آخر مساء مع جدتي..

في ليلة حزينة مكتسية بالدموع، ليلة من تلك الليالي التي يتمنى الإنسان أن تكون يتيمة في حياته؛ ألا تكون مثلها أيّ ليلة أبداً لا في حياته ولا حياة من يحب ومن لا يحب، وقفت أتأمّل وجهها المكافح، كان يكافح بكل ما أوتي من قوة ليبقى على وجه الحياة، فقد كانت رئتها تجاهد لأخذ أكبر كمية ممكنة من الأكسجين، الأكسجين الذي نأخذه طيلة الوقت، دون أدنى جهد، دون استشعار لنعمة الحصول عليه، ذلك الأكسجين أصبح حصولها عليه صعباً للغاية، لم تكن مستيقظة، لكن لم يبد عليها أبداً أنّها كانت نائمة. كان قلبها مرهق لأقصى درجة، بدا ذلك جليّاً في حركته العنيفة، ينتفخ وينكمش بشدّة من تحت ضلوعها، وكأنّه يحاول كسر تلك الضلوع والهرب.

 

شيء ما يجذبها للبقاء على هذه الحياة، لابد وأنّه الفطرة؛ فقد فطرنا نحن البشر على إرادة الحياة مهما كان شكلها، فشكل الحياة التي كانت تعيشها لم يكن جميل، بقيت لفترة طويلة ممددة على السرير لا تفقه شيء مما حولها، ولا يوجد في حياتها أي صورة من صور الرفاهية، لقد نسيتنا جميعاً، غير أنّ أمي قد لاحظت في أحد أيامها سعادتها حين رأتها مقبلة إليها وكأنّها عرفتها؛ لا تستطيع تذكّر اسمها، ولا تذكر صلتها بها، لكن يبدو أنّ قلبها قد أخبرها بأنّ هذا شخص تحبه، شخص قد سكن أحشاءها يوماً ما.

 

تدهورَ وضعها الصحي السنوات الأخيرة تدريجياً فلم تغادر المنزل حتى إلى المستشفى، بل بقيت دون أن ترى نور الشمس سوى من خلال قبة المنزل الزجاجية، وقبل إصابتها بالجلطة الدموية بيوم رأيتها تبتسم لابنتي حين اقتربت منها وبدت وكأنّها تحاول إضحاكها، موقنة أنا أنّها لو مازالت بصحة جيّدة لرعتها بالنيابة عنّي، تماماً مثل ما قامت برعايتي أنا وإخوتي، وكم سهرت من ليالي أثناء مرضنا، محاولة تخفيف الأوجاع عنّا بوسائلها التقليدية ولمساتها الحانية، وعطفها اللّامحدود، لم تكن لتدع شيء مهما كان أن يؤذينا، بل كانت تحاول منذ صغرنا إبعاد كل ما قد يضرنا من الطريق، كانت لنا أم، أم لم تلدنا، لكنّها رعتنا منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى هذه الحياة. في أيام مرضها الطويلة تلك لم تبد بائسة بالرغم من خلو حياتها من أي نوع من أنواع الرفاهية، ربّما لم تعد تشعر بشيء أو تميّز شيء، جميلاً كان أو قبيحاً.

 

جلستُ تلك الليلة أمامها بعد منتصف الليل أنظر أمامي إلى جسد ضعيف، جسد متهالك، يتحمّل كمّاً لا طاقة له به من الآلام، كانت تحتضر، يحتفظ قلبها بجزء بسيط من الحياة. إنّه لمشهدٌ سيئٌ أن أقف بجانبها دون أن أستطيع أن أقدّم لها شيئاً، فلم يعد باستطاعتنا ولا باستطاعة الطبيب المساعدة في تحسين صحتها ولو بنسبة ضئيلة، حتى أن الطبيب قد قام قبلها بيومين أو ثلاثة بنزع الأنبوب الذي يحمل الغذاء إلى معدتها، فقد أصبح الطعام والشراب يؤذيها ويزيد من أوجاعها.

رحلت جدّتي، ورحل معها شيء منّى، رحل شيء من الأنا التي كُنت أقدّسها، وشيء آخر من حسن النية بالذات، والنظر إليها نظرة فخر. رحم الله جدتي وجميع موتى المسلمين، وغفر لي تقصيري معها، وأعانني على نفسي.

جدتي تلك التي رعتني منذ الطفولة، وقدّمت لي أكثر مما ينبغي أن تقدّمه الأم لأبنائها حين كَبُرَت وضَعُفَت وقفتُ أنا عاجزة أمامها، لا أتحدّث فقط عن لحظات احتضارها بل قبل ذلك أيضاً، أيّام مرضها؛ لم أقف بجانبها ولم أقدّم لها أيّ شيء، لقد كنت أركض خلف أبنائي، وكنت عديمة الجدوى، كنت لا أفقه كيف أتعامل مع الشيخوخة والخرف، ولم أتعلم ذلك، بل انشغلت أكثر بمواضيع التربية وكيف أهتم بأبنائي، وقفت أمامها في تلك الليلة ونظرت إليها ثمّ نظرت إلى نفسي وتذكّرت، بأنّ الأيام ستدور، وبأنني مثلما فعلت حين لم أرد لها ولو جزء بسيط من الجميل، ستدور الأيام، وسيتجاهل أبنائي يوماً ما طريقة التعامل معي والقيام على رعايتي. في تلك اللحظة أدركت قسوتنا نحن البشر، وسرعة نسيانا، وانجرارنا نحو ما يعود علينا بالنفع والفائدة المادية والدنيوية، وعدم إعطاء كل ذي حق حقه، طالما أننا لن نتلقى مردود مالي أو معنوي أو مردود بأي شكل من الأشكال.

 

كان واضحاً أنّها تعاني بداية إصابتها بالخرف من ضغوط نفسية، فقد بدت تنسى الأشخاص والأماكن، والمواقف، وتخلط بين هذا وذاك، تنام ثمّ تصحو لتجد نفسها في مكان تظنّه آخر، تبحث عن أشخاص وأشياء من الماضي، أشخاص وأشياء طواها الزمان، كانت تحتاج إلى دعم نفسي، إلى من يقف بجانبها في محنتها إلا أنّي لم أقوم بذلك، كان من الممكن أن أجري بحثاً عبر شبكة الانترنت عن طريقة تقديم الدعم النفسي لمن يمرّون بما تمر به، لكنّى لم أبحث، لقد نسيت! نسيت كمية الوقت الذي صرفته في رعايتي، وكمية الأذى الذي تحملته منّى، مثلما تتحمل الأم من أبنائها، نسيت كل ذلك، ولم يبق في قلبي سوى قسوة سببها حب الدنيا، والمشي إلى الأمام، دون أن أذكّر نفسي، أنّه ليس علينا في هذه الدنيا النظر إلى الأمام فقط، ففي بعض الأحيان نكون بحاجة إلى التوقف والنظر إلى الخلف، ففي ذلك الخلف ما يستحق التأمل والنظر، هناك أشياء كثيرة يتوجب علينا استرجاعها والتفكير فيها، لنعيد الرقّة والحياة إلى قلوبنا الميتة.

 

وفي بداية مساء اليوم التالي لذلك المساء الباكي، قرر قلبها بأمر من ربه أن يرقد بسلام، أن يتوقف عن الكفاح في هذه الحياة التي أمضى فيها سنين طويلة جداً لا يتوقف، لقد تعب في النهاية، بعد رحلة استغرقت ما يقارب المائة عام ولم يعد باستطاعته الحركة، لم يعد باستطاعته التمسّك بالحياة، فقد أدرك في النهاية أن الحركات العنيفة التي يقوم بها للبقاء باتت بدون جدوى، وحان موعد رحيله، فرحل.

 

لقد رحلت جدّتي، ورحل معها شيء منّى، رحل شيء من الأنا التي كُنت أقدّسها، وشيء آخر من حسن النية بالذات، والنظر إليها نظرة فخر. رحم الله جدتي وجميع موتى المسلمين، وغفر لي تقصيري معها، وأعانني على نفسي. اللهم اغفر لجدتي وارحمها واغفر وارحم لجميع موتى المسلمين والمسلمات، اللهم ارحمهم واعف عنهم، وعافهم وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وجازهم بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا. وارحمنا يا رب إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة