الإمارات التي لم تُبق على صديق

بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني فإن محاولة انقلابية حدثت في الإمارات في عام 2011، قام بها الأمير حمدان بن زايد ولكنها فشلت، وكان الأمير يرغب في تحويل النظام الاستبدادي الفردي إلى ملكية دستورية، وتم نفي الأمير حمدان في الصحراء ولا يعلم مصيره الآن، فهل كانت محاولة الانقلاب هذه دافعا لسلوك الإمارات خلال العشر سنوات الماضية؟

 

بعد اندلاع ثورات الربيع العربي سلكت الإمارات سلوكا عدائيا للشعوب الثائرة والطامحة للحرية ووقف نزيف نهب ثرواتها من قبل وكيل المستعمر والمتزيي بزي أبناء جلدتها، من أجل الخروج من حالة الفقر والجهل والمرض الذي أورثها المستعمر للعسكر القابضين على مقاليد الحكم في هذه البلاد، فكانت الإمارات ظهيرا ومعينا لمستبدي دول الربيع العربي ضد شعوبهم، ولم تترك بلدا هبت فيه الشعوب إلا وعملت على وأد هذه الانتفاضة، لكن الغريب أن بلادا لم تشهد ثورات ذاقت من مرارة كأس المكائد الإماراتية.

 

في مصر مولت الإمارات الانقلاب العسكري على الرئيس المدني المنتخب، ودعمت تثبيت الانقلاب بما يزيد عن سبعة مليارات دولار، دعما مباشرا أو من خلال توريد المحروقات، وسيطرت في المقابل إلى حد كبير على الاقتصاد المصري بمشاريع إستراتيجية يمكن أن تشل الاقتصاد إذا ما انسحبت منها، وجعلت من النظام المصري تابعا بعد أن كانت مصر قائدة في المنطقة، وورطت النظام المصري في الأزمة الليبية مقابل عمولات بيع السلاح والجنود، وفي حربها ضد الشعب المصري مولت سد النهضة نكاية في الثورة والشعب.

في اليمن مولت الإمارات انقلاب الحوثيين ودفعت، بحسب مراقبين، اثنين مليار دولار لتنفيذ المهمة، وكان ثمن الانقلاب قتل ما يزيد على المائة ألف مواطن يمني، وفي جنوب اليمن أنشأت مليشيات مسلحة ونخب أمنية الهدف منها التمرد على الحكومة الشرعية، فنفذت اغتيالات لقيادات وسياسيين ونخب وعقول يمنية فذة لتحرم اليمن من ذخيرتها البشرية نحو الغد، وصولا إلى المشروع الأكبر لتقسيم اليمن وهو ما ينفذه المجلس الانتقالي الانفصالي المدعوم عسكريا وسياسيا وإعلاميا من أبو ظبي الآن.

 

وفي السودان دعمت الإمارات الدكتاتور عمر البشير في بداية الثورة، قبل أن تتخلى عنه لصناعة نموذج مصري في السودان، بحكومة يسيطر عليها اليسار ويحكمها العسكر الذين ردوا الجميل ويتركون الإمارات تنهب ذهبهم الآن بحسب صحيفة الجارديان البريطانية، وقد تكون السودان المطلة على البحر الأحمر وجارة إثيوبيا أقرب لمشروع خريطة الإمارات المأمولة، لكن ليبيا المطلة على البحر المتوسط كان لها أيضا نصيب من تدخلات الإمارات فاستجلبوا لها جنرالا متقاعدا يعيش في أمريكا وقدّموا له الأموال والتي قدرها البعض بــ 10 مليار دولار، وزاد البعض، من أجل تنفيذ مخطط الانقلاب على الثورة، كما استأجروا له المرتزقة من روسيا وفرنسا ومن الجونجويد وتشاد، بعد أن جَهد جُهد العسكريين المصريين وطائراتهم، ما خلف قرابة الخمسين ألف ضحية من المدنيين أغلبهم.

 

وليس بعيدا عن ليبيا وفي الجوار، وبما أن الإمارات حاضرة، كان لزاما أن يكون لتونس نصيب من التدخل الإماراتي، وهو ما كشفه حساب "مجتهد" السعودي على تويتر، تدور فصوله الآن لإنهاء حلم الثورة التونسية. وفي سوريا كان الحضور المخابراتي للإمارات قويا، وفي ظل الوضع المادي للفصائل استطاعت الإمارات الاختراق، حتى تحول سلاح الثوار إلى صدور بعضهم، وفي المقابل كانت الإمارات تفتح مطاراتها لأسر قيادات النظام السوري ومعهم مليارات الشعب لتبيضها، بعد أن أصبحت كل من أبوظبي ودبي أحد المراكز المهمة في العالم لغسل الأموال، وبأموال السوريين ساهمت الإمارات في قتل ما يقارب النصف مليون شهيد والمليون جريح وتشريد ما يقارب الــ 6 ملايين مواطن.

 

وبالقرب من سوريا، كان لتركيا نصيب آخر من تلك المكائد، فكان لزاما ضرب الحاضنة والملاذ الأخير لثوار الربيع العربي، فبرغم عدم التدخل المباشر من تركيا لمساندة الثورات في مواجهة الانقلابات، إلا أن فتحها الباب أمام الفارين من قمع الانقلابات التي مولتها الإمارات كان كفيلا لضرب محور مهم كان يخطط له من قبل مصر وتركيا والسعودية في طرف وإيران في طرف آخر، فكانت أحداث جازي بارك، ثم محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 والضربات الاقتصادية المستمرة بالاشتراك مع السعودية بسحب الاستثمارات والأموال الساخنة، لإسقاط الإدارة التركية، بعد أن مولت الانفصاليين الأكراد في كل من سوريا وتركيا لتقسيم تركيا وإضعافها.

ولم تسلم قضية العرب والمسلمين المركزية، فلسطين، من كيد الإمارات، بدأت منذ سنين وكان أشهره تسهيل عمل فريق الموساد الذي اغتيال محمود المبحوح أحد كوادر حركة حماس في أحد فنادق دبي، بعد ان أصيح التنسيق حثيثا وبعد أن أصبحت أبو ظبي مقرا لإقامة محمد دحلان الذي أصبح مستشارا لابن زايد، ولعل فضيحة شراء إماراتيين لعقارات في القدس الشرقية لإعادة بيعها للإسرائيليين كاشفة لنوايا الإمارات وسياستها تجاه القضية والمسجد الأقصى، قبل حتى أن تدعم صفقة القرن في العامين الأخيرين.

 

وفي محيطها الخليجي، لم ترض الإمارات أن ترى مجلس التعاون الخليجي وهو يكبر وينضج فأبت إلا أن تهدمه في وقت يسعى العالم للوحدة، فكان عبثها في عمان، بزرع جواسيس لتدبير انقلاب فشل وأحدث من بعده قطيعة في عهد السلطان قابوس قبل أن يزور ابن زايد السلطنة ويقدم واجب العزاء ويستقبله السلطان الجديد، وفي قطر دفعت الإمارات السعودية والبحرين، ومعهم النظام في مصر إلى حصار الجارة وعضو مجلس التعاون الخليجي، قبل أن يكشف عن خطة لقلب نظام الحكم في الإمارة الصغيرة، لولا رفض أمريكا وتصدي تركيا، وسجل الإمارات طويل في الوقوف في وجه الثورات وحركات التحرر أو الوقوف مع العدو في وجه المسلمين سواء في إفريقيا أو أسيا والأمثلة كثيرة، وقد طال المقال عليكم، ليبقى السؤال لماذا تنتهج الإمارات هذه السياسة؟

 

الإمارات دولة وظيفية، وصغيرة وتريد أن يكون لها دور محوري في القضايا الإقليمية لتكتسب مكانة أكبر من ناحية، ولتأمين بقاء حكامها من ناحية أخرى، ولعل ما بدأنا به المقال من محاولة الثورة على نظام الحكم شكل دافعا أكبر لنهج هذه السياسة، كما أن الإمارات التي تقود مسيرة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، ترى أن واحدة من أسباب البقاء هو الدوران في فلك ذلك الفلك لإرضاء أباطرة المال والسياسة والإعلام، ومن ثم اختارت الإمارات أن تلعب دور دولة الخنجر بضرب أي تجمع إقليمي وهز صورة قيادته وإزاحته لصالح دول كبرى، أو حتى دول وسيطة تطمح بإيعاز من الدول الكبرى أن تكون هي الفاعل الرئيسي في المنطقة، كما هو الحال بالنسبة للكيان الإسرائيلي، وأهم هاجس للكيان الإسرائيلي هو الإسلام السياسي الذي يشكل العدو الحقيقي بعد أن تأكد رخاوة الدولة القومية في مواجهة الكيان المحتل، ولعل الأيام ستثبت أن الأموال والمكائد مهما حققت من نجاحات فستظل وقتية وستظل الشعوب هي الأبقى، والتاريخ لا ينسى.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة