جبران خليل جبران.. عبقرية تخطت حدود المكان والزمان

كان جبران خيل جبران أول أديب شق طريق البساطة في التعبير عما يختلج في النفس، وهو ما اعتبر فتحاً جديداً لم يعرف الأدب العربي الحديث مثيلاً له، إذ تفتحت عيون الناس وقلوبهم على ألوان جديدة وزاهية من الأدب، ويقول الدكتور عيسى الناعوري إن جبران "أول أديب عربي آمن بأن الأدب هو رسالة سامية تؤديها الألفاظ المكتوبة، وأن رسالته أن يفتح عيون الناس على الجمال والحق، ويقودهم إلى ينابيع الحب والحرية، وقد حمل رسالته هذه بإخلاص، ونشرها بين أبناء قومه أولاً، ثم بين سائر أبناء الحياة ثانياً، لأن رسالة الحياة لا تقتصر على أناس دون آخرين، وإنما تتخطى حدود الزمان والمكان والدين والجنس واللغة والإقليم والتقاليد والشرائع، لتلقي في كل النفوس بذور الخير والسعادة والحق، وهكذا استطاع جبران أن يكون النفحة الأولى في حياة الأدب العربي الحديث، وأن يجعل للأدب العربي جذوراً قوية باقية في حقل الآداب العالمية الخالدة"، بيد أن جمال الأسلوب لم يكن وحده ما ميّز كتاباته، وإن كانت أول ما يلفت نظر القارئ، فالفلسفة والحكمة، سمتان أساسيتان في الإرث العظيم الذي خلفه، والذي حمل بين ثناياه فكراً وطنياً وقومياً لم يفارق عقل الرجل، إذ بقي ملتصقاً بقضايا أمته وهمومها، رغم آلاف الأميال التي كانت تفصله عن وطنه.

 

ولد جبران عام 1883م في بلدة بشرّي، الرابضة على كتف وادي قنّوبين، كان والده مكلفاً بجباية الرسوم على الماشية في جرود شمالي لبنان، أمه كاملة ابنة الخوري أسطفان رحمة، ذات ثقافة محدودة، غير أنها كانت تتحلى بإرادة وهمّة قويتين ساعدتاها على تدبير شؤون المنزل ورعاية أولادها الأربعة: بطرس من زوجها الأول، وجبران ومريانا وسلطانة، بعدما سجن زوجها بتهمة اختلاس ما كان يجبيه من الرسوم، وهو ما فع العائلة لاحقاً للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتركت الأب حتى بعد خروجه من السجن، حيث نزلت في حي الصينيين في بوسطن وذلك عام 1895م.

 

في طفولته كان جبران منجذباً إلى الطبيعة الخلابة التي كانت تتميز بها المنطقة، وظل جمالها منطبعا في نفسه وحبها لا يفارقه، ففي إحدى رسائلة إلى ابن عمه نخلة يقول: "هل يأتي ربيع حياتنا ثانية فنفرح مع الأشجار ونبتسم مع الزهور ونركض وراء السواقي ونترنم مع العصافير مثلما كنا نفعل في بشرّي؟ هل نرجع ونجلس بقرب ماري سركيس، وعلى نهر النبات وبين صخور ماري جرجس؟ أجمل ما في هذه الحياة يا نخلة هو أن أرواحنا تبقى مرفرفة فوق الأماكن التي تمتعنا فيها بشيء من اللذة".

في بوسطن عملت كاملة وبطرس في التجارة، والابنتان مريانا وسلطانة في خدمة الجيران، أما جبران فأدخل مدرسة مجانية، وكان يقضي معظم وقته في الرسم ومطالعة الروايات الانجليزية التي كانت مدرّسة اللغة الإنجليزية تختارها له، وفي عام 1898م التحق بمعهد الحكمة في بيروت لدراسة اللغتين العربية والفرنسية، وأمضى فيه ثلاث سنوات تبلورت خلالها مواهبة في الرسم والكتابة، وكان يتردد إلى مسقط رأسه بشرّي فيزور أقاربه ورفاقه، وفيها تعرف إلى فتاة من عائلة ثرية فأحبها، ولكن لم يكتب له الزواج منها، وهي التجربة التي خطها في قصة (الأجنحة المتسكرة) والتي تعد إحدى أروع قصص الحب في الأدب العربي.

 

عام 1901م عاد جبران إلى بوسطن، وفي العام 1904 أقام أول معرض له في الرسم، والذي كان سبب تعارفه بماري هاسكل؛ الثرية الأمريكية التي أعجبت برسومه، وفي العام ذاته بدأ بنشر مقالات في جريدة (المهاجر)، فحاز أسلوبه الجديد على إعجاب القرّاء، ما شجعه على إصدار (الموسيقى) و (عرائس المروج) في السنة التي تلتها، وفي العام 1908 أرسلته ماري هاسكل إلى باريس ليدرس أصول الرسم، وهو العام ذاته التي أصدر فيه مجموعته القصصية (الأرواح المتمردة)، وهناك تعرّف إلى الأدباء والفنانين، ومنهم النحات الكبير أوغيست رودان.

 

انتقل جبران إلى نيويورك عام 1912م واستقر فيها بعد أن لمع نجمه في عالمي الأدب والرسم، فتوالت ابداعاته ليصدر (الأجنحة المتكسرة) (دمعة وابتسامة) (العواصف) (البدائع والطرائف)، ومجموعة شعرية تضمنت أنشودة (المواكب) الخالدة، كما أصدر باللغة الإنجليزية (المجنون) (السابق) (يسوع ابن الإنسان) (رمل وزبد) (وآلهة الأرض)، إضافة إلى كتاب (النبي) الذي يعد أعظم ما أنتج جبران، وبسبب عطاءاته في الأدب والرسم أصبح جبران قبلة أدباء المهجر، الذين التفوا حوله وأسسوا (الرابطة القلمية) عام 1920، فكان جبران عميدها وسمّي أعضاؤها عمالاً وهم: ميخائيل نعيمة، وليم كاتسفليس، ندره حداد، إيليّا أبو ماضي، وديع باحوط، رشيد أيوب، إلياس عطالله، عبدالمسيح حداد، نيب عريضة، وفي السنة ذاتها بدأت صحته بالتدهور إلى أن توفي سنة 1931، لينقل رفاته بعد عدة أشهر إلى مسقط رأسه بشرّي، إذ كانت أمنيته أن يدفن في لبنان.

 

بعد وفاته صدر لجبران كتابان هما: (حديقة النبي) الذي يتحدث عن علاقة الإنسان بالطبيعة، و (التائه) الذي انتقد فيه العادات الشرقية وتقاليدها البالية؛ فالتمرد على العادات والتقاليد كانت صفة ملازمة لجبران، وهو ما ظهر بشكل أوضح في قصص (الأرواح المتمردة) التي انتقد فيها أيضاً رجال الدين، الذين لم يكن فسادهم وحدهم ما يزعج جبران، وإنما فساد رجال السياسة أيضاً، إذ وجه إليهم نقداً قاسياً في مقالة (لكم لبنانكم ولي لبناني) متهماً إياهم بالفساد وتحويل لبنان إلى ساحة صراعات طائفيّة ومذهبيّة وحزبيّة، أما فكره القومي فنلمحه في مقالة (مستقبل اللغة العربية) التي بيّن فيها أن تطور اللغة مرتبط بتطور الفكر، وأن تطور الفكر مرتبط بمستوى الإبداع وحجم الابتكار في الأمة، وهذا يتطلب نبوغ الأفراد وحماسة الجماعة، مشيراً إلى أن التلاشي التدريجي لحماسة العرب أدى لوقف تطور اللغة، وهي فكرة وإن كانت بحاجة لكثير من النقاش إلا أنها تكشف جانباً من شخصية الرجل.

ولعلّ الشخصية الجبرانية تبرز أكثر في قصيدته التأملية العظيمة (المواكب)، وهي القصيدة التي تكشف عن شخصية أقرب إلى التصوّف والسعي نحو الكمال الإنساني، وهو ما بدا واضحاً أيضاً في كتابه (رمل وزبد) الذي دعا فيه كذلك إلى المحبة والتسامح، وتحدث فيه عن علاقة الإنسان بالإنسان، فيما تحدث عن علاقة الإنسان بذاته وبالكون والخالق في كتاب (المجنون)، الذي لم يغفل فيه أيضاً دعوته إلى نبذ العادات والتقاليد، غير أن المتصوّف يتجلى بوضوح في رائعته الخالدة (النبي)؛ الذي ترجم إلى أكثر لغات العالم، وجعل من جبران ثالث أكثر الشعراء مبيعاً عبر التاريخ، بعد شكسبير والشاعر الصيني لاو تزه، فكتاب النبي هو خلاصة الأراء الجبرانية في قضايا حياتية أساسية كالمحبة، والزواج، والدين، والخير والشر، والفرح والترح، والجرائم والعقوبات، والموت، والحرية، واللذة، والجمال، وغيرها.

 

فعلى لسان (المصطفى)؛ الرجل الحكيم، يقدم جبران معالجات فلسفية للعلاقات الإنسانية، عبر طرح مفاهيم جديدة لأشكال هذه العلاقات، والأسس التي يجب أن تقوم عليها، ما يصح أن يطلق عليه ربما تصوّفاً فلسفياً، فحين تسأله امرأة عرّافة عن المحبة يقول:

"المحبة تضمكن إلى قلبها كأغمار الحنطة، وتدرسكم على بيادرها لكي تظهر عريكم

وتغربلكم لكي تحرركم من قشوركم، وتطحنكم لكي تجعلكم أنقياء كالثلج

وتعجنكم بدموعها حتى تلينوا، ثم تعدكم لنارها المقدسة

لكي تصيروا خبزاً مقدساً يقرّب على مائدة الرب المقدّسة

المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها

المحبة لا تملك شيئاً، ولا تريد أن يملكها أحد، لأن المحبة مكتفية بالمحبة"

 

وحين تسأله العرّافة عن رأيه في الزواج يجيب:

"قد ولدتم معاً، وستظلون معاً للأبد

وستكونون معاً عندما تبدد أيامكم أجنحة الموت البيضاء

أجل، وستكونون معاً حتى في سكون تذكارات الله

ولكن فليكن بين وجودكم معاً فسحات تفصلكم عن بعض، حتى ترقص أرياح السماوات بينكم

أحبوا بعضكم بعضاً، ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود، بل لتكن المحبة بحراً متموجاً بين شواطئ نفوسكم

ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه، ولكن لا تشربوا من كأس واحدة

أعطوا من خبزكم كل واحد لرفيقه، ولكن لا تأكلوا من الرغيف الواحد

غنوا وارقصوا معاً، وكونوا فرحين أبداً، ولكن فليكن كل واحد منكم وحده

كما أن أوتار القيثارة يقوم كل وتر منها وحده، لكنها جميعاً تخرج نغماً واحداً"

 

ثم تدنو منه امرأة تحمل طفلها وتطلب منه أن يحدثها عن الأبناء فيقول:

"أولادكم ليسوا ملككم

إنهم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم

ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم

أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارأً خاصةً بهم

وفي طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادكم، ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم

فهي تقطن في مسكن الغد، الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم

وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم، ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم

لأن الحياة لا ترجع إلى الوراء، ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس

أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم

فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهاية، فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى

لذلك، فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة

لأنه، كما يحب السهم الذي يطير من قوسه، هكذا يحب القوس الذي يثبت بين يديه"

 

وعندما يأتيه رجل غني يطلب منه الحديث عن العطاء يقول:

"من الناس من يعطون بفرح، وفرحهم مكافأة لهم

ومنهم من يعطون بألم، وألمهم تطهير لهم

وهنالك الذين يعطون دون أن يكابدوا ألما، أو يطلبوا فرحاً

ولا يرغبون في إذاعة فضائلهم

هؤلاء يعطون ما عندهم كما يعطي الريحان عبيره العطر في ذلك الوادي

بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله، ومن خلال عيونهم يبتسم على الأرض"

 

أما الألم فيراه (المصطفى) من زاوية مختلفة حين يقول:

"إن ما تشعرون به من الألم هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم وكما أن القشرة الصلدة التي تحجب الثمرة يجب أن تتحطم حتى يبرز قلبها من ظلمة الأرض إلى نور الشمس، هكذا أنتم أيضاً، يجب أن تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة، لأنكم لو استطعتم أن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل والدهشة، لما كنتم ترون آلامكم أقل غرابة من أفراحكم"

 

كما يربط اللذة بالعطاء في مفهوم غاية في الإنسانية وهو يقول:

"أجل، إن جسدك هو قيثارة نفسك، وأنت وحدك تستطيع أن تخرج منها أنغاماً فتانة أو أصواتاً مشوشة مضطربة ولعلك تسأل في قلبك قائلا: كيف نستطيع أن نميز بين الصالح والشرير من اللذات؟ اذهب إلى الحقول والبساتين وهناك تتعلم أن لذة النحلة قائمة في امتصاص الرحيق من الزهرة وكذلك لذة الزهرة أن تقدم عسلها للنحلة، فالنحلة تعتقد أن الزهرة ينبوع الحياة، والزهرة تؤمن بأن النحلة هي رسول المحبة، والنحلة والزهرة كلتاهما تعتقدان أن اقتبال اللذة وتقديمها حاجتان لا بد منهما وافتتان لا غنى للحياة عنه"

 

هذه الفلسفة العميقة التي سطرها جبران خليل جبران بأسلوب موسيقي طافح بالعواطف الجيّاشة والعبارات المشرقة والتصوير الأخاذ، جعلت منه ـ كما عرّفه حنّا الفاخوري ـ "عبقرية خالدة تخطت حدود المكان والزمان، وكان لها تحت كل كوكب مملكة وسلطان، نطقت بالكلمة فرددها الكون بكل لغة ولسان"، ولذلك "ظل بعد رحليه يشغل الناس بأدبه وفنّه كما كان يشغلهم في حضوره"، والكلام هنا لجميل جبر الذي أضاف أن "الآداب العربية لم تعرف أديباً كان له الأثر الذي لجبران، إذ إنه فاصل تاريخي حاسم بين التقليد والتجديد، انطوى بوجوده عهد وبدأ عهد".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة