هل الشهادة الجامعية تنفي صفة الجهل عن صاحبها؟

ينتشر الجهل بين البشر جميعاً دون استثناء، ولكن بدرجات متفاوتة. وأزمة كورونا كشفت أنه مهما تقدمت العلوم تبقى قدراتنا محدودة على مواكبة كل جديد يطرأ على الحياة. فالتغير الهائل الذي حدث في العالم هو نتيجة الجهل بطبيعة هذا الفيروس وطريقة التعامل معه. ولكن بعد فهم هذه الأمور تدريجياً، انتقلت البشرية لمرحلة ما بعد الصدمة وبدأت العمل على احتواء هذه الأزمة.

 

والجاهل كلمة لا تعني بالضرورة أن الشخص غير متعلم أو غير حاصل على إجازة تعليمية أو تدريبية. كما أن كلمة "الجهل" هي توصيف مقيد وغير مطلق، بمعنى أن شخص ما جاهل في أمرٍ، أو في بعضه، لكنه على علم ودراية في أمور أخرى.

 

فعلى سبيل المثال؛ إن كان لدي ما يكفي من الخبرة في علاج ارتفاع ضغط الدم كونه يدخل في صلب الطب الباطني، إلا أنني في الوقت نفسه غير مؤهل كفاية لمعالجة أمراض شبكية العين، وقدرتي تقتصر فقط على معرفة بعض الأساسيات والخطوط العريضة في هذه الأمراض وإدراك وجود مشكلة بصرية تستدعي إحالة المريض لأخصائي طب العيون. وبالتالي فأنا جاهل! أي جاهل بهذا الأمر تحديدًا.

وإن كنت أعلم عن أمور الصحة والطب، لكنني وبكل تأكيد جاهلٌ تماماً في علوم أخرى لا علاقة لها بالطب كعلوم الفضاء والهندسة الإلكترونية وغيرها. وعندما نستخدم كلمة النبي "الأميّ"، فالمراد هنا هو الإشارة لمعجزة القرآن، التي نزلت على نبي لا يعرف القراءة والكتابة (بغض النظر عن التفسيرات الأخرى لكلمة أميّ). وبالقياس على الأمثلة السابقة؛ فالجهل هو توصيف لحالة معينة، وليس حكماً نطلقه على شخص أو جماعة.

 

وبالعودة لمثال أمراض الشبكية، فطبيب العيون لن يلوم الطبيب غير المختص بهذا الأمر لعدم معالجته للمرض. وبالقياس على هذا المثال، فالأمريكي الأبيض الذي لم يخرج من قوقعته، أو يخالط أناس مختلفين عنه، لا يمكن لومه على كراهيته ومعاداته للأعراق أو الأديان الأخرى بالإشارة لما يحدث من حالات الإسلاموفوبيا المنتشرة في أمريكا. فمصدر معلومات هذه الشخص هي أسرته، ودائرته الصغيرة، ووسائل الإعلام التي قد تغذي مشاعر الكراهية.

وبالانتقال إلى الناحية العملية للتعامل مع الجهل، يقسم البشر لثلاث أصناف:

– الجاهل المنفتح، هو الشخص المدرك لجهله، ولديه العقلية والرغبة بتعلم شيء جديد لم يكن يعرفه، لكن لم تتح له الفرص سابقاً.

– الجاهل الممانع، هو الشخص الغير معترف بجهله، والرافض لأي شكل من أشكال الانفتاح أو التعلم بالرغم من كل المحاولات. وقد يُفسر موقفه نتيجة لخوف لا شعوري من التغيير، فطبيعة الإنسان أساساً لا تميل إلى التغيير.

– الجاهل الظلامي، هو الشخص الذي يتبنى الجهل منهجاً، وقد يحارب ويمنع الأخرين من التعلم والاستنارة. وغالباً يعود ذلك إلى الخوف من فقدان السيطرة، أو أنه نابع من أفكار أصولية. ونجد أن هذه الحالة مترسخة أكثر في الدكتاتوريات أو التنظيمات الإيديولوجية. وأنا لست بصدد مناقشة هذه الحالة في هذا المقال.

وكون الجهل منتشر بيننا جميعا، فأغلب البشر موزعون ضمن ما هو منفتح أو ممانع بنسب مختلفة حسب القضية وحسب الشخص. فقد تجد شخص في حالة الجاهل المنفتح عندما يتعلق الأمر في تخصصه (كعلوم الحاسوب، الفيزياء….إلخ)، فتراه على اضطلاع مستمر على كل ما هو جديد في هذه العلوم، ولكنه يأخذ موقف الجاهل الممانع في الأمور الغير متعلقة بتخصصه، كفهمه للأديان الأخرى أو المثلية الجنسية على سبيل المثال. وبالمقابل، قد نجد أشخاص يتموضعون في أحد هذه الحالتين في أغلب أمور حياتهم. فهم دائما منفتحين لتعلم ما هو جديد، أو أنهم منغلقون تماماً ومنطوون على أنفسهم، يعتقدون أنهم توصلوا للحقيقة، ولا توجد حقيقة أخرى غير التي اكتسبوها سابقاً.

 

وتجدر الإشارة إلى أنه وبالرغم من تقدم العلوم وارتفاع نسب الخريجين الجامعين على مستوى العالم، فنحن معرضون في الوقت الحالي لأن نكون جاهلين (حسب مفهوم الجهل الذي شرحته في بداية المقال) أكثر من أي وقت مضى. والسبب هو التسارع الرهيب في تطور العلوم. فعلا سبيل المثال، إن كان الرجل السبعيني حاليا يعاني من صعوبة التأقلم على استخدام جهاز الموبايل الحديث والتنقل بين تطبيقاته، فالشاب الذي سيبلغ السبعين مستقبلا، يُتوقع أن يواجه أموراً أكثر تعقيداً. وكوننا نحن البشر في حالات تغير مستمر في حياتنا (عمل، سفر، زواج، أطفال…إلخ)، فنحن بحاجة مستمرة للانفتاح والتعلم للتأقلم مع هذه المتغيرات. فالحصول على الإجازة التعليمية ليست نهاية المطاف، ولا تؤدي بالضرورة لانتفاء صفة الجهل عن صاحبها. فوظيفة التعليم الجامعي هي تدريس أساسيات التخصصات. أما مهمة مراحل ما بعد التعليم الجامعي هي تجهيز وتزويد الطالب بالمهارات اللازمة ليكون في حالة متابعة مستمرة لكل ما هو جديد في التخصص.

 

يجب أن نعلم أنه مهما ارتفع شأن الإنسان وتقدم به العمر، فهو سيبقى بحاجة لاكتساب مهارات جديدة للتأقلم مع متغيرات الحياة. والحاجة للاستمرار في التعلم لا تقتصر على التخصص فقط، بل يجب أن تشمل فهمنا للحياة وكيفية تطوير علاقاتنا الإنسانية اليومية مع أنفسنا ومع غيرنا. لا أحد يملك كامل الحقيقة، والجهل ليس الداء، إنما الإصرار على الجهل هو المرض. طوبى لمن أدرك هذه الحقيقة، وسعى لتطوير نفسه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة