الرئيس التونسي وأم شكيب لجلب الحبيب.. من يحكم تونس اليوم؟

في بداية أغنية لإحدى المطربات التونسيات يجتمع جماعة من النسوة أمام مكتب في الهواء الطلق تجلس عليه امرأة شمطاء لا تمت بصلة للجمال لا من قريب ولا من بعيد وكتب على صفحة بيضاء فوق المكتب الذي تجلس عليه بسواد القلم: أم شكيب لجلب الحبيب، هناك أمام هذا المكتب الغريب والمرأة الأغرب تصطف جماعة نسوية شابة في انتظار ما تجود عليهن أم شكيب من طمأنينة القدر حول الفارس المنتظر في الحلم الغابر الذي لم يحلمن به أبدا، فأم شكيب تفتح باب الحلم لهن علّ القدر يبتسم ويغير الحال نحو تحقيق الآمال في السعادة المنشودة.

 

وفي أكتوبر 2019 أثناء الانتخابات التونسية اجتمع الشباب التونسي فتيان وفتيات حول الأستاذ قيس سعيد حالمين بتغيير أفضل لواقع تونس بتحريرها من الفساد والتبعية وتحقيق الاستقلال الحقيقي أخيرا. لقد كان للمناظرة الأخيرة دورا حاسما في النتيجة التي تحققت خاصة مع انحصار التنافس بينه وبين ممثل الدولة العميقة، الذي يمثل رمزا لكل ما يريد شباب تونس تحرير بلده منه: الفساد والتبعية. وكان لموقف الرئيس من القضية الفلسطينية دورا حاسما لمزيد الالتفاف حول المرشح قيس سعيد. لقد كانت أحلام الشباب في دولة قوية وعادلة وخالية من الفساد والتبعية تُحقق المساواة بين جميع مواطنيها وتضمن الكرامة والحرية والشغل هو الدافع الأكبر أمام الإقبال على صناديق الاقتراع وحصول المرشح قيس سعيد على تلك النسبة المرتفعة من الأصوات، فالأستاذ قيس سعيد فتح باب الحلم لشعب تونس في قيام دولة عادلة وقوية وذات سيادة.

 

إن المشترك بين أم شكيب والرئيس قيس سعيد هو الوعد بتحقيق الحلم لشباب على عتبة باب المستقبل، لكن الحقيقة أن تلك الأحلام بقيت مجرد أحلام ولم تتحول الشعارات إلى فعل حقيقي في الواقع. بل تحول الرئيس إلى الجانب الأخر من وُعوده. فزيارة فرنسا كشفت أن الحديث عن الاستقلالية والسيادة والتحرر من التبعية مجرد كلمات جوفاء قيلت في حملة انتخابية تشبه الوعود فيها الوعود التي يطلقها الخطيب لخطيبته في فترة الخطبة والتي يمحوها الزواج. لقد صدم شباب تونس بإنكار الرئيس لاستعمار فرنسا لتونس بل ذهب به الأمر لمدح التبعية الثقافية لتونس وكأن تونس لم تشهد الحضارة والتمدن إلا مع الغزو الفرنسي لها ضاربا بعرض الحائط آلاف السنوات من البناء الحضاري متناسيّا (إرضاء لرئيس فرنسا) أنه حين كانت هناك مدينة قرطاج لم يخرج الفرنسيين بعد من سكن الكهوف.

 

لقد خيب الرئيس كل آمال الشباب والشعب التونسي في هذه الزيارة التي كشفت أنه ليس فقط يفتقد للخبرة الكافية لإدارة الدولة، ولكن يفتقد لمستشارين حكماء تهمهم مصلحة تونس وليس مصلحة فرنسا. وكشفت أيضا أن الرئيس لم يتحرر بعد من جبة المدرس المساعد في الجامعة التونسية. فالموقف من القضية الليبية كان موقف أستاذ مساعد للقانون الدستوري وليس موقف رئيس دولة مسؤول عن مصالح بلده. فلقد قدم فتوى مجانية للرئيس الفرنسي الذي أعد جيدا لهذه الزيارة عكس ضيفه الذي غلب على فعله وقوله الارتجال. زيارة فرنسا حققت فيها فرنسا ما تريد ولم يحقق فيها الشعب التونسي ما يريد وقدم فيها الرئيس هدايا مجانية كثيرة للدولة الإمبريالية التي لا تزال تتعامل مع تونس بنفس منطق القوة الاستعمارية ولا يزال سفيرها يعتبر نفسه مقيما عاما: يمثل سلطة عليا فوق كل سلط الدولة التونسية.

لقد تحدث الرئيس عن مؤامرة خارجية على تونس في زيارته تلك. وتحدث بحضور الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل عن مؤامرة داخلية قائلا لدى استقباله له يوم الأربعاء غرّة جويلية 2020 حرفيّا ما يلي: "الجبان لأنّه لا يقدر على مقارعة الحجّة بالحجّة.. ولا الفكرة بالفكرة.. ونحن مشروع شهادة.. وفداء لهذا الوطن.. لن تخيفنا لا تهديدات.. ولا يخيفنا الموت.. نحن شعب يسعى إلى الكرامة.. وسيحقّقها بالرغم من مناورات كلّ الأعداء.. بالرّغم من كلّ المؤامرات.. وستبقى الدولة التونسيّة قائمة بالرغم من محاولات تفجيرها من الداخل..".

 

إنها كلمات تعيدنا إلى الخطاب الذي كانت تعتمده الأنظمة الاستبدادية في عالمنا العربي، التي تعطل كل مصالح الأمة في التقدم والازدهار والحرية والكرامة بدعوى حماية المجتمع من أعداء الداخل والخارج. أعداء لا يوجدون إلا في أذهان أصحابها فقط أو أذهان مستشاريهم وندمانهم الذين يستخدمون السلطة المتاحة للتخلص من منافسيهم السياسيين باسم حماية الدولة والشعب من الأعداء. لقد كرس مثل هذا الخطاب الهلامي منطق الطغيان الذي جثم على صدر الأمة لعقود ولا يزال يحاول الاستمرار في ذلك من خلال الثورة المضادة والأنظمة العسكرية الانقلابية.

 

فلم يدرك الرئيس بعد أن تونس تعيش في ظل نظام ديمقراطي تتنوع فيه الآراء والأفكار والاتجاهات والرؤي، وتتعدد فيه الايديولوجيات تحت غطاء الدستور الذي يغطي الجميع وأن الرئيس مسؤول عن حمايته خدمة للشعب الذي يريد الحرية والكرامة لا العودة للاستبداد تحت مظلة الشعب يريد. لم يعد من الحكمة اليوم في ظل تونس الجديدة الحديث عن الرئيس الملهم وصاحب الرأي السديد والرشيد الوحيد.

 

لقد كانت زيارة الرئيس لفرنسا نقطة فارقة غيرت نظرة الكثيرين نحوه ونحو رؤيته لمستقبل تونس بل أصبح الكثير يخشون من تغيير النظام السياسي لاعتقادهم أن الرئيس هو مشروع ديكتاتور فلا يجب وضع كل السلط بين يديه والعودة للتجربة القاسية للنظام الرئاسي، لقد خيب الرئيس الآمال بدعمه المطلق للموقف الفرنسي ومن خلفه لموقف دول محور الشر العربي. وهو بذلك يناقض السياسة الخارجية التونسية التي تأسست على عدم الانحياز وتجنب المحاور والبقاء على نفس المسافة من الجميع خدمة للسلم العالمي. وناقض نفسه حين وضع يده عبر فرنسا مع دول عربية مطبعة مع الصهيونية وهو الذي اعتبر التطبيع خيانة واعتبر تونس في حرب مع إسرائيل.

الشعب التونسي لا تعنيه الحروب الدينكاشوتية للرئيس ومستشاريه وعائلته وأصدقائه مع من يخالفهم الرأي والرؤية ذات الدافع الإيديولوجي بل ما يهمه هو مدى قدرة الرئيس على جمع الكل حول طاولة واحدة والخروج بتثمل موحد مشترك لمستقبل تونس

إن الرئاسة التونسية عوض التركيز على القضايا الأساسية المهمة للشعب التونسي مثل قضية محاربة الفساد التي طالت اليوم رئاسة الحكومة وتهدد كل مشروع مقاومة الفساد الذي قامت عليه. والاهتمام بقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإصلاح المنظومة التربوية وتعديل القانون الانتخابي (القانون الذي يمثل السبب الرئيسي للأزمة السياسية وليس الدستور كما يحاول بعض فقهاء الدستور الادعاء بذلك لغاية إعادة النظام الرئاسي الذي كانوا يتمعشون منه) وإصلاح المنظومة الجبائية والتقليص من نسب الفقر ورقمنة الإدارة والمعاملات التجارية والدخول في سوق التجارة الالكترونية الذي سيصبح قريبا يمثل أكثر من 97 بالمائة من التجارة العالمية.

 

عوض كل هذا لا يزال الرئيس يتمسك بخطاب خشبي متقادم خارج العصر عن المؤامرات الخارجية والداخلية والأعداء الوهميين ويضيع وقت الشعب في مهاترات سياسية وقانونية نخبوية لن تفيده في شيء. فهو لم يدرك لحد اللحظة أنه بصفته تلك مطالب بجمع الجميع حول طاولة واحدة لبناء رؤية مشتركة حول مستقبل تونس والانطلاق في ورشة كبرى للإصلاح لتحقيق ما يريده الشعب حقا.

 

إن الشعب التونسي لا تعنيه الحروب الدينكاشوتية للرئيس ومستشاريه وعائلته وأصدقائه مع من يخالفهم الرأي والرؤية ذات الدافع الإيديولوجي بل ما يهمه هو مدى قدرة الرئيس على جمع الكل حول طاولة واحدة والخروج بتثمل موحد مشترك لمستقبل تونس يعيد الاقتصاد لسكة التقدم والازدهار ويحقق حلم الشعب في الرفاه.

 

أحيانا يطرح الشعب التونسي سؤال مهم: من يحكم تونس اليوم؟ وهو سؤال مشروع حين نجد أن الكثير من قرارات من يحكمون في تونس اليوم تقرر في غرف مغلقة لبعض السفارات ومكاتب الشركات الكبرى والمنظمات والجمعيات بل أحيانا في المكاتب الشخصية لأشخاص نافذين وعائلات أقوى من الدولة حتى أصبحت كل المؤسسات خادمة لها، حين نجيب عن هذا السؤال وحين يحاط الرئيس برجال في قيمة المفكر هشام جعيط حينها فقط يمكن أن نحلم بمستقبل أفضل لتونس. غير ذلك سيبقى دون كيشوط يحارب طواحين الريح ويبقى الشعب ينتظر من يحقق إرادته حقا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة