معنى أن تكون وحيدا

قد يكتب التاريخ أنّ هذه الأعوام التي نعيشها حالياً هي أعوام التقدم والذكاء الاصطناعي، أعوام السهولة واليسر والسرعة التي بكبسة زر تستطيع رؤية العالم وأنت جالس في مكانك، أعوام مليئة بالإنجازات البشرية التي استطاع الإنسان خلالها الوصولَ إلى كل ما لا يمكن الوصول إليه، ولكن لن يدري جيل المستقبل ولن يقرؤوا بين السطور أنّ هذه الأعوام كانت الأقسى على النفس البشرية، لن يعرفوا أنّ الإنسان قد عمل على تحسين كل شيء ولكنه بقي عاجزاً عن تحسين علاقاته مع بني جنسه وكان عاجزاً عن إصلاح نفسه.

 

سيقرؤون أنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ تنوعت وكثُرَت، وأنّه كان منها المكتوب والمرئيّ والمسموع، وأن العالم قد غدا قرية صغيرة كما اعتدنا أن نقرأ، ولكنّهم لن يعلموا تحديداً بما تشعره أنت حالياً أو بما قد أحدثه هذا التطور بالبشر، وربما أنت نفسك لا تشعر حالياً لأنك قد تعودت على هذا التباعد وأصبح روتيناً لنا جميعاً نستهجنه إذا تغير ولا ندري ما الذي يحدثه في قلوبنا. فما معنى أن تكون وحيداً في هذا العالم الذي يزداد توسعاً يوماً بعد يوم؟

 

لا يستطيع أي أحدٍ منّا أن ينكر أنّه ورغم هذا التطور إلا أنّ الأيام قد ازدادت صعوبة، ورغم أنّ وظيفته أن يعيننا إلا أنّه وبأيدينا أصبح وسيلةً ليزيد المسافات بيننا حتى ولو كنّا جالسين بجانب بعضنا، حتى أنّ قلوبنا لا تتلامس ولا نشعر بدفئها، فغدونا الأكثر إجحافاً في حق أنفسنا وغدونا تلك الآلات التي نتسابق في صناعتها.

لم أكتب هذه الكلمات لأجعلك تشعر بالتشاؤم، ولكن ألم يحن الوقت لنعيد التفكير إلى أين سنصل ببرودنا وتجاهلنا لكل شيء نشعر به؟ فرغم قساوة هذه الحياة، لِمَ نزيد الحِمل على أنفسنا بتجاهل ما نشعر به وما يشعر به من حولنا؟ لمَ نقسوا على أنفسنا وعلى جميع الذين نحبهم؟

 

أصبح الواحد منّا يكتب منشوراً يسرد فيه جمال الحياة والتفاؤل والسعادة ولكنّ بينه وبين نفسه يعاني صراعاً ضارياً، يغلق على نفسه الباب ويحبس دمعته، يضغط على نفسه ليَظهر أمام الملأ أنه على خير ما يرام وهو يموت ألف مرة في داخله، بالطبع لن يلاحظ دائرة أصدقائنا الوهمية الإلكترونية خفايا ما نشعر به من خلال منشورٍ على الفيس بوك وغيره، ولكن من يحاوطوننا على أرض الواقع هم فقط من سيشعرون بهذا التغير.. وهنا تكمن المصيبة الكبرى بأنّ حتى القريبين منّا لم يعودوا يأبهون لما نشعر!

 

نعم… غدونا نحن الآلات، نتعامل مع بعضنا البعض بسطحية تامّة غير آبهين ولا ملتفتين لما يشعر به من حولنا، ولكن لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ لسنا وحدَنا من نعاني من هذه المشاعر، بل العالم بأسره أصبح يعاني من الوحدة والتباعد الفعليّ، إن كنت لا تشعر بذلك فانتبه على من حولك، أصدقائك، أهلك، أقربائك وكل من يهمك أمرهم، قل الكلام الطيب لكل من تراه، كلمة واحدة قد تؤثر على حياة شخص بأكملها، ابتسم فابتسامتك هي الدواء ليوم شخصٍ تعيس، تكلّم مع صديق قد مضى وقت طويل على حديثك معه، قد يكون هذا الموقف الصغير هو الشيء الإيجابي الوحيد الذي حصل في يومه.

 

فقضاؤك الوقت مع أهلك أو بذل جهدك وطاقتك في مساعدة الناس أو إطعام حيوان في الشارع كلها ستؤثّر عليك وعلى نفسيتك وعلى جميع من حولك. تلك المبادئ التي نسيناها مع التقدم الكبير، زادت الفجوة بيننا حتى جعلتنا نشعر بالخوف والرُهاب من بعضنا البعض، ولكن في الحقيقة كل واحد منّا يحتاج الآخر أكثر من احتياجنا لتلك الوسائل التي باعدتنا. دعونا نحاول أن نكون ألطف مع بعضنا البعض فلا ندري كم محاولة انتحار قد نمنع قبل فوات الأوان، وكم نفس بشرية قد نُساعد قبل ضياعها. لنحاول أن نكون أكثر تعاطفاً، حباً، وقرباً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة