قصتي مع آية الجمال في اسطنبول "آيا صوفيا"

"آية من الجمال".. أذكر أن هذا ما شعرت به وقلته في نفسي عند زيارتي لأول مرة في حياتي متحف "آيا صوفيا" أحد أشهر المعالم الدينية التاريخية والسياحية في مدينة اسطنبول التركية، كنت مندهشا لما رأيته من جمال وروعة لهذا الصرح العظيم، الذي كان في يوم من الأيام أكبر كاتدرائية في العالم، فهو يجمع بين كثير من المتناقضات في آن واحد، ويكفيك أن تعرف بأن هذا المتحف "سابقا" كان مسجدا ومن قبل كان عن نشوئه كاتدرائية أرثوذكسية شرقية في العهد البيزنطي.

 

وحين تتأمل كزائر عادي لهذا المكان الذي يقع على تلة في الضفة الأوروبية من مدينة إسطنبول واحتضنت ضفاف البوسفور جدرانه لأكثر من 1500 عام، لتزينه ويمدها بانعكاس رائع ساحر على سطح مياهه، تصيبك الدهشة من ضخامة وعظمة وألوان هذا البناء الجميل من الخارج، فما بالك إن وطأته قدماك بين أرجائه حتى يأخذك في رحلة عجيبة إلى الماضي الحافل بالروحانيات، والتصاميم التاريخية الرائدة.

 

وأنا بطبيعتي أحب الأماكن التاريخية وخاصة التي ترتبط بقصص حقيقية، وعند زيارتي لآيا صوفيا أول مرة كنت أظن أنها ستكون المرة الأولى والأخيرة لأنه لا يوجد فيها شيء –حسب اعتقادي- ولكني تفاجأت بأنني بعد الزيارة الأولى تمنيت زيارتها مرات أخرى حتى أملأ عيني بجمالها وروقنها الجذاب الساحر الذي يسرقك إلى عالم آخر من الخيال والتأمل في التاريخ العظيم بعيدا عن الواقع المؤلم، وستظل آيا صوفيا لغزا يحير الكثيرين ممن شاهدوها بأم أعينهم بسبب التناغم الحضاري والثقافي الغريب الذي تضمه بين أرجائها، فيمكنك في آن واحد مشاهدة رموزا وأيقونات مسيحية ما زالت باقية على جدرانها حتى يومنا هذا، وبمقابلها الآيات القرآنية تزين الأرجاء في تداخل ثقافي مبهر.

 

ويعتبر "آيا صوفيا" صرحا فنيا ومعماريا فريدا من نوعه؛ لأنه يحتوي على العديد من الزخارف والكنوز الإسلامية مثل لفظ الجلالة (الله جل جلاله) واسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أسماء الخلفاء الراشدين بالإضافة إلى رموز ورسومات مسيحية في أعلى السقف مثل صورة السيدة مريم العذراء تحتضن السيد المسيح بالإضافة إلى لوحات الفسيفساء من الفن البيزنطي القديم، وبعض قبور السلاطين العثمانيين، كما يحتوي على محراب وعواميد وقبة كبيرة وضخمة و4 مآذن كبيرة بنيت في العهد العثماني.

وتعد "آيا صوفيا" من أبرز الأمثلة على الخليط العجيب بين العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية، وحسب معظم الروايات التاريخية فإن الإمبراطور البيزنطي جستينيان بدأ في بناء هذه الكنيسة عام 532م، واستغرق بنائها حوالي خمس سنوات حيث تم افتتاحها رسمياً عام 537م لتخرج لنا بهذا الشكل الفريد، ولم يشأ جستينيان في حينه أن يبني كنيسة على الطراز المألوف والتقليدي في زمانه بل كان دائما يميل إلى ابتكار جديد كما حدث معه في آيا صوفيا.

 

وقد جمعت كنيسة أيا صوفيا العديد من الأفكار المعمارية التي كانت موجودة في ذلك الوقت بل هي تعتبر قمة ما وصل إليه المعمار البيزنطي في مجال البازليكيات. وكان الاهتمام موجها نحو تجميل المبنى وزخرفته بدرجة كبيرة من الداخل، وقد استغل جستينيان جميع إمكانيات الامبراطورية البيزنطية لزخرفة وتزيين المبنى فجزء كبير من الجدران مغطى بألواح من الرخام بأنواع وألوان متعددة، كما زينت السقوف بنقوش من الفرسكو والفسيفساء، وبالرغم أن معظم المناظر قد غطيت في عصر الدولة العثمانية بطبقات من الجبس ورسم فوقه زخارف هندسية بالخط العربي إلا أن كثيرا من هذه الطبقات سقطت مع التصدعات وظهرت المناظر القديمة أسفلها.

 

واستمرت الكنيسة في الاستخدام كمركز للدين المسيحي لفترة طويلة حتى دخول الدين الإسلامي إلى القسطنطينية عام 1453م على يد العثمانيين، وكان لا يوجد للمسلمين في المدينة مسجدا ليصلوا فيه "الجمعة" التي تلت الفتح، فلم يسعفهم الوقت لتشييد جامع جديد في هذه المدة الزمنية القصيرة، فأمر السلطان محمد الفاتح بتحويل "آيا صوفيا" إلى جامع، ثم بعد ذلك قام بشرائها بالمال، وأمر كذلك بتغطية الرسومات التي ترمز للدين المسيحي الموجودة بداخلها ولم يأمر بإزالتها، حفاظًا على مشاعر المسيحين، وما زالت الرسومات موجودة بداخلها إلى الآن.

 

ونعود إلى تجربتي الشخصية مع "آيا صوفيا"، فقد عزمت أكثر من مرة على زيارة هذا التاريخ العجيب للتمعن فيه مجددا وتصوير كل جزء فيه والاحتفاظ بصوره كذكرى فلم أكن أعلم ماذا يخبئ القدر لهذا المتحف. زرت هذا المكان لثلاث مرات خلال خمسة أعوام من غربتي في تركيا وفي كل مرة كنت أشعر وكأنها الزيارة الأولى وأنبهر بجماله وعظمته كأنني لم أره من قبل، وكنت أنظر إلى جدرانه وبنائه المعماري المهول بكل تعجب، وأقول في نفسي أليس من المحزن بقاء هذا المكان متحفا، رغم أنه يوجد به كل مقومات المسجد من مآذن ومنبر ومحراب وزخارف إسلامية ظلت شاهدة على الفتح العظيم للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، ولم يخطر ببالي لمرة واحدة أنه سيأتي اليوم الذي يعود فيه مسجدا يرفع فيه الآذان وتقام فيه الصلوات.

 

وتأكد هذا التمني الذي راودني ويراود كل مسلم يزور هذا المكان ويشعر بقيمته الإسلامية وروحانيته وقداسته ومكانته التاريخية، بإلغاء المحكمة الإدارية العليا في تركيا بتاريخ 10 يوليو 2020، قرار مجلس الوزراء التركي الصادر بتاريخ 24 نوفمبر 1934 القاضي بتحويل "آيا صوفيا" في اسطنبول من مسجد إلى متحف، وهذا يعني ضمنيا التمهيد لإعادة المتحف كما كان على حاله في العهد العثماني، أي أن يصبح مسجدا للمسلمين ودارا للعبادة. وعندما تقترب من "آيا صوفيا" على أرض الواقع وتنسحر بجماله ستشعر بكل كلمة كتبتها عن هذا البناء العظيم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة