انعدام ثقة اللبنانيين بدولتهم يعمّق معاناتهم

حالما انتشر خبر يتعلق بأزمة السيولة في المصارف اللبنانية قبل أشهر، حتى تهافت اللبنانيون على مصارفهم مطالبين بسحب ودائعهم التي لم يكونوا يطالبون بها في السابق، بل كانوا ينعمون بعوائد فوائدها. النتيجة الطبيعية كانت عجز المصارف عن تلبية جميع المودعين في وقت واحد، وهذا لم يكن عائداً لضعف مؤونة المصارف فقط، بل لأن أي مصرف في العالم سيعلن إفلاسه إذا طلب جميع المودعين أموالهم.

 

أشيع أن سعر صرف الليرة اللبنانية سيتراجع، فتسابق اللبنانيون على محلات الصرافة لتحويل كل ما يملكون من الليرة إلى الدولار الأميركي، وكانت نتيجة ذلك زيادة طلب غبر مسبوقة على الدولار مقابل تراجع عرضه وندرته في السوق، وهذا أدى بشكل تلقائي لارتفاع جنوني بسعر صرف الدولار، وهو ما تفاجأ به اللبنانيون رغم أن سلوكهم في التهافت عليه عامل رئيسي فيما وصل إليه.

 

كل بضعة أيام تنتشر بين اللبنانيين خبريات وإشاعات حول فقدان سلعة معينة، تارة فقدان الأدوية، فيتشاطر اللبنانيون ويتوجهون إلى الصيدليات لشراء كميات مضاعفة من الأدوية التي يحتاجونها، وتكون النتيجة هي فقدان الأدوية من الصيدليات، ويتحوّل نفاد الدواء إلى أزمة جديدة تضاف لأزمات اللبنانيين. الأمر نفسه يسري على الخبز والبنزين والمازوت والكثير من السلع الأخرى، كلها أزمات يساهم اللبنانيون في صناعتها وتحويلها من مشكلة صغيرة يمكن معالجتها إلى كارثة يستحيل تجنبها. لكن السؤال: هلا يُلام اللبنانيون على ردات فعلهم؟

 لا يُلام اللبنانيون لسبب جوهري، وهو أن ثقتهم بالسلطة التي تحكمهم معدومة، فلم يعودوا يصدقون شيئاً مما يقولون ويفعلون. بل إن شريحة واسعة من اللبنانيين تؤمن بأن السلطة نفسها بفسادها وسرقاتها هي السبب فيما وصل إليه الوضع

فما يقوم به اللبنانيون عقب كل إشاعة أو خبرية هي ردة فعل فطرية وتلقائية لتقليل الخسائر التي يمكن أن تصيبهم في حال كانت الخبرية أو الإشاعة صحيحة. فلا لوم على اللبنانيين إذا تهافتوا على المصارف لسحب جنى أعمارهم بعدما بدأت المصارف بالامتناع عن دفع أموال المودعين، ولا لوم على المواطن البسيط الذي يسارع لشراء 10 ربطات خبز يخزنها في ثلاجة منزله، بعدما سمع من جاره أو من رسالة وصلته على الواتساب أن الطحين يمكن أن ينفد من السوق، ولا يلام اللبنانيون إذا لجأوا للمتاجرة ببيع وشراء الدولار والمضاربة به في السوق لتحصيل بضعة دراهم رغم تسبب هذا الفعل بمزيد من تعميق الأزمة ومزيد من الانهيار النقدي والمالي.

 

لا يُلام اللبنانيون لسبب جوهري، وهو أن ثقتهم بالسلطة التي تحكمهم معدومة، فلم يعودوا يصدقون شيئاً مما يقولون ويفعلون. بل إن شريحة واسعة من اللبنانيين تؤمن بأن السلطة نفسها بفسادها وسرقاتها هي السبب فيما وصل إليه الوضع من انهيار. فكيف يمكن أن نتوقع من اللبنانيين أن يمتنعوا عن المضاربة بالدولار وقد أطل عليهم رأس السلطة التشريعية وأحد أركان السلطة يعدهم بأن سعر صرف الدولار سيستقر وسيعود إلى مستويات منطقية، وأن الأجهزة الأمنية ستعمل على ضبط السوق السوداء وتوقيف الصرافين المخالفين، بالتزامن مع تحليق سعر صرف الدولار لمستويات خيالية، وازدهار السوق السوداء في ظل عجز الدولة عن القيام بأي فعل رادع.

 

كيف ننتظر ألا يتهافت اللبنانيون على المصارف لاسترداد ودائعهم وهم يسمعون السلطة وهي تطمئنهم بأن المساس بودائعهم خط أحمر، وأن جنى أعمارهم محفوظ ولن يمس، ثم بعد ذلك يكتشفون أن الاستيلاء على جزء من ودائعهم أمر لا مفر منه للخروج من الأزمة.

 

جزء مقدّر من الأزمات الكثيرة التي تعصف باللبنانيين، هم أنفسهم ساهموا بها وعملوا على تعميقها، لكن ليس لأحد لومهم، بعدما كفروا بسلطة تتحكم برقابهم ولم تعد لهم ثقة بكل ما تقوله وتفعله.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة