العنصرية الطبقية في اليمن .. قانون الخُمس الحوثي المثال الأبرز لكنه ليس الوحيد

في الوقت الذي انتفض فيه العالم ضد العنصرية بعد حادثة الخنق الشهيرة التي حصلت في الولايات المتحدة الأمريكية التي راح ضحيتها شاب من ذوي البشرة السوداء على يد أحد أفراد الشرطة الأمريكية، نفاجئ في اليمن بمشروع قانون سُلالي عنصري، تبناه الحوثيين، يؤصل للعنصرية الطبقية، عبر سن تشريعات تمنح جزء صغير- أو لأكون أكثر دقة – تمنح عائلة واحدة (الهاشميين) في اليمن امتيازات وحقوق على حساب باقي الشعب اليمني. مسودة قانون ما يسمى بالخُمس الذي طرحه الحوثيين مؤخراً، والذي بموجبه ستقتطع هذه العائلة خمسة في المئة من موارد الدولة ومن كل شيء تقريباً يمتلكه اليمنيين لصالحها الشخصي، لا لشيء إلا أنهم ينتمون إلى هذه العائلة التي ترى في نفسها أفضلية على باقي اليمنيين.

 

المفارقة المؤلمة أنه في الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من العنصرية التي لاتزال موجودة ضد السود والملونين، عند عدد لا بئس به من البيض، الذين يرون في أنفسهم اصحاب العرق الأسمى وأن من دونهم إنما وجدوا لخدمتهم، إلا أن هنالك قوانين وتشريعات حاربت العنصرية وعملت في كثير من الاحيان على الحد من انتشارها، لكنها لم تستطع القضاء تماماً على الممارسات العنصرية، وظلت هذه العنصرية كالكابوس الذي يؤرق مضجع الحرية والديمقراطية التي لطالما تغنت بها الأمة الأمريكية.

 

لكن في اليمن يحدث العكس تماماً، فبدلاً من وجود قوانين وتشريعات تُجرم العنصرية، يسعى الحوثيين الممسكون بزمام الأمور في معظم مدن الشمال اليمني، إلى نشر العنصرية عبر ابتداع قوانين وتشريعات تجعل من الممارسات العنصرية شرعية وقانونية. وبالمناسبة لا يختلف البيض المتعصبين لعرقهم في الغرب، عن الحوثيين المتعصبين لسلالتهم في اليمن، فكلاهما يرون في أنفسهم السادة ومن دونهم هم الخدم والعبيد.

 

قانون (الخُمس) العنصري، سلط الضوء من جديد على الممارسات العنصرية في المجتمع اليمني، فالكثير من الأسر المنتمية لما يسمى في اليمن بـ" المزاينة " تعاني من العنصرية الطبقية، وينظر إليهم كفئة دُنيا، زادت هذه العنصرية في الفترة الأخيرة بفعل التغييرات السياسية الأخيرة التي حصلت في اليمن. فالعديد من الممارسات التي حصلت أخيراً من قبل الحوثيين، كرست أو أعادة بعضاً من العنصرية الطبقية التي كان المجتمع بدأ في تجاوزها، لكن في العموم لا يتحمل الحوثيين المسؤولية الكاملة عن هذه المشكلة، وإنما هي مشكلة مجتمعية يتحمل جزء كبير من المجتمع المسؤولية الأخلاقية عنها.

في الآونة الأخيرة زادت حوادث إلغاء الزواج، وبعضها حدث في ليلة الزفاف نفسها، والسبب في الغالب أن أهالي أحد الزوجين أكتشف فجأة أن أُسرة العريس أو العروسة ليس لهم أصل وأنهم من المزاينة. تعاني شريحة كبيرة من المجتمع اليمني من العنصرية الطبقية، لا لشيء إلا لأنهم ولدوا وهم يحملون أسماء لعائلات ارتبط أصلها، منذ زمن قديم، بمهن يطلق على من يعمل فيها "المزاينة". فمهنة الجزارين، القشامين، الحلاقين، والدواشنه، تعتبر في اليمن وظائف دُنيا ومن يمارسونها أو لم يعدوا يمارسونها لكن مارسها وامتهنها في الماضي آبائهم وأجدادهم، يوصفون بالمزاينة.

 

ما يعني أنهم مواطنون يمنيين من الدرجة الثالثة التي ليس لها حقوق واجبات الدرجة الأولى (السادة) والدرجة الثانية (القبائل)، وهذه الحقوق المسلوبة والواجبات المهينة ليست مقرة بموجب القانون وإنما بموجب الأعراف السائدة والممارسات المجتمعية. على سبيل المثال لا يستطيع أبناء طبقة المزاينة الزواج من خارج طبقتهم، وكذلك من يتجرأ من أبناء الطبقات الآخر على الزواج من بنات هذه الطبقة يوصم بالعار وبأنه سيُلحق بأبنائه عار أمهم المزينة الذي لن يفارقهم طوال حياتهم. كذلك السادة لا يقبلون بتزويج بناتهم إلا من أبناء طبقتهم، لأنهم يعتقدون انهم عرق سامي وسلالتهم لا يجب أن تختلط مع أحد غيرهم.

 

العنصرية الطبقية في المجتمع اليمني لم تكن موجودة مُنذ الأزل وإنما استُحدثت في أحد العصور السابقة، وعلى مر السنين بدأت في الانحصار وصارت أقل حدة مما كانت عليه في الماضي، لكن في السنوات الأخيرة بدأت تظهر من جديد وبمستوى أعلى مما كانت عليه في السابق بفعل الظروف السياسية التي مرت وتمر بها البلاد.

 

عانى اليمنيين طويلاً من الممارسات العنصرية الطبقية السُلالية لما يقارب من الـ 44 عاماً حَكم فيها الأئمة المتوكلين اليمن بعد انتهاء حكم الدولة العثمانية، فقد تأسست المملكة " المتوكلية اليمنية " عام 1918 واستمرت حتى انهيارها بثورة 26 سبتمبر عام 1962. في تلك الفترة عاش اليمن فترة من الانعزال لم يعرفها اليمنيون من قبل، تم تجهيلهم فيها بطريقة ممنهجة، بحيث أصبحوا تابعين مخلصين لا يعون ما يحصل من حولهم ولا يشعروا بالآلام والاهانة التي كانوا يتعرضون لها من قبل ذلك الحُكم المتسلط، فتم حرمان أغلبية اليمنيين من حقوق عدة، بحيث تحولوا إلى مجرد عُمال ومستأجرين عند الأمام، يكدون ليل نهار لينعم هو وعائلته وحاشيته برغد العيش على حساب هؤلاء الضعفاء. تم ايضاً حرمان اليمنيين من حق التعليم وحصر التعليم على الهاشميين الذين ينتمون لطبقة الإمام.

يُشير عدد من المؤرخين اليمنيين إلى أن اليمن قديماً لم يكن فيه طبقات دنيا وأخرى علياً مقسمة على أساس السُلالة والعرق، ولم يكن هناك أعمال ومهن يدوية مستحقرة، وكان كل أبناء المجتمع اليمني لهم نفس المكانة، إلى أن جاء حُكم الإمامة الهاشمي الذي كان يركن إلى أبناء القبائل الموالين له في بسط سلطته المستبدة على اليمنيين، مستند في ذلك على العرف القبلي الذي كان هو التشريع الوحيد السائد آنذاك في الأوساط الاجتماعية اليمنية، ومستغلاً ايضاً جهل القبائل بالكثير من الأمور، فعمل هذا الحُكم على تحويل العُرف القبلي إلى اداة لتمزيق النسيج الاجتماعي اليمني، فخلق توازنات جديدة عمل من خلالها على ايجاد عنصرية أخرى بين القبائل نفسها توازي العنصرية السلالية التي كان يمارسها على اليمنيين عموماَ.

 

فكان يُعاقب كل من يخالف عُرفاً من الاعراف القبيلة أو عجز عن تحمله بتحويله إلى طبقة أدنى (المزاينة، الجزارين)، مع أنهم جزء من القبيلة، وكان يتم إشهار ذلك في الأسواق وغيرها من أماكن تجمع الناس. وفرض حُكم الإمامة، بمرسوم عنصري، زي يميز الهاشميين عن (الاقيال) القبائل، وزي آخر يميز القبائل عن المزاينة كما فُرض على المزاينة زي يميزهم عن الهاشميين والقبائل، ومثال ذلك الجنبية التي يلبسها الرجل على خصره "فالهاشمي" يلبس الجنبية (الثومة) جنبية خبائها يتجه لليمين وما زالت حاضرة إلى اليوم ويلبسهم الكثير ممن يطلقون على أنفسهم هاشميين، و"القبيلي" يلبس الجنبية بخباء مستقيم وهي السائدة حالياً في كل مناطق اليمن.

 

وكان يختلف لبس "المزين" عنهم جميعاً فلم يكن يُسمح له بلبس الجنبية وإنما كان يضع سكينة تُربط بوسطه متجهة إلى اليسار. ولترسيخ ذلك التمييز العنصري الطبقي في أوساط المجتمع اليمني مُيزت أصناف المجتمع السالفة الذكر بأعمال مخصصة، فتم منح الهاشميين الوظائف العلياء والأعمال التي تخص إدارة الدولة (ولاة، محافظين، قضاة.. الخ)، وأعمال القبائل اقتصرت على كونهم "العُكفة" أي العساكر والجنود، أما المزاينة فأجبروا على العمل في مهن يدوية مثل الجزارة والحلاقة والحدادة وغيرها من المهن اليدوية الشريفة، وأطلق على هذه الأعمال التي فُرضت عليهم بعد إخراجهم من القبيلة، بالأعمال أو المهن المستحقرة، مع أن تلك الأعمال لم تكن عند القبائل مستحقرة بحد ذاتها إطلاقاً، بل كانت قبائل عريقة تمارسها قديماً.

 

قُسمت العائلات في اليمن إلى طبقات وفئات مختلفة وهي التي تكون منها فيما بعد نسيج المجتمع اليمني الطبقي، وهي على هذا الترتيب: السادة، القبائل، ومن ثم المزاينة كما يطلق عليهم في الشمال، والعبود كما يطلق عليهم في بعض مناطق الجنوب، وهذه الفئة الأخيرة تحديداً هي التي يطالها الكثير من الأذى والإهانة والعنصرية، لا لشيء سوى أنهم ولدوا في عائلات تحمل هذا الأصل. تعيش هذه الفئة من المجتمع اليمني معاناة يومية، تلازمهم من صغرهم إلى يوم مماتهم، بداية من الاستهزاء الذي يتعرضون له وهم أطفال في المدرسة أو في الحارة، والذي يستمر معهم ويتحول إلى إهانة أكثر منه استهزاء في الجامعة، وانتهاءً بحرمانهم من حقوق كثيرة أهمها حق حرية الاختيار في الزواج. إلى غير ذلك من الممارسات العنصرية الكثيرة التي يقوم بها جزء كبير من المجتمع اليمني تجاه هذه الفئة.

سلمى وأخوها أنور، في العشرينات من عمرهما يدرسان في الجامعة، ويعيشان في عائلة مستواها المادي جيد، لكن دائماً ما يلازمهما شعوراً بأن شيء ما ينقصهما، ومرد هذا الشعور إلى المجتمع من حولهما الذي دائماً ما يغمز ويلمز عن الأصل الذي تنتمي له عائلتهما. لا تدري سلمى وأخاها أنور إن كانا سيكملان دراستهما الجامعية في اليمن، أو حتى إن كانا يستطيعان أصلاً العيش فيها طويلاً، كلما ما يتمنياه حالياً، أن يتمكنا من الخروج من اليمن والهجرة إلى بلد يحفظ لهم كرامتهم، ويُعاملون فيه كبشر، بغض النطر عن ألقابهم ومسمياتهم، قالت سلمى والحسرة تكسو وجهها، "أشعر في قرارة نفسي أنني لم أعد أنتمي لهذا البلد".

 

انتفض الكثير ضد مشروع قانون الخُمس الذي أراد الحوثيين تمريره، والذي بالمناسبة يُعد من أغرب القوانين على الإطلاق ويجسد العنصرية في أقبح صورها، ومن خلاله سقطت هذه الجماعة إلى ما دون القاع، فالحوثيين بهذا القانون بلغوا مرحله من الصفاقة لم ينازعهم فيها أحد. لكن أليست هذه فرصة مناسبة لينتفض اليمنيين أيضاً ضد كل الممارسات العنصرية التي يقوم بها المجتمع نفسه ضد جزءً أصيل منه، لم يرتكب أي جرم سوى لقب عائلته التي ينمتي إليها.

 

يريد الحوثيين إحياء ارثاً من العنصرية الطبقية المقيتة، التي كان الكثير من اليمنيين قد بدئوا في تجاوزه، مستندين في ذلك إلى فهم ديني خاطئ، وتفسيرات وتصورات مريضة بداء العنصرية، وجهل، للأسف، لا زال موجود عند بعض القبائل، ومعتمدين على القوة التي منحتهم إيها السلطة التي اغتصبوها، لكن الأمر الذي لم يحسبوا له حُسبان، أن الزمن تغير وأن الأوضاع السياسية والاجتماعية لم تعُدٌ كالسابق، فالعديد من الأمور تغيرت وأصبح الكثير من اليمنيين يعرفون حقوقهم جيداً، قبل واجباتهم، ولن يسمحوا لأحد، أي كان أن يسلُبها منهم مرة أخرى.

 

هذا الأمر مفروغ منه، وعندي ثقة كبيرة بأن اليمنيين سيتجاوزونه كما تجاوزوه من قبل طال الزمن أو قصر، لكن ما يدعو إلى الخوف هي العنصرية المتجذرة في المجتمع اليمني ككل، تجاه من يُتهمون بأنهم بلا أصل (المزاينة، الاخدام السود)، وغيرهم من المهمشين والأقليات التي لا زالت تعيش في اليمن، هذه العنصرية التي ظلت مستمرة لعقود، وزُرعت بداخل الإنسان اليمني جيلاً بعد جيل.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة