هل من المسموح أن يكون لبنان محايداً؟

رغم الأزمات التي تعصف بلبنان، وجد اللبنانيون متسعاً من "فضاوة البال" كي يختلفوا حول الدعوة التي أطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لوقوف لبنان على الحياد، وأن ينأى بنفسه عن المحاور المتخاصمة، باعتبار الحياد مصلحة للبنان واللبنانيين. وعِوض أن تكون دعوة البطريرك مناسبة للنقاش والحوار، تحوّلت لقضية جديدة للخلاف بين اللبنانيين، خاصة أن ما فهمه البعض من دعوة البطريرك هي إشارة ضمنية لانتقاد تدخل حزب الله في حروب وأزمات خارج لبنان، ووقوفه إلى جانب المحور الذي تقوده إيران في المنطقة. هذا الفهم استتبع انقساماً بين اللبنانيين، بين من هو عارض دعوة البطريرك الماروني لأنها لاتناسب حزب الله، وبين من أيّد الدعوة ليس بالضرورة قناعة بها بل نكاية بالحزب ومن معه.

 

بعيداً عن الانقسام السياسي المؤيّد والمعارض لدعوة البطريرك الراعي، يبقى الوقوف على الحياد فكرة تستحق التوقف والنقاش بمعزل عن الخلفيات والدوافع. فهل فعلاً من مصلحة لبنان التزام سياسة الحياد، ثم هل بإمكان لبنان التزام سياسة الحياد اذا قرر أبناؤه ذلك، وهل من المسموح للبنان أن يكون محايداً، والأهم من كل ما سبق هل يريد اللبنانيون أن يكونوا على الحياد إذا أتيح لهم ذلك؟!.

 

من حيث المبدأ، كل دولة صغيرة لا تملك مقومات بشرية وجغرافية وعسكرية واقتصادية مثل لبنان من مصلحتها الوقوف على الحياد وعدم الانخراط في سياسة المحاور والخصومات التي تخوضها الدول الكبرى التي تسعى للتوسع والتدخل في بلدان أخرى. فانخراط الدول الصغيرة في المحاور المتخاصمة يجعلها طرفاً في أي نزاع، وعلى الأرجح ستكون هذه الدول حلبة للمواجهة بين الدول الكبرى التي تحرص على إبقاء أرضها بعيدة عن المواجهة مع الآخرين. لذلك، منذ نشأ لبنان كان ساحة لتصفية الحسابات وصندوق بريد لكل من أراد توجيه رسالة.

فهل يتخلى النظام السوري عن نفوذه في لبنان الذي يشكل حديقته الخلفية، وهل تسمح الولايات المتحدة ومعها "إسرائيل" أن يتحول لبنان إلى محطة لإيران على حدود فلسطين المحتلة دون أن تحرك ساكناً. في المقابل هل يمكن لإيران أن تقبل بنفوذ أميركي وإسرائيلي في بلد تملك فيه طهران نفوذاً هو الأكبر خارج الأراضي الإيرانية. جميع الدول التي تملك نفوذاً في لبنان لن تسمح بأن يكون على الحياد، فهي لطالما استغلته واستفادت منه وجعلته كيس رمل يصدّ عنها الضربات حين تحصل. لكن على فرض أن العالم انشغل بنفسه، وبات الأمر بيد اللبنانيين دون غيرهم، هل يريدون لبلدهم الحياد، أم أن سياسة الانتماء للمحاور والدول الخارجية قناعة راسخة لدى اللبنانيين؟

 

لا يحتاج الأمر لكثير تدقيق لاكتشاف بأن الارتماء في سياسة المحاور والتبعية للخارج رغبة لبنانية داخلية. قد تكون الدول الكبرى تعزّز هذه الرغبة وتدعمها، لكن الأكيد أنها ليست مفروضة جبراً على اللبنانيين. فمن المسلّم به أن فريقاً من اللبنانيين لايجد ضيراً من تأمين مصالح إيران والعمل من أجلها، ولو أدى ذلك لإحراق البلد. وفريق آخر يحترف الارتماء في أحضان الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية، لكن الطرفين نسوا أن المواجهة بين المحورين المتخاصميْن لا تدور أحداثها على أرض واشنطن ولا باريس ولا الرياض، بل على أرض لبنان وسيدفع شعبه ثمن هذه المواجهة.

 

قد تكون دعوة البطريرك الماروني للحياد بريئة، لكنها بكل أسف غير قابلة للتطبيق.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة