"الهروب بحرا".. أنقذوا ما تبقى من جزائريتنا

في زمن يصعب التفكير فيه بشيء من الطمأنينة والرفاهية، تكثر الأسئلة التي تقف عند عتبة الإنسانية راجية منها بعضا من الأجوبة التي يمكن أن تشفي غليل المقهورين، أو بالأحرى أن ترفع بعضا مما حصدته الأرض وبنوها من دمار وهلاك وفساد لنظام البشرية برمته، ولعل الزمن لم يعد له أثر بالغ الحدة في دورة الانسان والأشياء المحيطة به بقدر ما هو سلعة مفقودة لا ثمن لها، حيث يقف الانسان عاجزا أمام رغباته المتعددة وآماله المتعاقبة بسبب ما يفتقده من تصالح مع العالم الذي يحتويه، ولنقل إنّ عدم جدوى ما اقتدر الانسان على ابتكاره من طرائق حياتية كثيرة لا حصر لها، هي الأخرى تجثوا أمام سطوة الزمان لتنفي عنها استمراريتها.

حياة تحت الطلب

ولننظر إلى الحياة التي يتمتع الناس على اختلاف مشاربهم، مع ما وصل إليه العالم من تحضر وتطور كبيرين، فإنّ الإنسانية لم تستطع أن تبني لها صروحا تجتبي إليها بنيها كي تمنح معاشهم عدالة وكرامة، بل انصرفت إلى ما اعتقدت أنّه الطريق الأسهل لتحقيق أرباح تجارية واقتصادية وسياسية، فالكثيرون ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر متقلبين بين الجوع والمرض، ويلبسون ثوب البؤس والشقاء، ويسكنون بيوتا مهترئة، يضربون الأرض حفاة طلبا مما ذرته الطبيعة من خيراتها التي نهمتها يد الاستغلال. كما أنّ الانسان وهو آية الزمان وجوهر الصنعة نجح في اصطناع مجتمعات من ألوان الطيف المتنوعة، كي يجعل منها طبقات لكل منها دور في انتاج سلالة من المهمشين والمقهورين، والأدهى من ذلك قام بتعزيز ما اقترفه هواه من حرمان واستعباد للناس والتنكيل بهم والزج بالعديد ممن أراد النصح والتغيير خلف أقدار لا شمس تدركها ولا بدر يعتجن لأصواتها، عبر الاستيلاء على الحقيقة واحتكارها وجعلها سمة للولاء.

 

ونحن عندما ندرك أنّ الموت آلة دهرية لا قبل للعالم بها، والفنــاء صفة لازمة تحيط بكل شيء أريد له أن يندثر، وأنّ الانسان وإن اخترع علوما وصنوفا كثيرة من المعرفة، فإنّ تاريخه المحشو بالانتكاسة والغدر والخديعة، هو نفسه العالم القديم الذي يقاسمه المتعة والرغبة والحياة في البقاء والاستمرار، من أجل ذلك كان الفاصل بين الرغبة في طلب الشيء أو الاعراض عنه، القيمة التي تمتلكها الأشياء كي تمنح ذاتها حقيقة لا مناص عنها لكل طالب، ومنها يقع الاشتراط في القبول والرفض، أو التوافق والاختلاف، على علة الشيء وضرورة الاحتياج إليه.

الهجرة غير النظامية.. البحث عن الوطن

للوهلة الأولى بدت الأرقام التي أعلنت عنها صحيفة إسبانيا لأعاد المهاجرين غير النظاميين  الذين أتو من الجزائر نحو إسبانيا، أقرب لأرقام الإصابة بفيروس كوفيد-19 التي تبثها وزارة الصحة يوميا، مع أنّ الفارق الوحيد الذي يفصل بينهما هو النسبة المئوية المخصصة من طرف رعاة الموت، الذين امتحنوا في أرضهم ووطنيتهم وحتى إنسانيتهم؛ لا عجب أن يخاطر المئات من الأشخاص من مختلف الفئات والاعمار بالسفر بحرا عبر زوارق لم تحمل لهم هذه المرة مآسي الخوف والجوع والحرمان، بل أسلمتهم للزمان كي يمنح لهم قدرا من الحياة يتقاسمونه فيما بينهم في أرض تستذكر تاريخ الموريسكيين وغيرهم ممن لاذ بالفرار من دورة الزمان.

من منا لم يشاهد تلك الصور التي نشرتها صحف إسبانية عن شباب يتوسدون الأرصفة وآخرون يفترشون الأرض طلبا للحياة التي افتقدوها بأرض أجدادهم وآباءهم، ما الذي دفعهم كي يتركوا تاريخا ليس ببعيد كانت دماء الشهداء تحيك الحرية في ثوب يليق بهذه الأرض التي منحها الأمير عبد القادر وساما بين الأمم؟ ربما كان علينا أن نسأل السؤال ذاته الذي سألته الصحيفة الاسبانية وهي تستقبل الصور الموجعة، لشباب في مقتبل العمر يخاطرون بأرواحهم طلبا للحياة، لحلم يليق بإنسانيتهم، لغد أكثر عدالة، ما الذي يحدث في الجزائر؟ تساؤل كان لزاما على من اعتلى منصبا قبل أن يجيب عنه أن يعي جيدا أنّ التاريخ لم يكن ملك أحد ولن يكون، فهو شرعة الزمان وقاضيها، فما الذي سيرويه هذا الجيل لأبنائه وهم يبصرون آمالهم البسيطة والمشروعة تذروها ريح العبث نحو المجهول؟

 

ما الذي يحدث في الجزائر؟ نحن نعيش فترة لا تختلف كليا عن تلك التي يعيشها العالم، إننا نكافح الزمان للخروج من أزمة لم تترك للبشرية من خيار، بل سجنتها شهورا تحصي أعداد قتلاها وضحاياها، نحن نسعى كغيرنا للحفاظ على سلامة مجتمعنا من الهلاك جرّاء الجائحة التي لا تفرق هي الأخرى بين غني ولا فقير ولا بين معتل وصحيح، نحن ضمن عالم يبحث له عن طوق نجاة من المأساة التي تسبب بها الانسان لأخيه الانسان، وهو يحفر التاريخ وينسج الأساطير ويروي قصص الهالكين من دون أن يراعي القيم التي تحفظه وسلالته من الاندثار، عالم استشاط غيظا فألقى الملامة على الطبيعة وزعم انقلابها عليه وهو الذي يغزوها كل يوم بطمعه وعنصريته وهوسه في الاستحواذ، نحن لا نختلف عن أولئك الذي جندوا المئات بل الآلاف ممن وقفوا سدا منيعا ضد هذه الجائحة ولقّبوهم بالجيش الأبيض على أمل أن يفوز الانسان في حربه ضد الوباء، ولكن تأبى الطبيعة التي أثبتت أنّ لها إرادة مغايرة تداهم الغزاة كي تحشرهم في بيوتهم الهشة وأقبيتهم المظلمة وقصورهم الفارغة، لا أحد منا نجى من فزع ما حملته ريح الوباء إلى قلوب تعلقت بمساجدها وكنائسها ومعابدها، الكثير منها انطلق نحو فعل الخير والمساهمة في تقليل خسائر الجائحة الاقتصادية والاجتماعية.

 

لو تحدثنا عن الذي يحدث في الجزائر، لأخبرك البعض أنّ ثمة مجموعات من الشباب ضمن جمعيات ومنظمات وهيئات خيرية خرجوا سراعا كي يمنحوا مجتمعهم أملا في مستقبل خال من الفساد والمحسوبية واللامبالاة، لقد تداعوا نحو واجبهم الأخلاقي بكثير من التفاني والمسؤولية التي انبرت يوم تخلى بارونات الحروب والأوبئة عن التزاماتهم تجاه وطنهم، شباب تعتريه المخاوف من فقدان قريب أو أخ أو صديق ساهم بكل ما أوتي من طاقة ومعرفة لتأطير مجتمع يزعمون أنّه تائه في غيابات الرجعية والتخلف والصراعات التافهة، وبدل أن تسانده المؤسسة الوطنية راحت هي الأخرى تنحو نحو تأزيم الوضع بقرارات شعبوية لا يفهم الكثيرون إلى اليوم مدى جديتها وفاعليتها.

 

يحدث أنّ عاما مضى كان الناس فيه يمشون مطمئنين وهم فرحين يعمرون الأزقة والشوارع والميادين منادين بأعلى أصواتهم، لا للفساد، لا للحقرة، لا للعهدة الخامسة، عام انقضى من لحظته التاريخية وهو يرسم معالم تغيير حقيقية ويخط آمالا لغد أفضل عن ما كان بالأمس البوتفليقي، عام أثبت الشعب رجالا ونساء، شيوخا وصغار، تمسكهم بهذه الأرض وحبهم لها وحرصهم الشديد على ازدهارها وحمايتها من الفوضى الناعمة، شعب لطالما سامته المؤسسة المعرفية أوصاف التبعية والذل والخنوع، وهي تقتات من خيراته المسلوبة وثرواته المنهوبة من طرف عصبة ما كان لأحد من حراس المعرفة أن ينهال بحروفه على الحقيقة المخفية كيما يلبسها ثوب الكرامة والعزة، أو يعذر شعبا كلما نجى من مشروع يهدم أساسات مجتمعه استقبله المخزن بآخر يسرق منه ما تبقى.

ربما نملك أجوبة كثيرة عن ماذا يحدث هنا، في جزائر الأحرار، ولكن السؤال الذي يجب على كل عاقل أن يسأله، وهو من له المصلحة في استمرار وتأزيم الوضع؟ ما عاد الناس يخافون الموت ولا حتى يفرقون بينه وبين الحياة، فطوابير السكر والزيت زمن الثمانينيات من القرن الماضي عادت اليوم في حلة جديدة ضمن سيولة مفقودة ومعاناة يومية لا حصر لها، كأنما أريد لهذه الأمة أن تعيش بؤسا أبديا مستمرا وهي تبصر المليارات المسروقة، والشركات المنهارة، والبطالة المستشرية، ألم تكفي صور الموت من المستشفيات كي يستصلح الملأ من ساسة الدولة صنيعهم، وهي التي رسمت خططا كثيرة للجائحة.

 

ما يحدث في الجزائر ليس ببعيد عن التجاذبات الإقليمية والرهانات الداخلية التي تستغلها الأجنحة السياسة المتصارعة، فإما أن يروض الشعب ويعود لحضيرة الطاعة والانصياع، أو تزول هيبة الدولة كما يرى كثيرون بافتعال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كم من المرات يجب على الشعب أن يثبت وطنيته وإخلاصه لتاريخه كي تمنحه سلطة الوضع القائم قدرا من الاهتمام كي يحيا كريما، ربما أخطأ الوطنيون في طلب الحرية والعدالة والإنسانية وهم يقفون حفاة عراة يتوسلون السّلطة بالرحيل، بات من الواضح أنّ الملايين التي يجمعها الحراقة مقابل قارب ينقذهم من الموت البطيء، لا تقارن بحجم اليأس وعدم الثقة في وطن تحكمه ذهنية متصلبة لا مناص منها، سوى الهجرة نحو أرض بمثابة حلم لو قدر للكثيرين ممن ينتقدون العابرون إليها بحرا أن يأتوها زحفـــــا، ولو على سعفــــــة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة