الثورات المضادة و استنساخ الأنظمة السياسية

الثورة، جاذبية المصطلح وربطه دائما بتاريخ تكسير صنم الاضطهاد، جعلت منه أيقونة لغوية، تسكن القلوب قبل المعاجم، ولأن العرب أمة بيان، فإشكالية المصطلح وأزمة الشعارات عندهم أعمق وأكثر خصوصية، تكريس العلاقة الحميمية بين العرب وكلمة ثورة ظهر جليا في ثورات الربيع العربي، والتي أخرجت شعوبا عن بكرة أبيها للشوارع والساحات، دون تخطيط أو تفكير، أو منهجية واضحة لتسيير انتفاضة شعبية قد لا تتكرر، تجربة ما يطلق عليه ربيعا عربيا،

 

كانت سيفا بتر حبل الوصال بين الحلم والواقع، وبين المأمول وما فرضته العلب السوداء والأيادي الخفية في دواليب الأنظمة السياسية العربية، وربط كلمة ثورة بوسم المضادة، لينتج كابوسا سقطت فيه الدول التي شهدت مسرحية استعراضية حملت عنوان الربيع العربي، وقد كان إسقاط الديكتاتور فصلا قصيرا، في رواية اعتمدت تقنية الفلاش باك، من تونس مرورا بليبيا ومصر وسوريا واليمن، وصولا لنسخ جديدة من ثورة الشعوب على حكامها، والتي لا يعتبرها أصحابها موجة ثانية من الربيع العربي، كالحراك الشعبي الذي شهدته السودان والجزائر ولبنان السنة الماضية.

 

تجارب دموية، وأخرى أكثر نعومة، لكنها لم تغير في حال الشعوب مثقال ذرة، بل جعلت من رومانسية التجربة محطة للندم عند الكثيرين، ولسنا هنا بموضع للسرد التاريخي، لكننا سنحاول رفع الستار عن أسطورة سقوط الأنظمة السياسية وانهيارها في المنطقة العربية، وقبل أن نتطرق لماهية سقوط النظام السياسي، لابد أن نعرف أولا أبرز خصائص الأنظمة السياسية، فالأنظمة السياسية كيانات معقدة، تمتد جذورها في أدق مفاصل الدولة، وقد يكون رأس الهرم فيها وحاشيته، مجرد واجهة، يختفي وراءها العديد من أمراء الظلام، فإذا كسرت الواجهة لا يعني أبدا أنك ستعرف ما تكتنزه من أسرار وخبايا.

 

لذلك رأى الكثير من المتتبعين للشأن السياسي العربي، أن الشعارات التي حملتها الشعوب في السودان والجزائر ولبنان، والتي تمحورت جميعها حول رحيل كلي لجميع وجوه النظام القائم، كانت تأمل في تصحيح لمسار الثورات الفاشلة، في كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن، والتي دفعت ثمنها شعوب هذه الدول دماء وأرواحا بريئة، وأدخلتها في دوامة الفوضى لسنوات، وحولت مسار الحلم، لتعيد استنساخ الأنظمة السياسية في صورة جديدة، أشد قذارة وعدوانية، فهل إرادة فلول النظام أقوى من إرادة الشعوب؟ وهل تغيير النظام السياسي ينتج نظاما جديدا، لا يحمل جينات النظام الذي سبقه دائما؟

بروز كارت الدولة العميقة في تجربة الربيع العربي، أثبت أن الأنظمة السياسية تنهض من الرماد، وتعيد رسم نفسها في صورة جديدة، لكن تبقى الأدوات المستعملة هي ذاتها، ونشوة الانتصار تعمي بصيرة الشعوب عادة، وتغرقهم في سبات الوهم، وسراب الثورة، تعمل الدولة العميقة وهي الروح الخفية لكل نظام سياسي، بعد كل انتفاضة شعبية على تقسيم وحدة الشعب إلى فئات، والفئات إلى جماعات، وعلى إحياء النعرة القبلية والجهوية، وتروج لعقدة الفئة الناجية، فيصبح الجميع بطلا في مرآة ذاته، ومن هنا يبدأ فتيل الثورة المضادة.

 

سقوط النظام السياسي الذي كان المطلب الأبرز للشعوب، كان مطلبا فضفاضا، لم تخطط الشعوب لما بعده، وباعتبار الطبيعة تخشى الفراغ، فالدولة أيضا تخشى الفراغ أيضا، لأنها هيكل تنظيمي، يحتاج لمن يكبح جماحه، لذلك رمت الشعوب ببلدانها من حضن الديكتاتور المخلوع، إلى دهاليز الثكنات العسكرية، ومن ضفاف أنظمة شمولية إلى ديمقراطية مشوهة بقيادة الدمى السياسية التي اعتلت الواجهة فوق أشلاء الحلم الموعود، هنا أسئلة تفرض نفسها حول علاقة فشل الانتفاضات الشعبية بالتركبية البسيكولوجية والسوسيولوجية للشعوب، وعن دور الأيادي الخارجية في إجهاض مشروع الدولة الفاضلة التي طالما حلم بها شعوب المنطقة العربية.

 

جميع الأنظمة السياسية في العالم تعرف خصائص شعوبها النفسية والاجتماعية، وتقيس درجة الاحتقان عندها، وتعيد ترتيب أوراقها دائما باعتمادها على هذه الأسس، ولأن الشعوب العربية شعوب عاطفية لدرجة الحماقة، كان الوطن والوطنية الوتر الحساس الذي روضها في أعز لحظات توحشها، أما الأيادي الخارجية فتعمل دائما على إنتاج أنظمة تحمي مصالحها ونفوذها، لذلك ساهمت في دعم أمراء الظلام، وبقاء الدول العربية في مستقنع الفساد وبؤر التوتر منذ عهود غابرة، ومن شاعرية لحظات الثورة إلى أنقاضها، زرعت في أعماق الكثيرين من الذين خاضوا التجربة، قناعات غيرت فهمهم لمنظومة الدولة ولشعار يسقط النظام، ورسخت عندهم عوالم جديدة للنضال السياسي، وفكرة بناء الدولة، وأن ربط أي ثورة بالبطون أو بالشعارات المنمقة، وبصور السليفي وفيديوهات السوشيال ميديا، دون مشروع استشرافيا قوامه القانون والأخلاق ونبذ الصراعات، يجعلها لعبة سذاجة تحمل في ذاتها بذور فشلها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة