تجاوز من وما يؤذيك

هل جَرَّبْتَ أن تَتَجاوزَ ما يَضِيقُ به صدرُك بالبَوحِ أم جَرَّبْتَ تجاوزه بالكِتْمانَ؟ أَيُّهُما أَنْجَعُ؟ هل يعني التّجاوزُ ألّا يَضِيقَ صدرُك اعْتِمالًا بِشَيءٍ من الأساس؟ وهل يعني التّجاوزُ أن تَسْتَمِرّ من حيث بدأْتَ غير آبِهٍ بالعَثَرات، بل مُتَجاوِزًا إيَّاها وكَأَنَّكَ لم تَرَها! هل جَرَّبْتَ أن تَصَمَّ آذانَكَ عن صَوتٍ يَصْدَحُ في روحِك تائِقًا مُتَلَهِّفًا مُشْتاقًا؟ وهل عايَنْتَ مَعْنى أنْ يَنْدى القلبُ خائِبًا مَخْذولًا؟ وأن ترى الرُّوحَ كَلْمى أو مَهِيضِةَ الجَناح من كَلِمَةٍ أو كَسْر؟

 

هل جَرّبْتَ أن تُديرَ وَجْهكَ عن الحَرفِ الثَّائِرِ في مِرْآةِ نَفْسِك؟ هل عرفْتَ مَعْنى أنْ تلْجُمَ نفسَكَ عن إِلْقاءِ النَّظْرَةِ الأخيرةِ؟  وعن الحَرْفِ الأخيرِ المَسْبوقِ بِنُقطةٍ وَصَلَتْ إلى مُنْتَهاها الأَثِير؟ هل عايَنْتَ مَعْنى الهُروبِ ممَّا يَستقرُّ في أَعْماقِكَ ويُلاحِقُكَ أَينما يَمَّمْتَ بِرُوحِك؟ وهل حاولت جاهدًا حَبْسَ النَّفَسِ وكَبْحَ جِماحِ الفُؤادِ وابْتِلاعَ الحَرْفِ المُزَخْرَفِ بالآهِ العاثِرة؟ هل خَبُرْتَ قَصْمَ ظَهْرِ الكلمةِ بالصَّمتِ، وإِرْواءَ عَطَشِها بالحِرْمان؟  وهل صَمَمْتَ السَّمْعَ عن لَهْفَةِ الحقيقةِ الصَّادِحةِ في حَنايا رُوحِك؟ وهل صُرعْتَ باغتيال الشَّغَفِ بِبَتْرِ الوِصال؟

 

هل أَعْمَيتَ بَصرَكَ يومًا عمّا يَشْرَئِبُّ القلبُ لِتَنَشُّقِ عَبيرِ مَرْآه؟ وهل أَغْرَقْتَ الحكايا بشُموعٍ ذابَتْ من مُقَلِ اليَرَاع؟ إنْ فَعَلْتَ بعضًا من ذلك وبَقيتَ شامخًا راسخًا مُنتصِبًا على قَدَميكَ قادرًا على النّظر في مرآتك نظرةً تشعُّ بالحُنُوّ وتتلوّن بالقبول، وإن بَقيتَ قادرًا على مَنْحِ نَفْسِكَ ابتسامةً لطيفةً تَلوحُ من أعماقِك وتَرسمُ الوُدّ وتُثْبِتُ بها نجاحَكَ بالعُبورِ فوق المَطَبّاتِ النَّفْسيّةِ؛ قَلْبِيّة وروحِيّة كانت أو فِكريّة وعَقليّة.. إنْ فعلتَ فهنيئًا لك… إنَّه التّجاوز!

كثيرًا ما نَمُرّ بأيامٍ تَخْدِشُنا فيها نَسائمُ عابرةٌ، قد تُؤذينا رِقّتُها، وقد تَعْصِفُ بنا بِقُوّتِها وشِدّتها، قد نَقِفُ طويلًا عند حَرْفٍ شارِدٍ، أو كلمةٍ عابِثةٍ، أو وَجْهٍ ساحِر، أو لَحْنٍ شَجِيّ، بعض الأيام تَغْدو أشخاصًا بِلَبُوسِ الزّمن، حتى إنِّك تَحار في التّمييز بين تاريخ اللّقاء وماهِيّةِ أولئك الذين شَغَلوا مساحةَ المكان والزَّمان… هل كانت أيامًا مُلوّنةً بالأرواح، أم كانت أَنْسامًا تَلْتَفِحُ بالأيّام؟

 

أيًا يكن سَتَصِلُ في النّهاية إلى نتيجةٍ مَفادُها أنّ الأشخاصَ من حَولِنا هم الأيَّام بِحُلْوِها ومُرِّها، وجَمالِها وعُذوبتها، وشِدّتها وثِقَلها، وطُولها وقِصرها، ورُسوخِها وانْقِضائِها… بِكُلّ ما فيها… لم يَبقَ في ذاكرَتِكَ منها إلا وُجوهُهم العابِرة في سبيلٍ مَهّدتَه لهم بِيَديك، أو كان لِلْقَدرِ سُلطانٌ أكبر من اخْتِيارِكَ لِفَتْحِ الأبوابِ في وُجوهِهم، وبين الزَّمنِ والذِّكرى سَتتَراءَى لك الوُجوهُ التي زَيّنتْ أيامًا من حياتك، والوُجوه التي جَعَلتْها ضَيّقة حَرِجة… ومَناطُ سَلامِكَ النَّفْسِيّ هو قُدرَتُكَ على التَّجاوُزِ… تَجاوُزِ الزَّمنِ وتَجاوز الذِّكرى، والأَهَمّ من ذلك تَجاوز الأشخاص وما تَرَكوهُ في نَفْسِك من آثار.

 

حِفاظُكَ على سَلامِكَ النَّفْسِيّ هو مَعْركَتُك الحقيقيّة في هذه الحياة، فهو ما يَضْمَنُ لك وُضوحَ الرُّؤية، وانْكِشافَ غَمامِ النّفسِ، وجَلاءَ وَطْأَةِ الآخرين وآثارِهم في الحُضورِ أو الغِياب. تَجاوَزْ ما يُؤذيك بالتّرْكِ والزّهدِ والتَّخلّي، وتَجاوَز مَنْ يَؤذيك بالبُعْد والعَفْوِ والسّلام، سامِحْ لِتَتَجاوَز، لكنْ لا تنسَ الأذى، فالرّوحُ إنْ خُدِشَتْ عُلِّقَ جُرْحُها في سَماءِ نفسِكَ أبدًا.

 

تَجاوَزْ أولئكَ المُحْبِطينَ المُثَبّطِينَ عند كلِّ مُفْتَرَق، وتَجاوَز الحاسِدينَ عند كلِّ إِنْجازٍ أو نَجاح، وتَجاوز السّاخِرين عند كُلّ شَغَفٍ يَتَطايَرُ شَرارُه من عَينَي رَغَباتِكَ أو طُموحك، تَجاوز العابِرينَ العابِثِين، والعابِريِن التّائِهين، والعابِرين المُقِيمين، والعابِرين حَقًّا والعابِرين زَعْمًا… تَجَاوَزْهم بِشُمُوخِ النَّفْسِ وهَدْأَتِها، وسُكونِ الرُّوحِ وقَمْأَتِها، وثَباتِ جَنانِكَ في صَدْرِك، ولَحْنِ كَلامِكَ في وَجْدِك، كُنْ ذاك المارِدَ الذي يَتجاوَزُ الزّمانَ والمكانَ والأشخاصَ والوُجُوهَ لِيُحلّقَ بأحلامِك بعيدًا عن كلِّ ما ومَنْ يُؤذيك.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة