عقدة تفوق ذوي العيون الزرقاء وجدلية التقليد الأعمى

تتناول نقاشاتنا وأحاديثنا الروتينية في كثير من الأحيان اتهامات أو ادعائات موجهة في الغالب إلى حكومات العالم العربي، تتعلق بتقدير الكادر الأجنبي من ذوي العيون الزرقاء، بحسب ما يصفهم البعض، وتفضيلهم على الكادر الوطني والانبهار بهم، في إشارة – على الأغلب – إلى الأوروبيين والأمريكان تحديدا ولأصحاب الثقافة الانجلو ساكسونية بشكل عام.

 

في الواقع فإن تلك العقدة وما يسفر عنها من تفضيل لا تقتصر على الأنظمة السياسية والحكومات، بل باتت متأصلة في الخيال الجمعي لكثير من أفراد وشعوب المجتمع العربي والشرق الأوسطي بشكل عام. وفي محاولة لفهم هذه الظاهرة دائما ما تتم الإحالة إلى ما سطره ابن خلدون في مقدمته من "أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"

 

في هذا المقال لن يكون حديثنا عن هذه الظاهرة من حيث صحتها أو خطأها، فالثقافة الغربية والحضارة الصناعية هي المهيمنة على أرض الواقع، ولا مناص لدولة تريد أن تنهض وتتقدم من تلمس خطى الغرب شئنا أم أبينا، فالصين واليابان وكوريا وسنغافورا لم تنشغل بكيفية اختراع العجلة لكي تلحق بركب الحضارة! ولا يمكن لدولة من الدول مهما كانت عزيمتها وإصرارها أن تبدأ من الصفر لمواكبة ما وصلت له الحضارة الصناعية، بل لا بد من البناء على تجارب الآخرين، بدل التغني بماضي الأسلاف واستحضار الأمجاد الغابرة بالقول.. "يوم كنا ولا تسل كيف كنا".

 

إن السؤال المهم هنا يتمحور حول ماهيّة التقليد الذي من شأنه أن يزج بنا في ركب الحضارة، وما المقصود بالتقليد المفيد لدى الغرب وتجنب التقليد "الأعمى"؟ هل علينا تقليد ميشتهم والاستماع لأغانيهم والتخاطب بلغتهم مع بعضنا بعضا؟ أم نكتفي باقتباس كيفية تنسيق الزهور أمام فناء منزلنا؟ فنكون ظفرنا بالمفيد منهم! وعلى الرغم من أن السؤال يبدو بسيطا في ظاهره، إلا أننا لم نجب عليه واقعيا بعد، فلا زلنا نتخبط وننتقد الانبهار بالغرب في حين أننا غارقين في التقليد دون أن يقدم لنا ذلك التقليد أي دفعة إلى الأمام، فلغتنا أصبحت لغتهم وأشكالنا قاربت أو كادت أن تكون مثلهم، وتراثنا وثقافتنا أصبحت بحاجة للإنعاش والمثابرة لتبقى بارزة على السطح دون أن تغرق جراء ملاطمة أمواج الحضارة الغربية الفاتنة.

 

إننا عندما نستورد منتجاً حضارياً من الغرب أو الشرق على حد سواء، فإن ذلك لا يعد بأي شكل من الأشكال دليلاً على تحضرنا، وهو ما نصبوا إليه دائماً. كما أننا عندما نؤسس لشراكات مع الدول الصناعية لإنشاء مصنع في أوطاننا يقوم بتشغيله والعمل فيه وإدارته عناصر خارجية برؤوس أموالنا، فإن ذلك لا يعني أننا أصبحنا دولاً صناعية بتلك البساطة، ولن يقدم لنا ذلك المصنع في الغالب – باستثناء الانبعاثات الكربونية – سوى القليل.

 

إن استخدام الهاتف الذكي أو الكمبيوتر أو قيادة سيارة فارهة وغيرها من منتجات الحضارة لا يعني بأننا طرقنا سبل التحضر، ومن دون النظر للخلفية التاريخية والمعرفية لتلك المنتجات لن نعدوا كوننا مستخدمين سذج لها، علينا أن نسائل أنفسنا قبل كل شي وقبل الانشغال بطرح التساؤل المتعلق بالتقليد، كيف انبثقت الحضارة الغربية؟ وكيف استطاع الغرب أن يحقق هذا التفوق بالرغم من وجود حضارات متقدمة ومتطورة سادت ثم بادت إلا أننا لا زلنا حتى الآن، على الاقل، ننعم بما تقدمه لنا الحضارة الغربية، وهي من استطاعت، بحسب معلوماتنا الحالية على الاقل، أن تصنع فارقا ونقلة نوعية في مسيرتنا التاريخية.

 

وبالرغم من أننا في عصر المعرفة وانكشاف أسرار التقدم، وتوفر المعلومة والمعرفة العلمية وتمكّن أيا كان من الاطلاع والاستزادة من كافة أشكالها، وهي بالمناسبة في تطور وتراكم مستمر لا يتوقف، بدءا من كيفية صناعة الطائرة وتخصيب اليورانيوم إلى صناعة المايكرويف وغلاية المياه، جميعها موجودة وفي متناول أيدينا متى ما أردنا ذلك، إلا أننا لم نقدح بعد شرارة التقدم. وحتى مع التحجج بوجود استثناءات بسيطة ومعوقات موجودة فعلا أمام الاستفادة من المعرفة وتوظيفها، منها الطغيان الاقتصادي والسياسي وسيطرة الشركات متعددة الجنسيات، إلا أن ذلك ليس الحائل والعقبة الوحيدة أمام تقدم الأمم.

 

وبالعودة إلى السؤال عن الظروف الموضوعية لانبثاق الحضارة الغربية، نجد أغلب المؤرخين يتفقون على أن شرارتها انطلقت بالثورة الكوبرنيكية، والتي بها أفل نجم حقبة العصور الوسطى، وسطعت شمس عصر الحداثة، فالثورة الكوبرنيكية، بحسب موسوعة ويكيبيديا "هو مصطلح يشير إلى الثورة على النظرية المعروفة بنموذج مركز الأرض التي كانت تقوم على فكرة أن الأرض هي مركز المجرة، بزعم كوبرنيكوس أن الشمس مركز النظام الشمسي. كانت تلك النظرية نواة لثورة علمية في القرن السادس عشر الميلادي".

 

إذا كيف لقضية مركزية الأرض أن تقود إلى ثورة علمية؟ وما تأثير تلك القضية على صناعة الطائرة والسيارة والهاتف الذكي والكمبيوتر؟ خصوصا إذا ما علمنا أن كثيرا من تلك الاكتشافات والنظريات الثورية في حينها، جرى التعديل عليها لاحقا، أو أن بعضها تبين خطؤها من الأساس؟ وفي كل الأحوال فإن تلك المعارف لا تقدم أي فائدة تذكر للحقل العلمي في وقتنا الراهن، وهل لو أنك أخبرت أحدهم بأن الأرض ليست مركز المجرة وأن الشمس هي مركز مجموعتنا الشمسية سيتمكن من صناعة جهاز أو برمجة حاسوب؟ ولكن رغم ذلك شكلت تلك الحقيقة شرارة التقدم للغرب، كيف؟

إن ما قدمته الثورة الكوبرنيكية هي التغيير الجذري لنمط وآلية التفكير، ورغم أن نظريات كوبرنيكوس لم تتبلور إلا بعد مائتي عام من النزاع والشك والجدل، حتى توالت الاكتشافات إلى أن جاء جاليليو مؤكدا لنظريات كوبرنيكوس الأمر الذي تسبب في تقديمه لمحاكم التفتيش واتهامه بالهرطقة ومحاولة ثنية بسطلة الكنيسة، إلا أن شرارة المعرفة انطلقت ولا يمكن إيقافها، كما حقق الأوربيون في عصر الحداثة تقدما ونقلة كبيرة بالعودة والاستزادة من المعارف الكلاسيكية التي سطرتها الفلسفة الإغريقية وتناولت قضايا كبيرة ومهمة في علم الوجود ونظرية المعرفة والأخلاق وعلوم المنطق والرياضيات.

 

وفي حين يحتج البعض بأن الطريق الذي سلكه الأوربيون نحو مصادر المعرفة مر بكتب الفلاسفة العرب والمسلمين وترجماتهم للمعارف الإغريقية التي تمت خلال العصر العباسي وأنهم استفادوا منها أيّما استفادة، كما شكلت لهم خارطة لاكتشاف الفلسفة الإغريقية، والذي يعتبرها البعض سرقة ونهوضا على أكتاف الآخرين، إلا أننا لم نسائل أنفسنا قبل ذلك، أليست المعارف في عصرنا الحالي وكما أسلفنا مطروحة ووافرة للجميع؟ لماذا لم" نسرق" منها – إن صح التعبير- ونقوم بتوظيفها والخروج من دائرتنا المغلقة؟

 

ثم أليست كتب الفلاسفة العرب جاءت ضمن سياق أوسع وحركة أشمل من الترجمة ونقل لمعارف وعلوم الآخرين، كما أننا ننسى أو نتناسى أن العلم والمعرفة ليسا حكراً أو رمزيات نتفاخر بها أو شهادات نعلقها على الجدران دون أن نعمل بها، فالمعارف والعلوم تتناقلها الحضارات والأمم والشعوب، ومن التجني اعتبار تلك الحركة الطبيعة بمثابة" سرقة". والسؤال الأهم هو: كيف استفدنا نحن من تلك المعارف قبل أن يظفر بها الغرب؟ وكيف تعاملنا مع الفلسفة عبر العصور؟ ألم يتعرض الفلاسفة المسلمون تاريخيا لما يشبه محاكم التفتيش الفكرية؟ والتي هي مستمرة إلى الآن بالمناسبة.

 

إن القضية تتمحور حول طريقة التفكير والتعامل مع المعرفة، وعلينا هنا أن نسأل أنفسنا بموضوعية.. هل تجاوزنا المرحلة البدائية في طرق التفكير والتعامل مع المعلومة؟ بل والأهم من ذلك كيف تعاملنا ولا زلنا مع أصحاب الفكر وأصحاب الرأي الصادم لأفكار المجتمع برؤية جديدة لم يألفها، ألسنا مستمرين في طرح التساؤل الدائم حول جدوى الأبحاث التي تجريها الجامعات العريقة ومراكز الأبحاث حول العالم، ونسخر من أهمية المعرفة في حد ذاتها ونتساءل ماذا سيفيد إن اكتشفنا هذا العنصر أو ذاك، ونربط الأبحاث والاكتشافات بالتطبيقات العملية ونتساءل.. ماذا سنتسفيد من تلك الاكتشافات؟ وكأننا نضع العربة أمام الحصان! كما أننا نربط مخرجات التعليم بسوق العمل وكأن العلم والمعرفة مقتصرين على الوظيفة.

إن طريقة التفكير وطريقة التعامل مع المعارف أهم بكثير من المعلومة بحد ذاتها، والشغف بالمعرفة لا يجب أن يتم ربطة بالتطبيقات العملية لتلك المعرفة، فلو أن الأمر كان كذلك لما توصلنا لأي من مظاهر التقدم والتكنولوجيا التي بحوزتنا الآن، فالشغف بالمعرفة هو الذي قاد إلى اكتشاف الكهرباء، وليس الرغبة في اقتناء غسالة الصحون!!

 

يقول العالم الفلكي الشهير كارل ساغان، "العلم هو طريقة تفكير أكثر بكثير من كونه مجموعة من المعارف"، فالقضية ليست متعلقة بالمحاكاة والتقليد سواء كان تقليدا أعمى أم تقليدا مفيدا، إن المسألة أعمق من ذلك وهي متعلقة بالنظر إلى الآلية التي حققت قفزة نوعية وتجاوزت أطر التفكير والتعامل مع المعلومة، ونقلت الإنسان من التفكير الخرافي الأسطوري إلى التفكير المنطقي والعلمي، ومن محاكمة الفكر والحفاظ على النمط السائد إلى الانفتاح الفكري الذي قاد بدروه إلى حزمة أشمل من تقبل الآراء والمسائل المتعلقة بحرية الفكر وحقوق الإنسان، ونحن أمام ذلك لسنا بحاجة إلى طرح مسألة التقليد على طاولة الحوار بل الأجدر بنا وبناء على ما سبق النظر في صياغة إطار جديد للقضية يتعلق بمحاكمة أنماط التفكير وتفعيل المنهج العلمي في التعامل مع المعارف.

 

ومع الأخذ بالاعتبار مشروعية الحجج المتعلقة بقصور المنهج العلمي والتفكير المنطقي في التوصل إلى الحقائق والمعارف، فالعلم حتى هذه اللحظة وبالرغم مما يقدمه لنا من أدوات حققت للبشرية قفزات نوعية هائلة، إلا أن القصور الذي يكتنف وظيفة العلم في شرح الظواهر وحل المشكلات لا زال قائما، فالعلم يقدم شرحا للظواهر ولا يخبرنا على وجه الدقة ماهي كما أن العلم لا يقدم لنا ضمانات على مدى صحة النظرية والتفسير، وهذا بالمناسبة مصدر قوة العلم، فالعلم يشرح الكهرباء والجاذبية، إلا انه لا يخبرنا ماهي! كما أن العلم لا يجزم بالعلاقات السببية بين الظواهر وهو ما يزيد تواضعنا ويكشف لنا جليا بأننا لا زلنا في أول الطريق.

 

والقضية الأخيرة تعد سببا أساسيا في رفض المنهج العلمي لدى الكثير والاستعاضة عنه بالثوابت المعرفية القديمة التي تجزم بصحة التفسير مكتسية رداء التقديس، إلا أن ذلك يعد سببا من أسباب عدم النهوض وتجاوز الإشكاليات، وفي هذا السياق يقول كارل ساغان "العلم بعيد عن كونه أداة العلم المثالية، لكنه أفضل ما لدينا، في هذا الصدد وكما هو الحال مع الكثير، فإنه يشبه الديمقراطية". وهو ما يشي بأننا على أعقاب ثورة أخرى تتجاوز الأدوات العلمية المحدودة التي بحوزتنا، ولكن يظل الفكر المستنير هو الفيصل في تحقيق تلك القفزة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة