معضلة الطفولة.. من سيقف لحراسة المرمى؟

جميلة هي هذه الاوقات التي تجتمع فيها مع أصدقائك لتقضوا وقتاً ممتعاً معاً تاركين وراءكم ذكريات وأوقاتاً سعيدة لا تُنسى أبد الدهر، وما أسعده من وقت حين تتفقون على اللقاء سوياً في ملعب يتم استئجاره لتمارسوا فيه الهواية الممتعة التي يعشقها معظم الناس والشباب على وجه الخصوص وهي لعبة كرة القدم، ولا يقتصر الأمر على اللعب فقط وإنما يمتزج اللعب بالضحكات والمناغشات البريئة والمشاجرات الوهمية التي ليس لها أساس وإنما هي انفعال اللحظة ومن ثمَّ تتلاشى ولا تُذكر.

 

قبل بداية المباراة توجد خطوة تُسمى (التقسيم) وهي أن هذا الجمع ينقسم إلى فريقين بالاختيار هذا مع هذا الفريق وذاك مع ذلك الفريق إلى أن يتم التقسيم وتبدأ توزيع المهام في الملعب لكل فريق، يستغرق كل فريق قبل بداية المباراة دقيقتين أو ثلاثة لتوزيع المهام على كل واحد من الفريق في المكان الذي يجيده، فهذا في الهجوم وهذا في الوسط وذلك في الدفاع، ولكن من يقف لحراسة المرمى؟ انطلاقا من هذه النقطة يبدأ الخلاف بين لاعبي الفريق الواحد، فالكل يحسن الظن في نفسه، ويدرأ عن نفسه شبهة معرفة كيفية التصدي للكرة بالأيدي أمام الفريق المنافس. وتختلف الحالات عند تعيين أحد أعضاء الفريق بشكل خاص ليقف في حراسة المرمى ومنها:

 

إنها مسألة كرامة، وهي حالة يطرح فيها من تم اختياره على نفسه السؤال مستنكراً، كيف لي أن أقف حارساً للمرمى وأنا من أنا؟ إن لي الحق في اللعب في أي مركز من مراكز الملعب شئت، وإلا فهو الانسحاب والقطيعة وهجر كرة القدم هذه التي تُنقص من قدري ومكانتي عندما أقف في حراسة المرمى، فمثلي لا يلعب إلا في الهجوم أو في وسط الملعب على أقل تقدير، ولا يرضى حتى بالدفاع مركزا ومكانا.

 

حالة اهتزاز الثقة بالنفس، فيبدأ بالتفكير والتعمق في طرح الأسئلة بأنه لماذا أنا؟ هل لأنني لا أجيد مهارة اللعب، أم لأن وزني قد زاد قليلاً، أم أني لم أعد أمثل اهتماما لغيري، ولمَ الاستغراب؟ فأنا دائماً مهمش بين أقراني، الحاضر الذي لا يُعرف والغائب الذي لا يُفتقد، فكان من الطبيعي أن يضعوني في ذيل القائمة ومن باب أولى في حراسة المرمى.

حالة التمارض، وهي أن يتعلل من تم اختياره لحراسة المرمى بالمرض والتعب والألم وبصفة خاصة في إحدى يديه ويبدأ يسرد عليهم قصة سقوطه من على الحمار عندما كان صغيراً في زيارة لخالته الريفية في القرية، ومنذ ذلك الحين وهو لا يستطيع أن يحمل أشياءً ثقيلة ولا أن يصد تسديدات قوية.

 

حالة الانتقام، وهي حالة ينتقم فيها من تم اختياره لحراسة المرمى من زملائه الذين عينوه لحراسة المرمى، فيتعمد الإهمال وتضييع الكرة وإهدار فرص فريقه وإعطاء الفرص للمنافس، وترك المرمى ويكأنه خالياً، فأي تسديدة من الخصم عليه في اتجاه المرمى هي هدف محقق للمنافس.

 

حالة الرضا، وهي حالة يستجيب فيها اللاعب بكل رضا تام بتعيين باقي الفريق له لحراسة المرمى، فيدافع بكل جسارة عن مرماه، ويفرح فرحاً شديداً بفوز فريقه، فنجاحهم نجاح له، فيلعب بكل إخلاص وتفان، ويعتبر أن وجوده مع الفريق ولو في حراسة المرمى هو شرفٌ كبيرٌ له.

 

حالة التطوع، وهي حالة يتطوع فيها أحد أفراد الفريق لحراسة المرمى دون أن يطلب منه أحد ذلك، بل ويعرف نفسه على أنه حارس المرمى، وأنه يجيد هذه الوظيفة جيداً، ولا يعرف أن يتميز إلا في هذا المكان بين العارضتين، ومثل هذا تجد الفرق كلها تتهافت عليه وتحتضنه حضناً دافئاً يشبه حضن العائد بعد غياب طويل لتختاره معها في صفوف الفريق، فباختياره يكونوا قد أزالوا عن صدورهم حِملاً ثقيلاً وإجابة واضحة صريحة لسؤال كان سوف يجر خلفه الكثير من الحالات التي ذكرتها في الأعلى، من سيقف لحراسة المرمى؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة