الدكتور أحمد فؤاد شريف أول من قال إن الإدارة بالأهداف

أبدأ حديثي عن الدكتور أحمد فؤاد شريف بداية طبية مرتبطة بمهنتي كأستاذ في أمراض القلب، فقد كان هذا الوزير اللامع والعالم الكبير من الذين أدركتهم الوفاة في أثناء عملهم الوزاري في عهد الرئيس أنور السادات، صحيح أن هناك أربعة سبقوه في أثناء ذلك العهد وتوفوا وهم في مناصبهم الوزارية، وهم الفريق محمود حمدي وزير النقل البحري والدكتور حسن الشريف وزير التأمينات الاجتماعية والمشير أحمد إسماعيل على نائب رئيس الوزارة ووزير الحربية والمستشار عادل يونس وزير العدل، لكن وفاة احمد فؤاد شريف كانت مفاجئة ومروعة فهو أصغر منهم جميعا، وقد توفي في ظروف عجزت الدولة أن تقدم له الرعاية الصحية لقصور مرفق الإسعاف في ذلك الوقت، وأسهم في دعم هذه الصورة ما أشاعه مقربون من الوزير من أن سيارة الإسعاف لم تتمكن من الوصول إليه إلا بعد أن فارق الحياة. ومع هذا فان وفاته من وجهة نظر أساتذة أمراض القلب كانت متوقعة فقد كان من أبرز نماذج ذلك النمط الناجح المعروف عالميا في ذلك الجيل الذي كان يُفرط في التدخين والقهوة وما اليها من المنبهات، ويُهمل في استيفاء ساعات النوم حتى لا يكاد ينام.

 

وفي السبعينات والستينيات من قبلها لم يكن الوعي بعوامل خطورة أمراض القلب قد نما إلى الحد الذي نعرفه الآن، بل إن التدخين كان مسموحا به في الأماكن العامة وفي الاجتماعات الضيقة في الغرف المغلقة بل ربما يرى من يشاهدون تسجيلات حفلات السيدة أم كلثوم الرئيس جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر وقد أشعلا السيجارتين بمجرد بدء الحفلة، وكأن متعة الاستماع في الحفلات العامة لا تكتمل بدون التدخين، وهكذا كان الدكتور أحمد فؤاد شريف بكل اندماجه في ثقافة عصره مدخنا شرها مُقلاً من النوم مكثراً من العمل والإجهاد وكانت وفاته بالتالي متوقعة، ولا نتورط في أن نقول طبيعية، لأنها بكل المقاييس الإنسانية ليست طبيعية، وإن كانت متوقعة بالمقاييس الطبية البشرية.

نشأته ومكانته

الدكتور أحمد فؤاد شريف 1925 ـ 1976 هو أشهر رواد علوم الإدارة الحديثة في مصر، ارتبط اسمه في أذهان الجماهير بما قدم نفسه به عند توليه الوزارة بنظرية الإدارة بالأهداف، وهي النظرية التي كان ينادي بتطبيقها في مجال الإدارة العامة في الدولة بحيث ينمو مفهوم جديد للإدارة يحقق التنمية الإدارية نفسها.

 

تلقي الدكتور أحمد فؤاد شريف تعليما مدنيا والتحق بكلية التجارة وتخرج فيها (194٨)، ثم استكمل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ودرس في شيكاغو، وحصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال (1953)، وكان أول مصري يحصل على هذه الدرجة من هذه الجامعة وفي هذا التخصص، وعاد إلى مصر فعمل بسلك التدريس في جامعة الإسكندرية هو وزميله عبد العزيز الشربيني الذي تأهل أيضا بدكتوراه إدارة الأعمال من جامعة أيوا.

اختير الدكتور أحمد فؤاد شريف ليشغل منصب رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في أثناء وزارة الدكتور عبد العزيز حجازي (فبراير 1975)، ثم عين بعد ذلك مستشارا لرئيس الوزراء للتنمية الإدارية

كان الدكتور أحمد فؤاد شريف قد في منتصف العشرينات من القرن العشرين، وفي رواية تاريخ ميلاده كما هو الشائع في مواليد ذلك الجيل ثلاثة اقوال 1925 و1927 و1928 ومن العجيب أن أحد المصادر أورد تاريخا مختلفاً في بداية الحديث عنه ثم عدل عنه إلى تاريخ آخر بعد فقرتين، وعلى كل الأحوال فإنه ولد في عصر الملك أحمد فؤاد وأنه سمي باسمه، ولم يكن هو وحده من وزراء عهد السادات الذي سمي باسم الملك فؤاد فإن الدكتور أحمد فؤاد محيي الدين ١٩٢٦ـ١٩٨٤ القريب منه في السن سُمي كذلك باسم الملك، لكن قائد الفرقة الماسية الموسيقار أحمد فؤاد حسن أشهر من الوزيرين بالطبع.

توليه الوزارة

اختير الدكتور أحمد فؤاد شريف ليشغل منصب رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في أثناء وزارة الدكتور عبد العزيز حجازي (فبراير 1975)، ثم عين بعد ذلك مستشارا لرئيس الوزراء للتنمية الإدارية في عهد وزارة ممدوح سالم الأولي. وعند تشكيل وزارة ممدوح سالم الثانية (مارس 1976) دخل فؤاد شريف الوزارة وزيرا لشئون مجلس الوزراء والتنمية الإدارية والمتابعة والرقابة.

 

وهكذا وبوجهة نظر تستعرض السياق التاريخي فقد كان الدكتور أحمد فؤاد شريف من أعلام الأساتذة الذين لجأ إليهم ممدوح سالم ليرفع من المستوى الفني لوزاراته التي أعقبت وزارة الدكتور عبد العزيز حجازي، وكان قد بدأ في وزارته الأولى بعميدي الاقتصاد وأبو التخطيط، وهكذا فإن الدكتور أحمد فؤاد شريف دخل وزارة ممدوح سالم الثانية (مارس 1976) وليس الأولى (أبريل 1975) التي كان وزير التخطيط فيها هو الدكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن أبو التخطيط في مصر والذي عمل معه الدكتور أحمد فؤاد شريف، ومن الانصاف ان نكرر هنا ما ذكرناه منذ قليل من ان فؤاد شريف كان قد اقترب من مواقع الوزارة منذ عهد الدكتور عبد العزيز حجازي الذي أسند إليه مسئولية متقدمة.

 

ومن الإنصاف للدكتور أحمد فؤاد شريف أيضا أن اشير إلى أن الدكتور عبد العزيز حجازي تحدث عنه بانبهار صادق وتقدير عميق حين سألته عنه، وفي هذا دليل على مدى مكانة أحمد فؤاد شريف الحقيقية في الحياة العلمية العامة.

شهرته الجامعية المبكرة

كان من المعروف أن ممدوح سالم عرف قدر فؤاد شريف حين كانا لا يزالان في الإسكندرية في شبابهما، فقد كان ممدوح سالم ضابط الأمن السياسي حريصا على ان يعرف جيداً كل الأساتذة الناجحين في جامعة الإسكندرية الذين يلتف حولهم الطلاب، وقد كان أحمد فؤاد شريف من أبرز هؤلاء بل ربما كان هو وزميله الدكتور عبد العزيز الشربيني أبرز هؤلاء في كلية التجارة، وقد عادا من بعثتهما في 1953 واستقطبا الطلاب والنابهين حولهما، ووصل الأمر بحماسة أحمد فؤاد شريف وسحره انه هو الذي استطاع أن ينشئ قسم الإدارة في تجارة الإسكندرية حين لم يكن هناك قسم للإدارة بعد في هذه الكلية، وكانت الكلية لا تزال من شعبتين هما شعبة المحاسبة وشعبة الاقتصاد والعلوم السياسية، واستطاع أحمد فؤاد شريف بدأب وهمة عالية أن ينشئ القسم الجديد وأن يستقطب عدداً من الطلاب يزيد قليلاً عن العشرة ليكونوا في سنتهم الرابعة في تخصص الإدارة وليتخرجوا في 1956 ليكون منهم أوائل الخريجين في قسم الإدارة في كلية التجارة جامعة الإسكندرية.

انتقل الدكتور أحمد فؤاد شريف بوظيفته الجامعية من تجارة الاسكندرية إلى تجارة القاهرة، كما أنه أصبح مسئولا عن معهد الإدارة العليا التابع للمؤسسة الاقتصادية في (1957) والذي تطور بعد ذلك إلى المعهد القومي للإدارة العليا (1961)

دوره في تطوير نظرة المجتمع المصري إلى دراسة الإدارة

لابد أن أقف هنا لشئ من الاستطراد أروي فيه أنه بعد ما يقرب من هذه الواقعة بثلاثة عقود واجهنا في جامعة الزقازيق قصة طريفة كان بطلها الأكبر هو الدكتور حنفي سليمان عميد كلية تجارة الزقازيق وهو أحد تلامذة الدكتور أحمد فؤاد شريف في بكالوريوس التجارة شعبة الإدارة في الإسكندرية عام 1956 إذ أراد هذا الأستاذ العظيم أن يقود بعض أبنائه الطلاب إلى دخول شعبة الإدارة بدلا من التكالب أو الازدحام الروتيني المعهود على شعبة المحاسبة، وبالطبع فإن مجتمعاتنا التقليدية في منتصف الثمانينات كانت تكرر نفس المقولات التي كانت تتكرر في منتصف الخمسينات من قبيل ان المحاسب يصلح في أي مكان حتى لو في محل لعصير قصب أو محل للأقمشة أما خريج الإدارة فبماذا يُسمّى عند تخرجه اذا لم يكن محاسبا ؟ هل سيُسمّى مدير؟ أي أن يتخرج من البكالوريوس مديراً.. وهكذا وهكذا، وقد كان من واجبي في تلك الفترة بحكم بنوتي وتلمذتي لأستاذي الدكتور محمد عبد اللطيف رئيس الجامعة أن أتولى تصحيح هذه المفاهيم لا للطلاب وإنما للصحافة والبرلمانيين ووجهاء المدينة والاقليم الذين لا يطالبون بحق الطلاب في الاختيار فحسب ولكن بحقهم في القضاء على وجود قسم الإدارة نفسه.

 

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر فإن معاناة أخرى موازية وشبيهة فرضت نفسها في ذلك الوقت، ذلك ان بعض المتفلسفين من الأساتذة كتبوا في ذلك الوقت في الصحف يطالبون بتغيير اسم كليات التجارة إلى كليات المحاسبة فلا معنى للتجارة، وأذكر ما أسعدني الله به من الحظ يومها من أن أوضحه لهم وهو أن التجارة في اسم الكلية لا تعني ما يظنونه عن حسابات مرتبطة بعملية البيع والشراء وإنما هي كلمة واسعة الدلالة على التعاملات والمعاملات سواء الخاصة بين الناس وبعضهم البعض أو بينهم وبين الحكومة، ومن هذا المنطلق فإن علم السياسة نفسه هو أحد علوم التجارة وشعبة السياسة التي تخرج فيها إسماعيل فهمي واشرف غربال وغيرهما من أعلام الدبلوماسية هي قسم من كلية التجارة من قبل أن تنشأ كلية الاقتصاد والعلوم والسياسة.

 

ومن الإنصاف أن أذكر أن الشيخ الباقوري والشيخ البهي ومن حولهما من الأزهريين النبهاء كانوا من الذكاء الفطري والفقهي واللغوي بحيث اكتشفوا كلمة "المعاملات" لتكون بديلا موازيا لكلمة التجارة في تسميتهم لكلية التجارة حين نشأت في رحاب الجامعة الازهرية.. أما مفهوم المحاسبة الضيق الذي استعمله الكتاب في الصحف فأمر لا علاقة له بالعلم من قريب ولا من بعيد .

بداية اهتمام الدولة المصرية بعلوم الإدارة

قد يبدو ما كتبته في الفقرتين السابقتين استطراداً لكنه في حقيقة الامر قريب من جوهر الحديث التاريخي عن دور أحمد فؤاد شريف في الحكومة المصرية قبل دخوله الوزارة، ففي 1956 بدأت الحكومة المصرية نوعا من أنواع التمصير تجاه الشركات والكيانات الاقتصادية التي كانت مملوكة للدولتين الكبيرتين اللتين اعتديتا مع إسرائيل على مصر في 1956 وهما بريطانيا وفرنسا.. ولما اتضح أن إدارة هذه الشركات الكبيرة التي تم تمصيرها بالموازاة لتأميم قناة السويس هو شأن أصعب من أن تتم معالجته بالمسكنات الوقتية فقد تم إنشاء مؤسسة سميت بالمؤسسة الاقتصادية، وهي بلغة عصرنا الحالي أشبه ما تكون بشركة قابضة تملك الشركات والمحافظ المالية والحصص وتتصرف في إدارة هذه الشركات واستماراتها، ولم يكن صعبا ان تمضي المؤسسة الاقتصادية في الاتجاه العلمي الصحيح (في نفس الوقت الذي تمضي فيه مع الاتجاه الشمولي بحكم سيطرة العسكريين على مقاليد الأمور) وهكذا بدأت هذه المؤسسة في الاستعانة بالفنيين والتكنوقراطيين القدامى والشباب على حد سواء وهكذا بدأ الوزراء الشبان من أمثال سيد مرعي ومصطفى خليل وعزيز صدقي وعبد المنعم القيسوني يرشحون لهذه المؤسسة شبانا واعدين من أساتذة الجامعة القريبين منهم في السن، وهكذا نشا اهتمام بالتخطيط من خلال رجل منظم بطبعه هو عبد اللطيف البغدادي، كما نشأت هيئة مثل هيئة السنوات الخمس للصناعة.. كما تطور العمل في مجلس الإنتاج الذي كان قد تأسس على يد جمال سالم في بداية الثورة إلى شعب موازية للوزارات التنفيذية.

 

وهكذا فان من التاريخ غير المكتوب أن دراسة الإدارة العليا والعامة نشأت في رحاب المؤسسة الاقتصادية قبل أن تستقل هذه الدراسات الاكاديمية بذاتها، وصحيح أنها نشأت بأعضاء هيئة تدريس من الجامعة في مقدمتهم أحمد فؤاد شريف نفسه لكنها نشأت في ظل "المؤسسة الاقتصادية" ككيان بيروقراطي كبير وضخم ومسئول، وكان على رأس المسئولية العملية عن هذه المؤسسة نجوم من قادة ١٩٥٢ من طبقة عبد اللطيف البغدادي وزكريا محي الدين وحسن إبراهيم ومحمد صدقي سليمان.. وفي هذه الفترة بدأ اسهام الدكتور أحمد فؤاد شريف في لجنة التخطيط، وسمي مستشارا للمؤسسة الاقتصادية.

 

بالمواكبة لهذا انتقل الدكتور أحمد فؤاد شريف بوظيفته الجامعية من تجارة الاسكندرية إلى تجارة القاهرة، كما أنه أصبح مسئولا عن معهد الإدارة العليا التابع للمؤسسة الاقتصادية في (1957) والذي تطور بعد ذلك إلى المعهد القومي للإدارة العليا (1961) وأصبح هو أول رئيس لمجلس إدارته (أكتوبر 1961)، ولعب دورا مهما في هذا المعهد، ومثل مصر من خلال منصبه هذا في عدد من مؤتمرات الإدارة الدولية، فرأس الوفد المصري في مؤتمرات السلطات المحلية ببلجراد (يونيو 1965)، وفي مؤتمر الإدارة الإفريقي بزامبيا (1965). وعلى يديه خرج المعهد تماما من تبعية المؤسسة الاقتصادية إلى تبعية الدولة نفسها وليتطور بعد هذا حتى أصبح اكاديمية السادات للعلوم الإدارية.

 

وأذكر أني كنت على الدوام من المطالبين بإنتقال أكاديمية السادات من وزارة التنمية الإدراية لتكون عضوا مكتمل العضوية في المجلس الأعلى للجامعات، وقد حققت ثورة يناير 2011 بعض هذه الأمنية في شهورها الأولى، وإن كنت لا أدري سبب ما حدث لهذه الفكرة بعد ذلك من انتكاس في ظل الرغبة في وجود الإدارة بعيداً عن العلم ومجتمعه، لكنني أستطيع أن أشير إلى أن كلية الاقتصاد نفسها أسست قسما مستقلاً للإدارة العامة لم يكن موجوداً من قبل كما أن دراسة العلوم الادارية بدأت تخطو خطوات واضحة المعالم لم يكن من السهل فيما قبل عصر المعلومات أن يتم السماح لها بالإنطلاق.

ريادته الفكرية والنظرية

في جميع الأحوال فإن أحمد فؤاد شريف لا يزال هو رائد علوم الإدارة الحديثة التي تخرج بالإدارة من نطاق تنفيذ القانون إلى نطاق تنفيذ الأهداف ومن نطاق الالتزام بالتعليمات إلى نطاق تلبية الطموحات وهما توَجُّهان يظن كثيرون انهما يصلحان في إدارة الأعمال بأكثر مما يصلحان للإدارة العامة بيد أنني كثيرا ما عبرت عن أني أعتقد أن العكس هو الصحيح وهو الواجب، فإن إدارة الأعمال احوج إلى الالتزام باللوائح من الإدارة العامة والعكس صحيح إذا أردنا تنمية حقيقية أو ممكنة على حد تعبيري .

 

على أن هذه الثنائية الفكرية سرعان ما ظهرت في الحياة المصرية بصورة قاسية وإن لم يتمكن احد من التعبير عنها بدقة واضحة على نحو ما نفعل اليوم ذلك أن وجود أحمد فؤاد شريف والتقديم القوي الذي حظي به لنفسه ولرؤيته في المجتمع المصري طيلة الشهور القليلة التي قضاها في الوزارة كان كفيلاً بأن يضيف إلى سمات عهد الرئيس أنور السادات وفلسفته تعبيراً مصطلحياً جميلا كان جوهره موجوداً بالفعل في ممارسات السادات، وهو تعبير الإدارة بالأهداف، وهكذا ارتقى هذا التعبير ليضيف إلى تعبيرات جديدة واضحة كانت تعبر عن طبيعة هذا العهد من قبيل: العلم والإيمان، دولة المؤسسات، الانفتاح الاقتصادي، الثورة الخضراء، الإدارة بالأحداث، الأمن الغذائي بل كان هذا التعبير الرشيق نفسه هاديا لكل الكتابات التي أيدت الرئيس السادات في مساعيه الضخمة نحو السلام بما فيها المبادرة نفسها التي لم تكن إلا تطبيقا متقدماً وعبقريا من أنواع الإدارة بالأهداف.

 

في مقابل هذا، فقد كان على الدولة أن تظل على ارتباط بأساتذة الإدارة على نحو أو آخر، وهكذا بقي الارتباط يتمثل ويتأرجح وفي ظله وصل أستاذ من أساتذة الإدارة إلى منصب الوزير ليكون بمثابة خلف للدكتور أحمد فؤاد شريف وهو الدكتور على عبد المجيد عبده لكن الدولة سرعان ما تخلّت عن إختياره تحت دعوى أنه من الإخوان المسلمين، كما برز اسم الصديق الكريم الدكتور على السلمي، وهو من التلامذة الأوائل للدكتور أحمد فؤاد شريف ليكون وزيرا للدولة (مع الإشارة خارج قرار التشكيل الى مسئوليته عن التطوير الإداري) ثم وزيرا للتنمية الإدارية ثم وزيرا للمتابعة والرقابة لكنه فقد منصبه الوزاري ذات لحظة مفاجئىة أو مغاضبة في عهد مصطفى خليل وخرج من الوزارة وحده.

 

وبالموازة لهذا فقد تعاقب من الذين عملوا في المسئولية عن التخطيط كل من الدكتور محمد محمود الامام والدكتور القيسوني نفسه والدكتور عبد الرزاق عبد المجيد وذلك قبل أن تتاح الفرصة للجنزوري ليأتي على منصب الوزارة (في يناير 198٢) عقب قدوم الرئيس حسني مبارك للرئاسة في أكتوبر 1981. وفيما بعد سنوات قليلة (في أغسطس ١٩٨٤) جاء أستاذ آخر من أساتذة الإدارة وهو الدكتور عاطف عبيد في أغسطس 1984 ليكون وزيراً لشئون مجلس الوزراء وبقي في الوزارة حتى أصبح رئيسا لها، لكنه بحكم نشاطه الواسع وتخصصه في التسويق لم يكن من الذين قدمتهم أعمالهم العلمية او التطبيقية إلى مجال الإدارة العامة أو التنمية الإدراية.

التراجع الذي أصاب الاهتمام الحكومي بالإدارة

مع بداية عهد الرئيس مبارك كانت الدولة على مستوى رئاسة الوزراء تخلط عن حسن نية بين التخطيط والتنمية الإدارية وتظنهما أخوين بينما هي في حقيقة الأمر وبالظروف المصرية في التطبيق نقيضان او اقرب إلى النقيضين على نحو ما سنرى من تطور الأمر بعد ذلك، وكان وجود الدكتور كمال الجنزوري بنصوصيته وحَرفيته (أي بتركيزه على النص بحروفه) بمثابة أكبر ضربة وجهت لعلوم الإدارة الحديثة بمصر، فقد كان الرجل واعيا لحدود دوره(كما تصوره هو نفسه) في أن يرفض ما لم يرد في الخطة، وأن يجتهد في الا يضع شيئا جديداً في أيه خطة جديدة مكتفيا بما استوعبه هو نفسه فيما استقر من الماضي، كان الجنزوري ينظر إلى وظيفته كصمام يمنع انفلات رئيس الوزراء والوزراء المقربين منه في أن يدخلوا في مشروع لم يتم إدراجه في الخطة أو يطالبوا بتمويل أي تطوير لبم تنص عليه الخطة،

 

وهكذا عاش عصر مبارك منذ 1982 وحتى ترك الجنزوري الوزارة في 2004 في ظل "العلو" أو التعالي الذي يمارسه التخطيط تجاه التنمية الإدارية حتى تلاشى الحديث عن أيه قيمة للتنمية الإدارية، اكتفاء بأنها وزارة دولة تشرف على أكاديمية السادات وعلى الجهاز المركزي للتنظيم الإداري ووزيرها نفسه مشغول بمهمته الأولى كوزير لشئون مجلس الوزراء، ووظيفته الثانية كوزير للدولة للبيئة فلما أصبح الدكتور عبيد وزيراً لقطاع الأعمال العام وخصصت وزيرة للبيئة تضاءل الوقت المتاح للتنمية الإدارية عند هذا الوزير الذي هو أستاذ للتسويق ولإدارة الأعمال .

 

ثم جاء عصر الدكتور أحمد نظيف ليكون بمثابة كارثة على علوم الإدارة في مصر إذا ما قورن بوجود الجنزوري الذي كان بمثابة ضربة فحسب، وحتى يمكن تصوير الأمور بوضوح فإنني سأكتفي بأن اذكر أن مشكلة حدثت في إحدى المؤسسات الأكاديمية، فذهب رئيسها السابق وهو أستاذ في علوم الإدارة ليتحدث مع وزير الدولة للتنمية الإدارية في وزارة الدكتور نظيف في شأن هذه المشكلة التي أوجدها الوزير نفسه بقصر نظره وقلة علمه بالإدارة وفهمه للتنظيم، وأذكر أني قابلت هذا الأستاذ الرئيس السابق بعد لقائه الوزير وجها لوجه، فما كان من هذا الأستاذ الذي عُرف بالتهذيب الشديد في لفظه وتعليقاته إلا أن قال لي بكل وضوح إنه كره نفسه كمصري بسبب هذا اللقاء مع هذا الوزير.. والحق أن هذا الأستاذ لم يكن مبالغا فقد كان تعامل الدكتور نظيف والوزراء المقربين منه مع الإدارة وعلومها كارثيا إلى أبعد الحدود، بل كان من الأسباب المهمة في حدوث ما سبق ثورة يناير من تمردات واسعة، وان كان هذا لا ينفي ما قد يكون لديهم من حسن النية، ذلك أن الرئيس مبارك بخبرته الطويلة كان قد اصبح غائبا عن الصورة ولم يكن كبار المتنفذين في لجنة السياسات على عناية بمناقشة أي مشكلة من هذا الطراز المتعلق بالبنيان الهيكلي للدولة في ظل انشغالهم بأهداف أخرى أكثر استهلاكا للوقت والجهد.

 

وباختصار شديد فقد اصبح التوجه الذي قاده أحمد فؤاد شريف لبعض الوقت بمثابة جزء من التاريخ اوأصبح بعبارة أخرى بمثابة بارقة في نظام يميل أكثرإلى السيطرة من خلال التخطيط المركزي سواء تولاه زراعيون اتموا دراسته في الاقتصاد الزراعي .. من طراز الجنزوري أو ظافر البشري ومن قبلهما رائدهما الدكتور سيد جاب الله سيد أو موظفون من قبيل موريس مكرم الله أو أساتذة اقتصاد من السيدات الفضليات في كلية الاقتصاد اللائي وجدن أن جو التخطيط الهادئ يناسبهن بأكثر من اشتعال القضايا في ميداني المالية والاقتصاد. أما علوم الإدارة وتجديداتها وتحديثها فقد ظن المصريون الرسميون من قبيل الدكتور نظيف وأمثاله من المهندسين انها عملية مرتبطة ببرامج الكمبيوتر وما تعرضه من خلال برامج حاسوبية مثل برنامج الباوربوينت وتمثيله للكميات على هيئة أعمدة او قطاعات من دائرة.

عمله في المجال الدولي وتكريمه

أعير الدكتور أحمد فؤاد شريف (ديسمبر 1967) للأمم المتحدة مستشارا لمجلس المعونات الفنية حيث رأس وحدة الإدارة العامة وأسهم مع المنظمة الدولية في تطوير الهياكل الإدارية في أكثر من عشرين دولة نامية، وفي هذه الأثناء شارك في تأسيس الاتحاد الإفريقي للإدارة العامة، نال الدكتور أحمد فؤاد شريف كثيرا من التكريم والتقدير الدولي وكان أول عربي يختار عضوا في الأكاديمية الدولية للعلوم الإدارية (يونيو 1966).

وفاته

توفي الدكتور أحمد فؤاد شريف في ٦ أغسطس ١٩٧٦ وكانت زوجه سيدة وفية حريصة على إحياء ذكراه، وقد رزقه الله ابنا نابغا واصل نجاحاته هو الدكتور خالد فؤاد شريف.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة