي، والإيراني-اللبناني على وجه التحديد، وإنما أيضا لإيران نفسها، بتنوعها الكمي والنوعي، على الصعد كافة، جغرافيا وبشريا. فكم من عرق ونسب في إيران، وكم من هرمية طبقية اجتماعية (بين غني وفقير، مترَيِّف ومتمَدين، حرفي ومهني، مواطن ومسؤول) وكم من نزوع علمي (بين علمائي ووضعي) ومدرسة فكرية (بين موال ومعارض للسلطة، محافظ وإصلاحي، ماركسي وماركسي-إسلامي، ليبرالي ونيو-ليبرالي).

 

كل هذا يختزلِهُ المخيالُ الموقوف عندما يقرِّر (أو يُقَرَّر عنه مسبقا) أن إيران أرفع من أن تُمَوضَع، أن تُفَكّك نواياها ويُنظر في أمر عمرانها وتدبّرها للسياسة، في الداخل والخارج. تدرك القيادة الإيرانية جيدا أن مكوث دولتها في المخيال الجمعي الشيعي على هذا النحو، كيانا متعاليا على الجراح، لا همَّ له سوى كبح "الاستكبار" (من فلسطين إلى فنزويلا)، لهو أحصن خط دفاعي ضد كل من يعيِّرُها بحقها المشروع بالتوسع شرقا وغربا سعيا وراء مصالحها. ليست إيران اليوم أقل كولونيالية من عدوَّتها أمريكا أو حلفيتها العسكرية روسيا أو شريكتها التجارية الصين، ولكن أكثر مواليها من أهلنا الشيعة لا يفقهون، أو قل لا يتخيلون.

 

كلمة أخيرة: لا ينطلق موضوع هذا المقال بأي شكل من الأشكال من مسلَّمة أن الانهيار الكياني الكلي الذي يمر به لبنان اليوم ينبع حصرا من النتائج الكارثية لاستيلاء إيران عبر "حزب الله" وأذرعها السياسية والعسكرية الأخرى في المنطقة على أربع عواصم عربية، هي بيروت، صنعاء، بغداد ودمشق. كلا، فالأزمة بنيوية، شديدة التعقيد والتشابك، ولا مبالغة البتة في القول إن كل القوى السياسية والأحزاب الطائفية اللبنانية منخرطة حتى النخاع في حملة التفقير والتجويع والتشريد الشرسة التي يتعرض لها اللبنانيون.

ولكن وبموازاة المجهودات الجبارة التي يبذلها شعبنا لضمان أمنه الغذائي والمعيشي، لا مفرَّ من التفكير بكيفية البناء على الرُّكامَين المادي والمعنوي لهذه الأزمة للخروج بوعي مواطني متقدم يسمح بتوفير مُقوِّمات إعادة تكوين الهوية الوطنية وتشكيل النسيج المجتمعي الذي مزقته الحرب الأهلية (1975-1990) ونخره الفساد الاقتصادي، المالي والإداري (1992-مستمر).

 

من هنا ضرورة البحث في مسألة المخيال السياسي لكل جماعة لبنانية على حدا، من حيث نشأته، تطوره وشروط وممكنات تحرُّره. في الخمسينيات والستينيات، هيمنت القومية العربية (بنسختها الناصرية) على المخيال السياسي السني، وجَرَّت الويلات. وفي السبعينيات والثمانينيات، هيمنت القومية اللبنانية (بنسختها المارونية) على المخيال السياسي المسيحي، وجَرَّت علينا هي الأخرى ويلات لا تعد ولا تحصى. لم يشف بعد هذان المخيالان من ندوب الماضي، ولكن عوامل سوسيو-تاريخية عدة، لا مجال للخوض فيها هنا، أدت إلى علمَنَتِهما نسبيا. يبقى إذا المخيال الشيعي، وقد سلَّطَت عليه إيران من يطوِّقُه ويطوِّعُه خدمة لأهدافها. تخليصُهُ مما نزل به أولوية، وهي معركتنا نحن اللبنانيين جميعا، وفي مقدمتنا أهلنا الشيعة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة