وجهات النظر المتعددة في العلاقة بين الدين والعلم

أشار الدكتور طه عبد الرحمن إلى وجهات النظر المتعددة في العلاقة بين الدين والعلم، ورأى بأن المواقف انقسمت بشأن الصلة بين الدين والعلم إلى فرق ثلاث: فرقة ترى أن بين العلم والدين تناقضًا صريحا، وأخرى ترى أن بين العلم والدين تمايزا لا تناقضا، وثالثة ترى أن بين العلم والدين تباينا لا تناقضا (عبد الرحمن، 2007، ص38). وبهذا نكون أمام مواقف ثلاثة مختلفة، فالموقف الأول يرى بتناقض الدين والعلم، وهذا يجعل حضور أحدهما مبعدا للآخر، أما الموقف الثاني فيرى أن لكل من الدين والعلم مجاله، فلا يلتقيان ولا يتضادان فيتناقضان، وأما الموقف الثالث فهو القائل بتباين كل من الدين والعلم؛ وبالرغم من تناولهما المواضيع نفسها فإنهما يقاربانها بطرائق مختلفة ووجهات نظر مختلفة. فكيف ذلك؟ وما أساس هذه المواقف؟

الموقف الأول: أن بين العلم والدين تناقضًا صريحا.

ويرى طه عبد الرحمن ان الموقف الأول يتعلق بمن رأى أن هناك "تناقض صريح" بين بين العلم والدين. بل بالغ اصحاب هذا الموقف في التمسك بهذا التناقض، ولم تَرَ مخرجا منه لا بترجيح ولا بتفريق، بل جعلت العلم حربا على الدين وجعلت الدين حربا على العلم، ورأت أنه لا مخرج من هذه الحرب إلا بانتصار العلم وانهزام الدين؛ فانتصر العلم لديها وانهزم الدين (عبد الرحمن، 2007، ص38).

 

ولعل هذا كان جليا في أوروبا في عصورها الوسطى وبداية نهضتها، في وقت كان الصراع بين العلم والدين على أشده، عندما كان العلماء يتجهون اتجاها معاكساً تماماً لاتجاه الكنيسة وباباواتها، مع تدهور في نظام الكنيسة، وضعف واضح في سلطتها التي بلغت أوجها في العصور الوسطى، وقوة نسبية اكتسبها العلماء نتيجة ما توصلوا إليه من اكتشافات أقنعت الناس بقيمتها، وجذبتهم إلى رحابها (ميرا، 2009، ص7).

وظن الناس والعلماء معهم في أغلب الأحيان في ظل انبهارهم بالنتائج التي توصلوا إليها في المجال الطبيعي أن لدى العلم الطبيعي إجابة عن كل سؤال واستفسار يتعلق بأي أمر من أمور الطبيعة وما وراء الطبيعة، أو أن له القدرة على بحث كل شيء متعلق بهذه العوالم، بل إنه الوسيلة الوحيدة التي بها يعرف الخير والشر، وبه يحسم الخلاف في كل ما يتعلق بالإنسان والكون، والله، وبطبيعة الحال، وبحكم الظروف المختلفة من انتصارات غربية في ميادين العلم والسياسة، وانحطاط وتدهور في أنظمة الكنيسة، وتأييد شعبي للعلم والعلماء كان العلماء في مواجهتهم مع الكنيسة في وضع يردون الصاع صاعين، وما فعلته الكنيسة بالعلماء في بداية العصر الحديث كان العلماء في وضعهم الجديد يفعلونه بالكنيسة وأصحابها.

 

في هذا الجو المشحون بالحماس للعلم وأهله، والبعد عن الدين ممثلاً في رجال الكنيسة في تصرفاتهم وسلوكياتهم، كان على أي نظرية أو مذهب أو دين أو فلسفة تريد أن تجد لها أرضاً وقبولاً وأنصاراً وثباتا أن تقدّم نفسها في صيغة يرضى عنها العلماء الطبيعيون ولو في المناهج على الأقل (ميرا، 2009، ص8-9). في هذا المزاج العام تطور القول بالتناقض بين الدين والعلم، بل كما كان يقال "يبدو العلم كاسحاً كل ما أمامه. وفي سكرة النجاح بدا قادراً على بيان كل شيء، وفي عقول الكثيرين كان هناك اقتناع بأن فجر عصر جديد قد بزغ، وأن الإنسان بقدراته المستقلة على وشك التغلب على جميع العقبات التي تعترض طريقه نحو التقدم والسرور، أما فيما يتعلق بالدين والإله فلن تكون هناك أي حاجة إليهما"(ميرا، ص8).

 

بل إنا نجد جون تندال في 1874 ميلادية يقول: "نحن ندّعي وسننتزع من اللاهوت جميع النظريات الكسمولوجية، وإن الأنظمة المختلفة التي انتهكت حتى الآن حرمة العلم (الطبيعي) عليها أن تسلم نفسها للعلم وتخضع لحاكميته، وتتخلى عن أي تفكير للتحكم فيه، وإن على جميع الأنظمة أن تتعلم التكيف مع ما يقتضيه التطور العلمي أو تنسى نفسها تماماً" (ميرا، 2009، ص9).

 

غير أن الأمر المشكل هو أن يوجد من بيننا من يتبنى هذا الموقف دون تمحيص أو مراعاة الفارق بين دين ودين، بل محض تقليد، وما أدرك اصحاب هذا الموقف من المقلدة "أن أسباب النـزاع بين العلم والدين عند غيرنا لا وجود لها ألبتة عندنا، مهما تكلفت من أسباب المشابهة بيننا وبينهم، ومهما لفَّقت من تُهم لتاريخنا حتى يكون بسوء تاريخ غيرنا، طامعة في أن يُقبل موقفها كما قُبِل موقف غيرها، وهيهات أن يُقبل! فالفجوة بيننا وبين سوانا في هذا الأمر لا هي حفرة تُردم ولا هي هوة تُعبر" (عبد الرحمن، 2007، ص38).

بعبارة اخرى كما يذكر – الدكتور عدنان محمد فقيه- من أنه في مؤتمر عقد بجامعة بركلي سنة 1999، كتبت مارغرت ورثيم عرضا للمؤتمر لمجلة العلوم الصادرة عن أكاديمية نيويورك للعلوم عدد أبريل 1999م، أثارت فيه "نقطة جوهرية تكررها في ثلاثة مواضع من مراجعتها لقضية الدين والعلم من خلال ما أثير في المؤتمر المذكور آنفاً، وهي: ما هو الدين الذي نتحدث عنه حينما نعقد المقارنة بين العلم والدين؟".

 

وكما يذكر الدكتور عدنان، فإن هذا تساؤل مشروع ومهم، يهمله كثير من الكتاب في الموضوع، وخاصة المقلدة من الحداثيين في العالم الاسلامي، حيث أنهم "ينطقون من خلفية مسيحية أو يهودية فيناقشون مسألة الدين عموماً باعتبارها ممثلة في التراث اليهودي- المسيحي فحسب، أو باعتبار هذه التراث عينة مماثلة للدين بوجه عام". وهذا ما جعل مارغرت ورثيم تنعي هذا الأمر وبشدة على مروجيه وتطالب حين البحث في هذه المسألة بالنظر إلى كافة الأديان والمعتقدات الأخرى حتى وإن كانت معتنقة من قبل قلة من الناس. وتشدد على هذا الأمر في ختام مقالها مشيرة إلى الصراع القديم الذي كان بين الدين والعلم والذي كان سببه التعصب المسيحي. تقول مارغريت ورثيم كما ينقل عنها الدكتور عدنان: "إن ظِلَّ التقليد المسيحي لا يزال يجثم على العالم، ومن الواجب على حركة (العلم والدين) ألا تكرر أخطاء الماضي. والسؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: عند أي تأليف بين الدين والعلم أي إله وأي تصور عن الكون يجب تضمنه في هذه العملية". ولعل هذا التقليد هو ما اشار إليه الدكتور طه عبد الرحمن في نقده لهذا الموقف، من خلال نقده للتعميم الذي يقوم به المقلدة من ابناء امتنا للفكر الغربي، فيعممون احكاما منقولة من سياق حضاري وديني مختلف على السياق الحضاري والديني الاسلامي دون تمحيص ولا نقد ولا تحقق بالفروق.

 

وفي هذا السياق يمكن أن نذكر شبلي شميل الذي كان يرى أن العلم هو الدين الجديد وأن الدين والعلم لا يلتقيان ابدا بل يتناقضان، لأن الدين سبب كوارث ومصائب الانسان، وأن العالم واوروبا ما قامت فيها النهضة إلا بعد أن تخلصت من الدين بفعل العلوم الحديثة (شميل، 1983، ص 29 وما بعدها). وفرح أنطون الذي كان يرى ان الأديان كلها مثل بعضها في عدم عقلانيتها، وأنها التقدم والتحضر لا يتم بالدين بل بالعلم، مما يدل على أن الدين والعلم في وعيه متناقضان. ولا يخفى أنه كان يتبنى مقولات التطور الداروينية والمقولات المادية الماركسية (أنطون، 1988). كما يمكن ذكر أمثلة كثيرة من الحداثيين العرب الذين يتبنون مثل هذه المقولات التي تجعل الدين والعلم على طرفي نقيض، وإن بلغة مختلفة ومصطلحات مختلفة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة