محاور معركة سد النهضة المتوقعة

خلال هذا الأسبوع تأكد بدء إثيوبيا ملء سد النهضة المثير للجدل، واعترف وزير الري الإثيوبي ببدء ملء السد نزولا على رغبة الشعب الإثيوبي الذي انتظر هذه اللحظة، على حد وصفه، وبعيدا عن السكوت المريب للنظام في مصر على هذه الخطوة، فقد أصبحت حالة الفقر المائي الذي كانت تشتكي من مصر ذكرى بعد أن أصبح الشح المائي هو واقع ستعيشه مصر خلال أيام، لاسيما وأن التقارير الواردة من السودان بعد يومين فقط من البدء في ملء السد أعلنت الخرطوم نقص منسوب النيل الأزرق بمعدل 90 مليون متر مكعب يومياً، ما يعني أننا أمام كارثة محققة بدأت في التدحرج نحو دول المصب، والعجيب أن إعلام النظام المصري ليداري على فشل قيادته السياسية يروج لأكاذيب إثيوبيا ونفيها البدء في الملء.

 

بعد أن أصبحت الكارثة أمرا واقعا، فإن على كل مصري أن يسعى لتقليل ضررها على الـ101 مليون الموهوبة حياتهم من قبل النيل، فنفي إثيوبيا أو حديثها عن العودة للمفاوضات، هو بمثابة نكتة تريد أن تكررها، وعلينا أن نضحك في كل مرة، حتى تستطيع أن تسرق ما تبقى من حياتنا، وقد أصبح من السخف أن نصدقها، ومن السخف أكثر تصديق من يدير هذا الملف الحيوي في مصر، ولكن بما أننا نعيش الأمر الواقع في حياتنا، فإننا علينا أن نتحمل وندفع ونضغط من أجل تحريك من بيده مفاتيح الحركة في قصر الاتحادية مجبرين.

 

وعلينا أن نخوض معارك متنوعة وبالتوازي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حصتنا المائية المتآكلة بفعل السد من جهة والزيادة السكانية المطردة من ناحية أخرى، وبادئ ذي بدء، فإن الحل الأمني الذي يعول عليه البعض في مصر هو خيار بائس، من حيث الشكل والمضمون، فلا الجيش الحالي يستطيع أن يحارب، ولا الموقع الجغرافي سيسمح له ولا دول جوار إثيوبيا في إفريقيا ولا حتى أسيا، التي تمول السد الآن، ستسمح بشن عملية عسكرية من داخل حدودها، فالمعطيات تغيرت، على المستويين الإقليمي والدولي، فلا أمريكا ستقبل الإضرار بإثيوبيا الحليف الأهم لها في القرن الإفريقي، ولا الصين ستقبل الإضرار باستثماراتها في السد، فالخيار العسكري أو المخابراتي بزعزعة الاستقرار أصبح خيارا مريضا في عقلية معلولة.

وخياراتنا السلمية سياسية وقانونية وتنموية، مبنية على الضغط بالأساس ومن خلال أطراف متعددة، فما كان البدء في ملء السد من الطرف الإثيوبي إلا ورقة ضغط تضاف إلى أوراقها المتعددة التي تجمعها على مدى السنوات التسع الماضية، والتي توجتها بالاتفاق الإطاري في 2015 والذي سحب أهم ورقة يمكن البناء عليها في هذه المعركة المصيرية.

المعركة السياسية

على المفاوض المصري أن يوقف المفاوضات مع الجانب الإثيوبي، ويستفيد من حالة التقارب النسبي مع الجانب السوداني في ذلك، وألا يسمح لأن تسحب إثيوبيا الطرف السوداني بعيدا عن مصر في هذه الفترة، وهو ما تعمل عليه إثيوبيا منذ فترة ليست بالقريبة، والتي كان من نتائجها توقيع الاتفاق الإطاري تحت وعود التنمية في الزراعة ومزيد من الكهرباء، وهنا على الإعلام المصري أن يوقف حالة استفزاز أخواننا في السودان سواء من خلال إعلاميهم أو من خلال ضيوفهم، فمن غير المقبول أبدا أن يصرح وزير ري سابق في مصر بأن (مشكلة سد النهضة أنه سيسمح للسودان بالزراعة موسمين في العام!)، فهذا إن لم يضر سياسيا بشكل مباشر يضر بشكل غير مباشر عبر الضغط الشعبي على المفاوض السوداني، وهو ما يصب بالنتيجة في مصلحة إثيوبيا وتواجه مصر مصيرها وحيدة، في ظل وجود قيادة سياسية في السودان تدفع باتجاه تمرير ملء السد وإتمام المهمة الإثيوبية، وأعني هنا رئيس الوزراء السوداني تحديدا، فعلى مصر أن تكشف إثيوبيا من خلال تحركات سياسية ودبلوماسية دءوبة للضغط على إثيوبيا والعودة إلى توقيتات ملء السد التي اتفق عليها كل من مصر والسودان، ورفضتها أديس أبابا.

المعركة القانونية

وفقا للقانون الدولي، فإن لدول المصب حقوقا تجاوزتها إثيوبيا من أول يوم، كحق الإشعار ببناء السد، وهو ما لم يحصل، الحق في التفاوض قبل البدء بالمشاريع، وهو أيضا ما لم يحصل، وشرعت إثيوبيا في البناء، والاعتراف بالمسؤولية المشتركة، وهو ما ترفضه إثيوبيا الآن، ومنع الأعمال التي تسبب أضرارا كبيرة، وهو الواقع الآن لما تعانيه مصر من فقر مائي زاده السد وحوله إلى شح مائي بحسابات المتخصصين، وتقديرات الزيادة السكانية، وذلك لأن إثيوبيا لم تحترم حق مصر والسودان في الاستخدام المعقول والمنصف في مياه النيل، وبدء إثيوبيا في ملء السد في شهر يوليو وقمة الفيضان في منتصف أغسطس، ما يؤكد تعمدها الإضرار بدول المصب، كما أن القانون الدولي يمنح الحق لدول المصب في تطوير وسائل حل المنازعات حول الموارد المائية، وهو ما تعاند إثيوبيا في تنفيذه والذهاب إليه، ما يعني أن معركتنا القانونية تحتاج هندرة للوصول إلى مكاسب تصب في النهاية في مصلحة قضيتنا العادلة، كورقة ضغط تعويضية عما فقد خلال السنوات الماضية.

مشروع نهر الكونغو، مشروع ضخم على الدول الأربع المستفيدة منه (الكونغو، وجنوب السودان، والسودان، ومصر) العمل عليه بشكل تكاملي فهو ليس فقط مشروع مد مياه بل هو مشروع تنمية متكاملة ومستدامة

المعركة الفنية

يبلغ الفقر المائي في مصر ما يقارب الــ40 مليار متر مكعب أو يزيد، تعوضه الحكومة بإعادة صب مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي في النيل مرة أخرى، ما يسبب أمراض الكبد والكلى والسرطانات التي تزايدت في مصر في الآونة الأخيرة، وتأتي المقترحات الفنية التي قدمتها اللجنة الفنية في وفد التفاوض المصري والمتمثلة في وجوب التكيف مع الظروف الهيدرولوجية، والتدفق السنوي، ومعدل ومستوى المياه الحرج في خزان السد العالي في مصر، وهي الخطة التي بموجبها يمكن الحفاظ على معدلات آمنة لتخزين المياه الإستراتيجية في بحيرة السد العالي، مطالب عادلة، تطلب فقط مزيدا من الوقت الذي راهن عليه الجانب الإثيوبي والذي قطعه بالشروع في ملء السد، ومن ضمن الحلول القديمة المتجددة الاستفادة من نهر الكونغو الذي تهدر جل مياهه، البالغة 1284 مليار متر مكعب، بدون استغلال لتصب في المحيط الأطلسي. هي فكرة مشروع ضخم يراد لها إرادة سياسية وشعبية لا تقل بأي حال من الأحوال كتلك التي جمع عليه عبد الناصر الشعب أثناء بناء السد العالي، لكن فقدان النظام لشرعيته يحول دون ذلك، وعلينا أيضا العمل على المياه الجوفية التي أكدت الدراسات غنى مصر بها.

معركة التكامل والربح للجميع

مشروع نهر الكونغو، مشروع ضخم على الدول الأربع المستفيدة منه (الكونغو، وجنوب السودان، والسودان، ومصر) العمل عليه بشكل تكاملي فهو ليس فقط مشروع مد مياه بل هو مشروع تنمية متكاملة ومستدامة إذا ما تم البدء فيه أو حتى الجلوس من أجل التخطيط له سيكون ورقة ضغط كبيرة على إثيوبيا التي تطمح في تصدير الكهرباء لشرق القارة وربط مشاريع التصدير لأسيا من خلال السعودية، فمشروع نهر الكونغو تنمية زراعية وحيوانية وتوليد للطاقة ومن ثم استثمارات مليارية ستجذب للمنطقة معها ملايين الأيدي العاملة، ومن هذا المشروع يمكن الحديث عن وجوب إحياء مبادرة حوض النيل، الموقعة باتفاقية في 1999 والتي تضم دول حوض النيل التسعة بالإضافة إلى إرتريا، بهدف تدعيم أواصر التعاون الإقليمي والتنمية المستدامة في الإقليم وهو ما يعني عودة مصر لريادة المنطقة مرة أخرى بعد أن أعطت لها ظهرها في ظل غباء سياسي استحكم، ويحاول تدوير نفسه من جديد، من خلال حلول عسكرية الغرض منها تعبئة شعبوية لكسب التفاف على حساب حياة شعب كبير أكثر من مئة مليون.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة