الريع الفكري.. تمظهراته وانعكاساته

الفكر ركيزة ضرورية ومصدر أساسي لتحقيق الربح بنوعيه؛ المعنوي والمادي، سواء كانت ثمراته عبارة عن إنجاز أو اكتشاف أو اختراع أو دخل مادي كيفما كان، لكن عندما يكون هذا الربح خارج المستوى التنافسي الشريف يحصل ما يمكن تسميته بالريع الفكري، ويظهر ذلك بوضوح عندما تكون العقلية المنتجة للأفكار لا تعطي للجانب القيمي أي اعتبار، فيعتريها الخلل الذي يجعلها تفقد القدرة الضبطية، لهذا يصير الفكر بسهولة مرتعا للاسترزاق المرفوض أخلاقيا، وهو ما يؤدي إلى حالة من الاستياء لدى الفئة الواعية من المجتمع، كما يتزايد الشعور بالغبن والإقصاء لديها، فلا يعقل أن يستوي الذي يخدم الفكر بصدق وبشفافية تامة مع الذي يضع الفكر في خدمة أطماعه ومصالحه الشخصية.

 

لقد بدأ الفكر رويدا رويدا يفقد قيمته الحقيقية حتى صرنا نرى المثقف الذي له تراكم فكري لا يستهان به يلهث وراء المال ولا يهمه سوى جمع أكبر عدد ممكن منه، كيف لا يكون ذلك والفكر أصبح ينتج ويستهلك كبضاعة لأغراض تفوق في أبعادها تلك الصور المزيفة التي يرسمها في مخيّلة العوام، وبمقتضى ذلك يمكن القول بأن المثقف وإن كانت له إنتاجات فكرية نوعية، قد يصير بين عشية وضحاها في زمننا مجرد كائن دعائي اختير له موقع الظهور البارز، وأحيط بالتشهير والترويج للتسويق جيدا لنمط فكري معين، فلم يعد الفكر خادما للعقل بقدر ما يخدم أشياء أخرى، وصار الإنتاج الفكري مجرد نموذج من النماذج التي تستخدمها الصناعة الدعائية لخدمة الآلة الكبيرة للاستهلاك، وغالبية الطبقة المثقفة في مجتمعاتنا لم تعد صالحة للاقتداء بها، لكونها لا تخدم الصالح العام في شيء، وإنما وجدت بالأساس لتقدم خدماتها لقوى خفية محدّدة لما ينبغي استهلاكه فكريا.

 

يبرز الريع الفكري كجزء من ظواهر الحياة المعاصرة في المجتمعات المتخلفة، وأية ظاهرة تطفو على السطح هذا الوسط المطبق بالجهل تغدو كيانا مستقلا يصعب النيل منه، لأن هذا النوع من الريع يمارس دورات من الترويج المكثف والتداول المستمر، ليس بالمعنى السوقي الصرف وإنما بالمحتوى المفخخ والمضمون الخادع الذي يسمح بالتوسع والتعمق أكثر في أوساط هذه المجتمعات التي يغيب فيها الوعي الجمعي، والانتشار هنا شامل لكل دلالات الظاهرة سواء ممارساتها أو بدائلها أو رموزها أو علاماتها أو خطاباتها، جميع ذلك يمثل انتشارا في مجالات متباينة تخدم إنتاج الريع الفكري وإعادة إنتاجه بمختلف تمظهراته اليومية وانعكاساته المتعددة في هذه الأوساط، فهو يتبدى في كل شيء ولا يفرز اعتباطيا، لكونه يشمل تفاعلات وممارسات مخططة لها، وبتواطؤ القوى تزيد سرعة هذا الريع ويكبر حجمه، كما أن المعطى الثقافي عندما يكون مشبعا بالنفاق، تسهل على الطبقة التي تتبنى هذا الريع أن ترسم معالمها بأساليب ومظاهر خاصة، فهي طبقة تعي ماذا تريد أبعد من كونها فئة بعينها، وممارساتها تقوم دائما على العمالة والعمولة، على اعتبارها بوقا من الأبواق التي تتحرك وفقا لمصالح أسيادها، ومثلما أن ريعها يخلق نقصا في الوعي، فإن انعكاساته تعبُر لطبقات المجتمع قاطبة، وتتغلغل في جميع المجالات.

ومما يلزم معرفته كون التسويق للريع الفكري إستراتيجية تقوم بها أيادي خفية قد تتمثل في جهاز من أجهزة الدولة أو مؤسسة قائمة بذاتها في غياب تام لسيادة القانون، بغرض الإقناع بأن الربح كل الربح فيما عندها؛ وكأنها تقول بالحرف: إما أن تكون معنا فتغنم أو أن تكون في عداد الخاسرين إذا اعتزلت ما نتغنى به ونتبجح بامتلاكه، بهذه الطريقة تتمكن من أمرين: تضمين الذين يستفيدون مما عندها وهؤلاء لا يشكلون خطرا عليها، وتيئيس الآخرين كي لا يأملوا بالنجاح والتميز من دون إتباع سياستها الريعية، لهذا يفرضون على المجتمع شخصيات وأفكار وحقائق مزيفة مغمورة بالتدليس، وعندما يكون المستفيد من الريع الفكري نموذجا يحظى بكل ذلك، فإنه بالتأكيد سيكون مثالا للاقتداء به، ويصبح شعار المخدوعين به: الريع الفكري هو الذي يقود إلى الربح والنجاح على حساب قيم العمل بإخلاص والسعي بتفان وجد ومسؤولية، فيضيع بذلك كل ما له صلة بمنظومة الأخلاق ويسيطر الغرض النفعي على فكر الإنسان.

 

وفي ظل ثورة وسائط الاتصال والتواصل الاجتماعي التحم الريع الفكري بالإنسان وامتد على نحو واسع إلى ميادين ومواقع متعددة، لهذا فهو ليس مجرد ظاهرة اجتماعية بسيطة، وإنما يعتبر حالة ثقافية مركبة تعكس مدى هيمنة تسليع الفكر وسطوة قيم السوق والمال، وأخطر شيء في هذا الريع هو تحوله إلى عمل يدافع عن كيانه وأشكاله وتصوراته، فقد أخذ يظهر نفسه بمختلف الأنشطة، ولم تعد تعطى للمسألة الأخلاقية أية قيمة، وطابع الربح من الإنتاج الفكري الرمزي والمادي غدت تتجلى كنمط من أنماط العيش، خصوصا عند انعدام الرقابة الذاتية التي تجعل الفرد يتفادى الوقوع في مطبات هذا الريع الذي لا يدعنا وشأننا، فالحذر كل الحذر منه لأنه يستطيع الظهور من حيث لا نتوقع، قد يواجهنا مرارا عقب لحظة وأخرى بتمظهراته سواء أكانت فعلا أو موقفا أو غير ذلك من الصور الدالة عليه.

 

لقد أصبح الريع الفكري متجذرا في العقول، مما أدى إلى انحدارها نحو مزيد من الانحطاط والتسطح، وفي الوقت الذي كنا ننتظر ظهور من يسمون أنفسهم مثقفين ليواجهوا هذه الأفة الفكرية التي تهدد البشرية، صدمونا بقيادتهم لحملات هذا الريع بمباركة أصحاب النفوذ السلطوي الذين فتحوا لهم الباب على مصراعيه ليتسيّدوا المشهد الفكري، وتتصدر إنتاجاتهم مجالات التأليف، ويحتكروا الجوائز المقدمة في المسابقات الثقافية، إلا أن ما يمرره هؤلاء "المثقفين" للعامة يبقى مجرد خردة فكرية، وإن وضعوها في ثوب جديد وأنيق عالي التصميم والدقة، ليتمكنوا بذلك من إدخال الغث وتصديره في حلة السمين، وبطبيعة الحال تقدم لهم إغراءات مادية وسلطوية مقابل ذلك، ولا نقول عبثا أن هذا الريع له انعكاسات خطيرة، فتأثيره السلبي على وعي العامة كبير، خصوصا وأنهم يساقون نحو الرديء وفي اعتقادهم أنهم ينالون الجيد، ولا نغالي إذا قلنا أن الريع الفكري يسعى لمنع قيام مجتمع آمن فكريا له وعي جمعي قائم على التفكير السليم والمنهج القويم.

 

ومن يتأمل الريع الفكري وإيقاعاته الخداعة سيدرك جيدا كيف تمرر المغالطات والأوهام وتتسرب في ذهن الكثيرين على أنها الصواب، بعد برمجتها بشكل جيد في العقول لتصبح محيطة بمختلف الأنشطة كأنها شيء عادي لوقوع التطبيع معها، ومن جوانب خداعها ما يحصل للمتلقي بمقتضى الفكر الريعي الذي تتحكم في صناعته أجهزة سرية لها نفوذ قوي، لا يستطيع الإنسان العادي اكتشاف قوة تأثير هذا الريع عليه، مادام أنه خاضع لضرورة اقتناء إنتاج فكري معيّن كشرائه لبضاعة وسلعة يحتاج إليها، وهناك من الريع الفكري ما لا يدرك إلا بعد جهد ذهني مضن، كما أن لبعض الممارسات الريعية فساد شديد يضر بمصالح العامة وقدرات المجتمع كله، خصوصا التي تتحرش بالقيم والمبادئ والأسس الأخلاقية، لأنها تظهر بصورة مغايرة فلا تتصور كما هي على حقيقتها؛ يأتيها التلاعب والتدليس من كل الجوانب، وإن بدت أنها تسوق للقيم العليا إلا أنه لا علاقة لها بها، فهي في الحقيقة مجرد فقاعات فكرية خادعة تموه بها العامة.

وفي خضم ما يعيشه العالم من أزمات، عوض أن تقف أنظمة السلطة بجانب من يقودها لفك شفرات تلك الأزمات وتجاوزها بنجاح، نجدها تدعم صناعة رموز الريع الفكري وأقطابه وتفسح لهم المجال لنشر سمومهم بخطاباتهم الرديئة، والتسلق على حواشي المجتمعات وعيونها تجاه المصالح الشخصية، والاستيلاء عليها للثراء السريع والفاحش مع انتهاك القانون واستبعاد الفئات الأخرى، ولا تكتفي بهذا بل تعمل هذه الفئة على إضفاء القداسة والسلطوية الجائرة على أفكارها، وتستفرغ جيوب العامة بعد إجبارهم على تقديم مقابل مادي لتلك الخدمة الإبليسية الغثة، ويسبق ذلك دعايات مغرضة تهدف إلى الترويج لما سيتم عرضه من إنتاجات فكرية كيفما كان نوعها؛ سواء عن طريق وسائل الإعلام أو غيرها من الوسائل، الأمر الذي يزيد من تأزم الأوضاع وركودها.

 

إننا سائرون رغما عنا نحو مجتمع غارق في الريع الفكري، خصوصا وأن البروز الساطع أصبح من نصيب من يسوّق لهذا الريع، فيدفعون مختلف فئات هذا المجتمع للبحث عن الحضور والظهور بكل الطرق في العالمين الواقعي والافتراضي، لا تهمهم الوسيلة بقدر ما يهمهم الوصول للغاية التي تبررها في نظرهم الميكيافيلي، وإن تسببوا في العبث بعقول الآخرين، ورموا الأخلاق عرض الحائط، وسفهوا المنجزات المتميزة، وشوهوا مسارات النجاح الشرعية، لقد انقلبت القواعد التي تحكم الفكر إلى معايير ريعية، وصارت الفكر مفهوما ملغوما، فقد نراه في ظاهره يخدم المصلحة الجماعية، لكن في باطنه ما وجد إلا لحماية مصالح البعض، وصارت أغلب النخب يتحكم بها كالكراكيز وتسخر لخدمة الطبقة المسيطرة التي تقبض على مقاليد السلطة في وسط لا مكان فيه للعقول المالكة لفكر نقدي، بات الهدف تشكيل عقول تتناسب مع ريعهم، لقد تسللت نمطية تفكيرهم إلى كل شيء، حتى مختبرات البحث العلمي لم تسلم من ذلك، فقد حولوا مراكز العلم إلى مصانع لتعليب الفكر، إلى حد الوصول إلى أجيال لا تعرف سوى الطاعة والخنوع والتملق وتفتقد لمهارات التفكير العليا، مما أدى إلى انعراج منحنى الصعود نحو القاع، فالريع الفكري أفسح المجال للابتذال والتسطيح والعبط.

 

إن هؤلاء الذين يجعلون من الريع الفكري مذهبا راسخا، ومن الامتيازات الريعية حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضايا الفكرية مطية لتحقيق مصالحهم الذاتية، لا يعدو أن يكونوا في مرتبة مجرمي الحرب ومنفذي الجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن منصبهم أو انتسابهم فهُم لا يستحقون أن يفلتوا من يد العدالة، وبعيدا عن طلب محاكمتهم لاستفادتهم من هذا الريع، نحن أمام واقع يستدعي بالضرورة وبشكل استعجالي إعادة النظر جذريا في كيفية تدبير الشأن الفكري سواء تعلق الأمر بما هو تنظيمي له علاقة بالممارسة العملية وتراتيبها وقواعد تدبيرها أو بالغايات والقيم العليا التي ينبغي الالتزام بها كموجه حقيقي للإنتاجات الفكرية، لكي لا تنجرف نحو هاوية الريع الفكري ويحدث السقوط السريع فيه.

 

ونؤكد مجددا في هذه السطور الأخيرة على أن الفكر الإنساني النبيل بات على المحك، خصوصا بعد هيمنة الريع الفكري الذي تأسس على آليات أيديولوجية محددة ومدروسة بعناية؛ بغرض تنميط الفكر وقولبته، وجعل إنتاجاته تقوم على الربح بطرق غير شرعية، وتمرير هذه المغالطات يمكن بسهولة من التلاعب بالعقول وإخضاعها، لهذا نحن في أمس الحاجة لنكون يدا واحدة أكثر من أي وقت مضى من أجل محاربة هذا الريع، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون تكوين عقلية لها من الضبط الذهني ما يجعلها تحمي أفكارها من مخلفات انتشار التفكير الريعي الذي يمنع من فرض حالة من الوعي الجمعي المستدام، ولا يكون ذلك من دون العمل الدؤوب الذي يحتاج لصبر كثير للقضاء على تسطيح التفكير وتنميطه، ومقاطعة تسليع مضامينه الفارغة ومحتواه المبتذل، من خلال إرساء معالم فكر هادف تثقيفي وتوعوي يواجه التباين القائم في الفكر الريعي بين التنظير والتطبيق العملي، ويلزم لذلك إنشاء هيئة عامة تكون مهمتها إبراز ذلك الفكر المبني على أسس ممنهجة بدقة وفق معايير مُقنَّنة وبرامج مُحدَّدة وآليات واضحة، وبهذا نستطيع أن نرتقي بالفكر في مجتمعنا إلى المستوى اللائق لتكون له مكانة متميزة وفاعلية عالية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة