الدكتور أديب جعيتاني.. من أبرز أعلام الجالية اللبنانية في البرازيل!

تعود هجرة عرب بلاد الشام إلى البرازيل إلى أواخر القرن التاسع عشر للميلاد. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، برز أعلام كثيرون من أبناء اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين في البرازيل في كافة المجالات. من السياسة إلى الأعمال فالعلوم والآداب والمهن الحرة. لمعت أسماء عربية كثيرة في شتى الحقول في أكبر بلدان أمريكا اللاتينية. ولم يكن مجال الطب استثناء في هذا المضمار، فبرزت عدة اسماء عربية بين كبار الأطباء والجراحين من كافة الاختصاصات الطبية والجراحية. من بين هؤلاء، وربما الاسم الألمع بينهم جميعا، الدكتور أديب جعيتاني الذي نال شهرة واعترافا واسعين في البرازيل وفي العالم أجمع.

 

وُلِدَ الدكتور أديب جعيتاني في العام ١٩٢٩ في ولاية آكري في شمال غرب البرازيل، في منطقة أدغال الأمازون، لأبوين مهاجرين من لبنان، من قرية بيت ملات بقضاء عكّار تحديدا. وعبارة "بيت ملات" هي عبارة سريانية تعني "بيت الملّة" أو "بيت الكلمة"، فالسريانية هي اللغة التي استخدمت في تسمية الكثير من القرى والبلدات اللبنانية، على غرار مسقط رأس والدَيْ طبيبنا العظيم. واستقرّ المقام بوالدَيْ الدكتور جعيتاني في ولاية آكري الأمازونية، حيث غابات المطاط الكثيفة، وحيث كان يعمل والد الدكتور جعيتاني في التجارة مع منتجي المطاط. أصيب الوالد اللبناني المهاجر بالحمّى الصفراء، وهو وباء فيروسي موجود في منطقة الأمازون حتى يومنا هذا، فلقي حتفه بهذا الداء وترك ولده، الذي صار من أعظم وأشهر الأطباء لما بلغ أشدّه، تركه يتيما يبلغ سنتين من العمر، مع أمه وثلاثة إخوة.

 

انتقلت العائلة إلى ولاية ميناس جيرايس في جنوبي شرق البلاد بعد وفاة الوالد المعيل. هناك برز شغف الفتى أديب جعيتاني بمادة الرياضيات وتفوقه فيها، فقرر الذهاب إلى مدينة ساو باولو جنوبًا لدراسة الهندسة. وفي ساو باولو، قرر الفتى عاشق الرياضيات أن يغيّر اختصاصه، فاختار الطب مجالا لاختصاصه ودراسته الجامعية، على أن يعود، بعد تخرجه، إلى مسقط رأسه في ولاية آكري شمالا، لممارسة مهنة الطب هناك.

بدأ الشاب جعيتاني دراسته في كلية الطب التابعة لجامعة ساو باولو، في المدينة التي تحمل نفس الإسم، ولم يكن قد قرر بعد أي مجال سوف يختار لتخصصه الطبي. وكان أن تعرف، في جامعة ساو باولو، إلى البروفسور زربيني، أبرز جراحي القلب في البرازيل في حينها (الخمسينات من القرن العشرين)، وسرعان ما نشأت علاقة متينة وقوية بين الطالب النجيب والأستاذ النحرير الشهير. فجاء خيار جراحة القلب خيارا عفويًا وطبيعيا تكلل بواحدة من ألمع السِيَر المهنية الطبية في تاريخ البرازيل.

 

مسيرة الدكتور أديب جعيتاني العلمية والمهنية حافلة بالكثير من الإنجازات والابتكارات والإبداعات، ولديه اختراعات مسجلة باسمه. مجال عمله الذي شهد أعظم ابتكاراته الطبية هو في جراحة التشوهات الخلقية في القلب وأوعيته لدى الأطفال. فهو ابتكر عملية جراحية صارت تسمى، على مستوى العالم، "عملية جعيتاني"، وهي عبارة عن عملية جراحية لتصحيح تشوّه خلقي في أوعية القلب الكبرى، وكان اول جراح في التاريخ يبتكر ويجري هذه العملية بنجاح في العالم بأسره. ومن ابتكاراته الفريدة أيضا تطوير اجهزة الدورة الدموية التي تستخدم في عمليات القلب. كما أنه كان أول جراح في تاريخ البرازيل (في العام ١٩٦٩) يجري بنجاح عملية القلب المفتوح المعروفة ب"جسر الوريد الصافن"، التي يخضع لها ضحايا جلطات الشرايين التاجية التي تغذي عضلات القلب.

 

في رصيد الدكتور جعيتاني زهاء ٢٠ ألف عملية جراحية، على امتداد حياته المديدة والمثمرة التي دامت ٨٥ عاما. وقد ألّف زهاء ٨٠٠ مقالة طبية علمية، نشرت جميعها في المجلات الطبية المختصة. وقد ورث عن استاذه البروفسور زربيني الكرسي الأساسية لجراحة القلب في كلية طب جامعة ساو باولو. وقد تمّ هذا الأمر على الرغم من افتقاد الدكتور جعيتاني للدرجات العلمية الأكاديمية الرسمية (ماستر ودكتوراه) التي يتطلبها تبوؤ مركز علمي مرموق كهذا المركز. وقد استعاض عن الألقاب العلمية الرسمية بإنجازاته الفذة وإبداعاته الفريدة وإسهاماته الهامّة في الطب، فكان أن منحته جامعة ساو باولو الكرسي العلمية التي شغلها البروفسور زربيني.

دخل الدكتور جعيتاني عالم السياسة بعد أن صار طبيبا وجراحا وعالما له مكانته المرموقة وموقعه السامي، على مستوى البرازيل والعالم. فقد تولى مناصب عدة في مديريات الصحة التابعة لولاية ساو باولو، وعُيِّن أيضا وزيرا للصحة مرتين في الحكومة الإتحادية المركزية. وكانت أبرز وأهم مشاركة سياسية للدكتور جعيتاني في تسعينات القرن المنصرم، عندما تولى منصب وزارة الصحة في حكومة الرئيس فرناندو أنريكي كاردوزو. أبلى الدكتور جعيتاني بلاء حسنا في فترة توليه وزارة الصحة، والتي قاربت السنتين، قدم في نهايتها استقالته بعد نكث رئيس الجمهورية ووزير المال لوعودهم التي قطعوها له بتعهدهم بعدم المساس بميزانية وزارة الصحة. وكان من إنجازات وزارته ايجاد تمويل لوزارة الصحة عبر فرض ضريبة على جميع الصكوك المصرفية، بالإضافة إلى تطوير وتحسين القطاع الصحي في البرازيل وبناء الكثير من المستشفيات.

 

ساهم الدكتور جعيتاني بتنشئة وتخريج أجيال كاملة من الأطباء، وأشرف على تدريب الكثير من الأطباء المقيمين في جراحة القلب. وكان من المدافعين بشراسة عن جودة التعليم الطبي وعن الحفاظ على المستوى الأكاديمي العالي لكليات الطب. ففي هذا السياق عارض إنشاء كليات الطب التي تفتقر لأدنى مقومات الجودة ولا تهدف إلا إلى جني الأرباح من الطلاب. وكانت له اقتراحات عدة للحفاظ على كفاءة الأطباء ولتدريب الاطباء لمدى الحياة بمتابعة الجديد والحديث من التقنيات والمهارات والمعارف الطبية.

 

كان الدكتور جعيتاني مدافعا عن اخلاقيات المهنة ومناقبيتها، فمهنة الطب، بنظره، يجب أن تظل بمنأى عن منطق حضارة السوق، والسعي وراء الربح وجمع المال يجب ألا يتحكم بمسيرة الطبيب المهنية. مع انه كان يقول إن على الطبيب أن يكسب من عمله ما يتيح له العيش بكرامة ويقيه شر العوز والفاقة. وكانت حياته مثالا للإخلاص والتفاني والإتقان، وهذا كله لا يكون إلا بالمثابرة والجدّ والإجتهاد. وكان ينصح الأطباء الشباب وطالبي الطب بأن تكون لهم هوايات وبأن يسعوا للترويح عن أنفسهم، حتى يستطيعوا تحمل الإجهاد الذي تتطلبه مهنة الطب. فالدكتور جعيتاني كان في شبابه من هواة رياضة التجذيف في القوارب، وشارك في المسابقات الرياضية الجامعية في هذا المجال. وكان يقول ان الرياضة تهذّب الإرادة وتعلّم التواضع واحترام المنافسين والخصوم وتحضّ على الانضباط والجدّ والاجتهاد في كافة مناحي الحياة.

نرجو أن نكون قد أضأنا، في هذه العجالة على أهم نواحي حياة الدكتور جعيتاني، وأن نكون قد أوفينا هذا الرجل العظيم بعض حقه، وأن نكون قد ذكّرنا أن العربي يستطيع الإبداع إذا ما توفرت له الحرية وإذا ما أتيحت له الفرص. فالدكتور جعيتاني كان مثالا رائعا لنجاح وتفوّق المغترب اللبناني والعربي، وهو مفخرة من مفاخر البرازيليين ومعهم اللبنانيين وسائر العرب.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة