احتلال مكسور بالضم

Israeli Prime Minister Netanyahu holds a weekly cabinet meeting in Jerusalem

سياسة البلطجة والقوة وانتهاك القانون الدولي التي ينتهجها الإسرائيلي بدعم وتأييد البيت الأبيض وإدارته التجارية صاحبة الصفقات لم تعُد كسابق عهدها تُمرر بالكذب والخداع وتزوير الحقائق، لقد تكشفت نواياهم أخيراً للمجتمع الدولي الصامت طَوال سنوات الصراع  الطويلة على أمل حل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين بكل التفاصيل المعقدة التي أرهقتنا قبل غيرنا، ليُعلن هذا اليميني المتطرف الملاحق من قضاء دولته المزعومة بتهم الفساد نيته ضم 30% من أراضينا المحتلة عام 1967 تحت سيادته، ليقتل حلمنا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

 

غاب عن هذا الساذج قراءة التاريخ جيداً، فكم هي المؤامرة والصفقات التي تكسرت أمام صمود الشعب الفلسطيني، ألم تكن كافيه له ولمن يقف خلفه بالسر والعلن؟ ليعلم أن الحقوق لا تسقط بالتقادم وأن شعبنا ماضٍ في نضاله وكفاحه من أجل انتزاع حقوقه وحُريته التي كفلتها له كل الشرائع والقوانين الدولية، ظنَّ واهماً أن انفتاحه وتطبيعه مع بعض الدويلات الهشة قد يُمهد له الطريق للاستمرار بعنجهية ومراوغته للمجتمع الدولي وتصدير نفسه كرجل سلام.

 

لكنه اصطدم بموقف فلسطيني رسمي وفصائلي وشعبي مُوحد ضد هذا القرار مع اتخاذ قرارات جريئة وغير مسبوقة تقول له لقد بلغ السيل الزُبى، فما عاد شيئاً يُبكى عليه ولا شيء نخسره، ويُسجل للاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكل الدول التي زال لديها بعضاً من الضمير الإنساني مواقفها المعارضة لهذا القرار وعدم الاعتراف به إذا ما تم، وأمام هذا الحراك الدولي المُتصاعد والنقمة الواسعة على هذه الغطرسة، وبإيعاز من البيت الأبيض يتراجع الإسرائيلي عن قرار الضم بشكل مؤقت، ويتكسر الاحتلال بالضم ويظهر مرة أخرى بوجهه القبيح الذي نعرفه جيداً، وإن كانت النية مُبيته وموجودة لديه وفي عقله المشحون بالكراهية، لكنه بانتظار ظروف أكثر مُلائمة لتمرير هذا المُخطط.

وهنا نؤكد لهم وبدون أدنى شك أنه ومهما تغيَّرت الظُروف فالموقف الفلسطيني لن يتغير، حتى وإن قرر ونفذ الضم فهو وعلى الأقل أمام شعبنا لن يُساوي الحبر الذي يُكتب فيه، فهو قرار غير قانوني واحتلال جديد يضاف لسلسلة الانتهاكات والتعديات المُستمرة ولن يُعترف به مهما بلغت الضغوط سواء بالمقاطعة أو بتجميد المساعدات، بل أنه سيزيدنا قوه إلى قوتنا التي أساسها إرادتنا الصلبة وكرامتنا التي نعتز بها ولا نسمح لأي أحد أن ينال منها مهما بلغ من القوة والجبروت وليستعد الاحتلال لدفع الثمن.

 

في السابق كُنّا نتحدث عن احتلال عام 1948 واغتصاب فلسطين وقيام كيان على حساب الشعب الفلسطيني الذي تم طرده من أرضه، ثم احتلال عام 1967 والتهام ما تبقى من أراضينا وتشريد شعبنا المغلوب على أمره يستظل بخيمة اللجوء التي تعطفت هيئة الأُمم ومنحته إياها، والإسرائيلي يتحدث برواية مشروخة وباطلة عن ما يُسمى بحقه التاريخي في أرض الميعاد، والشرح وبالذات للغرب وللأجيال الجديدة من ساستهم كان مُعقداً بعض الشيء، ولكن وبفضل غبائهم يسروا لنا المُهمة فالرؤية أصبحت واضحة وضوح الشمس لا لبس فيها، كيان يتخذ قراراً بضم جُزء من أراضي مُحتله حسب القانون الدولي ويُعلن سيادته عليها، وكأن العالم غابة ومن حق القوي فيها أن يأكل ضعيفها دون حساب أو عِقاب، ولا أظن أن هناك عاقل وصاحب ضمير ومُنظر للحرية في هذا العالم سيقبل ذلك ويصطف إلى جانب الظالم في وجه المظلوم .

 

نقول للإسرائيلي وكلنا ثقة بأن العالم لم يعُد كما كان قبل سبعين عاماً فتدليسكُم لن ينطلي عليهم بعد الآن، وأن الشعب الفلسطيني أصبح أكثر قوة وتمسكاً بحقه ولديه الكثير من الأدوات المشروعة ليقلب الطاولة عليكم وعلى حُلفاؤكم المُطبعين الذين هُم بأمس الحاجة الآن للحفاظ على كراسيهم المهزوزة ولتغطية عوراتهم المفضوحة، فنحن لسنا شعباً على قارعة الطريق أو على هامش التاريخ ينهش فينا القريب والبعيد بل أننا كُنا ولا زلنا صُناعاً للتاريخ والحضارة.