فلسطين وسؤال السلطة.. الحل أم تغيير الوظيفة؟

سؤال السلطة لعله الأكثر الحاحا في اللحظة الفلسطينية الراهنة، فعقب فشل وعدمية خيار المفاوضات التي انتهت عمليا عام 2000 عقب عودة الرئيس الشهيد ياسر عرفات من كامب ديفيد، واندلاع انتفاضة الأقصى، كان واضحا منذ ذلك الحين أن المشروع الوطني الفلسطيني دخل نفقا مظلما، ازداد تيهه عقب الانقسام الفلسطيني الفلسطيني عام2007 ، وتحول الفعل الفلسطيني من مواجهة المحتل الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني فلسطيني، أعطى الإسرائيلي مزيدا من الهدوء لاستكمال تنفيذ مشروعه الصهيوني القائم على الانفصال من طرف واحد، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية "سُلط" تدير "معازل بشرية".

 

ويُعد إعلان إسرائيل نيتها ضم 30 % من أراضي الضفة الغربية المحتلة الواقعة فيما يعرف بالمنطقة "ج"- إذا ما تم تنفيذ هذا المخطط بالفعل- بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على مسار التفاوض المحتضر أصلا، أو إن صح التعبير الميت سريريا، وفي المقابل فإن مسار المقاومة بات محاصرا في غزة، كيف يمكن للفلسطيني التصدي للمرحلة الراهنة من السطو على ما تبقى من أرضه من قبل المحتل، وتجريمه عربيا باعتباره رافضا للتسليم لإسرائيل بعد "تَعبرُن" بعض إخوته العرب، وغياب القيادة الفلسطينية الموحدة؟.

 

كل المعطيات أعلاه تجعل طرح سؤال اللحظة عن " السُلط" القائمة في الضفة والقطاع أمرا ملحا، والحاجة لها أم ضرورة التحلل منها، وتغيير وظيفتها، وإعلانها مؤسسات فلسطينية تقود المواجهة والاشتباك مع المحتل، فالفلسطيني اليوم يريد قيادة فلسطينية موحدة، ومشروعا وطنيا عابرا للفصائل، فالقضية الفلسطينية تمر اليوم بأحلك ظروفها، ويجري سرقة الوطن وتهجير أصحاب الأرض، في ظل دعم إدارة أمريكية صهيونية منحازة تماما لإسرائيل.

ما العمل؟

من المؤكد أن المطلوب ليس الاستمرار في التسليم بمشروع " سلام فياض" " الفلسطيني الجديد"، ولا الانتظار حتى يستكمل نتنياهو مشروعه بضم ما تبقى من الأرض الفلسطينية، والانفصال من جهة واحدة، وحشر الفلسطينيين في كانتونات بشرية، فيما تواصل إسرائيل استكمال نظام الفصل العنصري والتحول لدولة يهودية، المطلوب هو التوقف عن التلاسن والتعاتب بين حماس وفتح وكل الفصائل الفلسطينية، المطلوب قلب الطاولة على الاحتلال وإعادة القضية للمربع الأول، أننا شعب تحت الاحتلال نريد حقنا في وطننا والتحرر من الاحتلال العنصري الكولنيالي ، نريد وطنا لا رواتب، نريد قيادة فلسطينية تقول لإسرائيل وللعالم كفى احتلالا مجانيا وأن الأثمان ستكون باهظة.

 

لا أقول أننا نريد حربا عربيا وجيوش جرارة – أصلا هي مشغولة الآن في محاربة شعوبها- بل نريد مقاومة شعبية بكل أشكال الانتفاض والرفض والمواجهة، فلم يعد يصح أبدا بعد اليوم استمرار الاحتلال المجاني، نريد أرضا ووطن قبل السلطة، نريد سلطة لكنها سلطة بعد التحرير وبناء الدولة وليس وهما متخيلا، باختصار وبخطوات عملية نريد أن تجلس القيادات الفلسطينية وتقتنع أولا بأنها لا تدير سلطة بل تخدر الشعب وتأجل مواجهة حتمية.

 

وفي سياق البحث عن إجابة لسؤال ما المخرج؟ وما العمل؟ أدرت في منتدى التفكير حوارين، الأول مع مع الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وكبير المفاوضين، والثاني مع السيد خالد مشعل الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس، أبدأ في هذا المقال بالتعليق على طرح السيد خالد مشعل الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس، حيث تحدث الرجل عن برنامج وطني جديد قدم فيه مجموعة من المرتكزات قدمها خلال لقائي معه ضمن حوارات منتدى التفكير العربي بلندن، في سياق البحث عن إجابة لسؤال ما العمل؟ يطرح الرجل مرتكزات لمشروع تحرر وطني فلسطيني جامع تتلخص فيما يلي:

أولا: إعادة تعريف الثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية بما يضمن إجماع الكل الفلسطيني عليها والحيلولة دون التنازل عن أي منها.
ثانيا: إعادة بناء المؤسسات السياسية، ومرجعية القرار الوطني ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، على أسس ديمقراطية حقيقية، بحيث تمثل جميع أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وتشارك فيها مختلف القوى والفصائل والشخصيات الوطنية.
ثالثا: تبني برنامج نضالي ينطلق من كون الشعب الفلسطيني ما زال واقعاً تحت الاحتلال، بحيث يشمل هذا البرنامج كل أشكال المقاومة والنضال وعلى رأسها النضال المسلح، بما فيها المقاومة الشعبية بصورها المختلفة.

المثير كذلك في الطرح الذي قدمه الرجل هو رأيه في التعامل مع معضلة السلطة في غزة والضفة، وكيف يمكن أن يتحلل الفلسطينيون من تلك السلطة التي يرى البعض أنها باتت أحد أدوات تقييد الفعل الفلسطيني، كما يمكن تحميلها مسؤولية استمرار الانقسام، وبالعودة لرأي مشعل الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس، فإنه ينتهي حول موضوع السلطة إلى خيارين :

1-  حل السلطة بتوافق وطني ورؤية بديلة.

2-  أو تغيير وظيفتها.

 

حل السلطة أو تغيير وظيفتها يحتاج بحسب مشعل إلى دراسة شاملة وتوافق وطني، وبرأيي فإن خيار تغيير وظيفة السلطة الفلسطينية هو الخيار الأكثر عقلانية والأجدى وطنيا، وهو بالفعل يستحق الدراسة والتمحيص، فالاندفاع خلف الأصوات التي تطالب بحل السلطة، بقدر ما فيها من صدق بقدر يكتنفها من مغامرة غير محسوبة، قد تنتهي بالحالة الفلسطينية لحالة من الفوضى تزيد من حالة التيه الفلسطيني، وتوفر مزيدا من الأوراق لصالح إسرائيل.

 

خيار تغيير وظيفة يتحقق بالتوقف عن توفير الأمن المجاني لها، وصياغة مشروع مقاومة شعبية ينهك الاحتلال، ويرغمه على تقديم التنازلات للشعب الفلسطيني، وفي هذه الحالة فإن الشعب الفلسطيني يقاوم كشعب تحت الاحتلال، يواجه نظام فصل عنصري، ويطمح للحرية والعدالة، كما طمح لتتحرر من الاحتلال وهو ما تكفله له كل الشرائع الدولية، وفي سبيل ذلك من حقه ابتداع كل أساليب المواجهة .



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة