ومن الفقر وقلة الحيلة ما أبكى الرجال!

بينَ ليلةٍ وضُحاها، أتى وباءٌ حصرناهُ في موطن نشأتهِ، ولم نعتقد أنّنا قد نُصابُ به، وشيئاً فشيئاً زحفَ نحوناَ، فحصَدَ أرواحاً، وأنهكَ أجساداً، وفتّتَ من الفقدِ؛ أكباداً.. وليس عجبي وحزني الأكبرُ على ما أَخَذَ للقبرِ، وإنّما على الأحياءِ القتلى.. فلا هم أمواتٌ لِيُدفنوا، ولا هم أحياءٌ ليتذوقوا حلاوةَ العيشِ.

 

قبلَ سنواتٍ، عزمتني صديقتي وإحدى قريباتي، ولسوء الحظّ كانت العزيمةُ في وقتٍ واحد، لكنّني أعرفُ أنّ موعد غداء أهل صديقتي يكونُ أبكَرَ بكثيرٍ من موعدِ غداء أقاربي، لذلك وافقت عليهما معاً، كمحاولةٍ لإرضاء الطرفينِ. وصلتُ عند صديقتي أوّلاً، وبعدَ أن باشرنا في الأكلِ، أكلتُ قليلاً ثمّ توقّفتُ، فقالَ لي والدها: "لم تأكلي شيئاً، كلي يا ابنتي"، فقلتُ له: "يجبُ أن آكل القليلَ، وأتركَ مكاناً للغداء الآخر"، فنطقَ -بحكمةٍ لا يُمكن أن أنساها- قائلاً: "تذكّري دائماً ما سأخبركِ به، لا تراهني على شيءٍ لا تعلمين أسيكونُ من نصيبِكِ أم لا، لكلّ ساعةٍ كُلفَتُها، وما يُدريكِ ألّا تأكلي هُنا، ويطبخوا هُناك شيئاً لا تأكلينه، فتجلسينَ في حصرةٍ على ما أدْبَرَ، ومتذمّرةً ممّا أقبَلَ. إيّاكِ وأن تضيّعي الفرصَ الموجودة أمامك، وطبقٌ شهيّ كهذا الذي أعدّته خالتُكِ لن يتكرّرَ".

 

ومنذ تلكَ اللحظة، وأنا أشتغل بنفس القاعدة، وعلى إثرها ربّما، لا أحبّ أن أمنَحَ سمعي لأيّ شخصٍ قد يأتي ليهمس في أذني قائلاً: "الحياةُ عبورٌ، وليسَ لملذّاتها قيمةٌ، والعيشُ عيشُ الآخرةِ"، فما دُمنا في الحياةِ، فيجبُ أن نعيشَ فيها ونتذوّقَ من عذبِ مذاقها في حدود المعقولِ وغير المُحرَّمِ، يقول الله عزّ وجلّ في سورة القصص: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ .

 

إنّ النّاسَ للنّاسِ، ولا يؤمن أحدنا حتّى يحبّ لأخيهِ ما يحبّه لنفسه، وفي ظلّ جائحة كورونا، فَقَدَ أغلبُ أربابِ الأسر أعمالهم، خصوصاً الأسر التي لا تملكُ راتباً ثابت، ففي فترة الحظر، فقد أغلب العمّال وظائفهم، فحتّى أكبر المؤسّسات أغلقت أبوابَها، فما بالنا بمن يشتغلُ كلّ يومٍ بيومهِ ولا يملكُ من المالِ ما يُمكن أن يدّخِرَ منه؛ لقلَّتِهِ. شئنا أم أبينا، وإن كانَ في رمضان دعوةٌ للزّهدِ، فإن الموائد تمتلئ، إذ لا يُمكن أن نأكلَ وجبتينِ وتكونَ الأساسيّةُ فيهما هزيلةً، ممّا يعني بالضّرورة أنّ مصروف رمضان يكونُ أكثَرَ من الأيّام العادية، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، قد يكونُ عدد الأسرةِ كبيراً، وكلّهم متوقّفون عن العملِ، وبمجرّد طبخ أكلٍ بسيط للعدد الموجودين قد يكلّف ميزانيّةً تُكسِّرُ الظَّهرَ.

وإن كانَ في جوعِ رمضان حكمةٌ، فتتمثّل في أنّ علينا أن نشعرُ بالكيفية التي يشعرُ بها من لم يجرّب شعورَ الشّبعِ، ونحسّ بالذي يجوعُ لأيّامٍ مكتفياً بوجبةِ واحدة أو وجبتينِ لقلّة الدّراهمِ. أظهرت عدّة دراساتِ بأنّ الأطفال أكثر عرضة للاكتئاب والأمراض النفسية من طول المكوث في البيتِ، لذلك بعد رمضان، حاولَ العديد من الأشخاص المقتدرينَ مادّياً تعويضَ أطفالهم بجوٍّ عيديٍّ جميل، وبالوناتٍ وملابسَ جديدة، وبعض الهدايا، وهذا ما أثَّرَ وخفّضَ وقع الوباء عليهم، لكن؛ ماذا عن أبناء الأسر المعوزة؟ إنّ لقلّة الحيلة وقعاً كبيراً على النّفسِ، وربّما قد أتماسكُ أمامَ أفظع المشاهد ولا أبكي، إلّا أنّ نظرة الضّعف أو قلّة الحيلة تطرحني أرضاً، فيُمكن تلخيصُها كلّها في العَجزِ، وانقضاء الأسباب، وتوقّف المحاولات، والجلوس في ركن زاويةٍ، واليدُ تحت الخدِّ، إذ لا مكانَ يمكن أن نضعهُ فيها أو نحرّكَها فيهِ.

 

ومن بين المشاهدِ التي صادَفتُها، هو مشهدٌ لرجلٍ طاعن في السّنِّ، جالسٌ وهو يبكي، لأنّ محصولَهُ وخرفانهُ لا تُباعَ، ولأنّه أنفقَ مما لديهِ كي يسمنها ويجهّزها ولم يشتريها أحدٌ، ولأنّ خسارةَ الفلّاحِ كبيرةٌ، فلم يتمكّن المسكينُ من رفعِ يدهِ للطّلبِ من عزّةِ نفسه، وفي نفس الوقتِ لا حيلةَ له. مّا وفي مشهدٍ آخر، فقد كانَ رجلٌ شابٌّ يبكي، لأنّ العملَ انقطَعَ، وعضلاتُهُ القويّة في راحةٍ لم تَعتَدها، وبكيَ كثيراً لأنّ أمّه مريضةٌ وبحاجةٍ إلى عمليّةٍ، وثقلُ البيتِ هَدَّهُ، وأطفالُهُ لن يَروا خروفَ العيدِ هذه السّنة، ولم تشبع -حتّى- بطونهم الصّغيرة. وغير هذه الحالات يوجدُ الكثيرون، منهم من فَقَدَ بصره ولا مُعيلَ له، ومنهم من وَهَنَ عظمهُ وغارق جدّاً في قلّة الحيلة، ومنهم من يشتغل يوماً كاملاً مقابل دريهماتٍ قليلة لا تسدّ أبسطَ الديونِ التي عليهِ.

 

كانت إحدى جاراتنا تعيشُ ظروفاً صعبةً، وهي التي لم تملك من الأكلِ إلّا ما يسدّ حاجتها، وفي أحدِ الأيّامٍ مرّت بقربِ أمّي وفي يدها صحنُ كُسكسٍ، فمدّته لأمّي قائلةً لها: خُذي هذا الأكلَ أرجوكِ. والحقّ أنّني استغربتُ، كيفَ لشخصٍ ما أن يمنَحَكَ بضحكةٍ وخاطرٍ ضاحك كلّ ما يملكُ، وهو يعلم أنّك إن أخذته فلن يبقى عنده شيءٌ. إنّ القناعةَ كنزٌ كبير، يلزَمُ الغنيَّ والفقيرَ، لكن على الإنسان أن يفهمَ أنّ ما لَهُ ليسَ له، ويجعل دائماً للآخرينَ نصيباً منه، قليلاً كانَ أو كثيراً. ويعرف الغنيّ البخيل أنّه سيموتُ من الجوع، وابنه سيموتُ بعدهُ من التُخمة، فما ضرّكَ إن صرفتَ درهمينِ لتُساعدَ بهما أخاكَ؟

 

إنّ الطوافَ بين المساكينِ -حتماً- سيكونُ أجرهُ عظيماً، فتفريجُ الكُرُوب، وإعانةُ المُحتاجِ، وإغاثةُ الغارق، كلّها بأجرٍ عظيمٍ، ولا يمكن لعاقلٍ قادرٍ أن يغفل عنها، فالصّدقة ترفعُ البلاءَ، وإن بسطت يدكَ بدرهمٍ، عادت لك بدرهمينِ مُباركةً ومُضاعفةً. إنّ من بين شائعات عصرنا، أنّ كلّ من يساعدُ شخصاً ما، يصوّرهُ من هُنا وهُناك، حتى تحسب أنّه يكادُ يضعُ لافتةً على جبينِ الشخص الذي تصدّقَ عليه ويكتب عليها: هذا الشخص، أنا من ساعده.. وهذا في الحقيقة الأمر من أقبح ما يمكن أن يقومَ به من يرغبُ فعلاً في مساعدة الآخرين، مساعدةً خالصةً، لا ينتظرُ منها أجراً ولا شُكراً، ولا حتّى يرغبُ بأن يشيرَ أحدهم إليهِ ويفضّل أن يرسل أحداً ذا أمانةٍ، ويقولَ للنّاسِ: هذه من مُحسنٍ/مجهول.

إنّ المنَّ ثقبٌ يلتهمُ الخيرَ، ويقلبُ النعمةَ نقمةً، ويُشعر الآخرَ بالسّوءِ ويجعله يشعر بالشفقة على نفسه، فحتّى وإن ساعدت شخصاً ما، فاختر الطريقة المُناسبة، الطريقة التي لا تجعل صاحبها يخفض رأسَهُ خجلاً كلّما لقِيَكَ، أو لقِيَ غيركَ. إنّ كرامةَ الإنسان هي ما تُدافعُ عنه جمعياتُ حقوق الإنسانِ، والإنسانُ إن كانَ بلا كرامةٍ فلا يعيشُ إنسانيتهُ، وعليهِ فالمُساعدة التي سأتلقّاها من أحدٍ، وتلتهم كرامتي، فلستُ في حاجةٍ لها، والأيّامُ تدورُ، ولن يلقى الإنسانُ إلّا ما فَعَلَ، فإن فعلَ خيراً وجده، وإن فعل شرّاً لاقاهُ.. فلا تكسّروا النّاسَ بالمنِّ، ولا تنسوهم ولو من القليلِ.

 

كم من شخصٍ لم يجد ما يرتديهِ، وخزانة ملابسك مليئةٌ بما مرَّ عليهِ وقتٌ طويل دونَ أن ترتديهِ. كم من غطاءٍ متكدّس في بيتك، وكم من شخص في العراء لم يجد غطاءً! كم من شخصٍ يعيشُ يومه بثمن وجبةٍ تأكلُها في الخارج، فماذا لو زهدتَ عنها مرّةً ومنحته ثمنها؟ كم من شخصٍ لم يجد ما يأكله، وأنتَ تطبخُ بإسرافٍ وترمي ما كانَ ليشبعَ أسرةً كاملةً! كم من شخصٍ أغرقتهُ ديونِ زيتٍ وسكّرٍ وأنتَ تجاوزتَ الأساسياتِ ولم تفكّر يوماً في دفعِ ما تستطيعُ لدَيْنٍ يؤرّقه.. كم من لعبةٍ تُسعدُ بها أطفالَكَ في الأسبوعِ، ولم تفكّر يوماً ولو في إهداء دميةٍ بسيطة لفتاةٍ أكبر أحلامها أن تحصل على دميةٍ حقيقة. وكم من جمعيةٍ خيرية تراكم من جهودها لتجمع التكاليف الطبية والدوائية والدراسية للمحتاجين مع إمكانية تتبّع الحالة؛ وأنتَ غافلٌ عنها، فمثل هذه الجمعيات لا تنتظرُ منكَ مبالغَ خيالية، بل تؤمن بأنّ نصف درهمٍ على نصفِهِ قد يصنع الفرق، ولك أن تساهم بما تستطيعُ.

 

إنّ الأثمنة التي نتحدّث عنها هُنا هزيلةُ، وكم نضيّعُ منها في الشّحنِ للهاتِفِ، وفي أكلِ الشارعِ، وفي المقاهي، وفي العديد من الأشياء التي نستطيعُ أن نتخلّى عنها مرّةً أو مرّتينِ.. فما نقدّمهُ لا يجبُ -بالضرورة- أن يكونَ كثيراً، بل الأهم أن يكونَ.. فقد يكونُ أحياناً مجرّد حلوى رخيصة تُسعدُ طفلاً لليلةِ كاملة، لذلك يجبُ ألّا نستهين حتّى باقتسامِ كسرةِ الخُبزِ، فكم من شخصٍ يتمنّاها ولم يجدها.. من استطاعَ منّا أن يُساعد، فعليهِ ألّا يبخَلَ، والحياةُ يومٌ وليلةٌ، وما ستعطيهِ، لن يميتَ رزقَكَ، ولن يوقِفَ نَفَسَكَ، بل سيكونُ دخراً لكَ، فــ "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" سورة البقرة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة