البعد المكاني في السيرة النبوية.. لماذا الجزيرة العربية؟

إن "المكان" يمارس سلطة من نوع ما على من يقطنه، ويزداد هذا التأثير كلما عزّت مقدرات الحياة في ذلك المكان. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم استطاع ـ بما ثبت لديه من دلائل إعجاز ـ أن يمارس هو السلطة على المكان، ويجعله مظهرا من تجليات النبوة، وأداة من أدواتها، ويستثمر مقتضياته، ويتغلب على معوقاته.

 

وفي هذا المقال –ومقالات أخرى قادمة إن شاء الله تعالى- سنستعرض مظهرا من مظاهر نجاح الدعوة الإسلامية، وملمحا من الملامح التي شكلت أبعاد نضجها وكونها آخر رسالات السماء إلى أهل الأرض، عبر توظيف "المكان" في نجاح هذه الدعوة، وما مارسه "البعد المكاني" على وعي الجماعة الإسلامية، والكيفية التي استثمره بها النبي صلى الله عليه وسلم، وجعله ميزة إضافية تحقق العزة للإسلام والنصر للمسلمين، سواء في حال الدعوة أو في مواطن الصراع مع قوى الشرك.

لماذا الجزيرة العربية؟

كان هناك عالم يتطلع إلى نبي، وأمة تتطلع إلى نبي، ومدينة تتطلع إلى نبي، وهناك أبوان أصلح ما يكونان لإنجاب ذلك النبي، لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون مهبط رسالة الإسلام في هذه البقعة من الأرض دون غيرها، وأن يحمل مشعل الدعوة الإسلامية العرب دون غيرهم، وأن يقوم بإبلاغها محمد بن عبد الله دون غيره؛ لأن الحضارة في العالم من حول الجزيرة العربية كانت متداعية، أو شارفت على النهاية، وفقدت منظومة القيم التي تمدها بأسباب البقاء والاستمرار، تلك القيم التي تبسط العدل، وتحمي الضعيف، وتعلي النجدة، وتقضي بالشرع، وتختار الأصلح والأنسب في جميع الأمور، من دون اعتبار لنسب أو عشيرة، أو أن يمارس المال سطوته في تحديد منازل الناس وأخلاقهم.

 

ففي شرق الجزيرة العربية، كانت فارس تغرق في مراتع اللهو وبراثن الشهوات، وسخر المجوس من دينهم، وأدخلوا فيه أحط العادات، وبدلوا الفطرة السليمة بأمور تحط من قيمة الإنسان وتجعله أقرب إلى البهائم المسيرة بلا إرادة منها، وفي الغرب، سيطرت النزعة الاستعمارية العسكرية على الروم، وأشعلوا الحروب في كل مكان، وبدلوا تعاليم المسيحية، وأدخلوا فيها ما لا يستوعبه عقل أو تقبله فطرة سليمة، ولم يسلموا من انحرافات أخلاقية جعلوها جزءا من ثقافة العادة والسلوك، أما الحبشة في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية، فكانت ضائعة بين بقايا دين وأوثان مستعارة من الحضارة تارة ومن الهمجية تارة أخرى، كما أنها لم تحمل رسالة إلى الدنيا، أو تمثل مشعلا قيميا يضيء الظلام من حولها، ولم ترق لتكون طورا من أطوار التاريخ، ولم تقدم منجزا في الحضارة الإنسانية.

لكن الجزيرة العربية -باتساع صحرائها- ظلت منعزلة عن مظاهر الانحلال والفساد التي أدخلتها فارس في دينها، ولم يكن لديها ذلك الطغيان العسكري الذي مارسه الرومان؛ فجعلهم يخرجون من حرب ليدخلوا في أخرى، بل ظل أهل الجزيرة على فطرة أصيلة، ونزعة قوية إلى القيم الإنسانية العليا؛ كالوفاء والكرم والنجدة والشهامة والشجاعة. غير أن العرب كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق نحو البناء على ما لديهم، وتهديهم إلى بناء حضارة جديدة تُصلح ما أفسدته الحضارات الأخرى التي تتهاوى من حولهم.

 

كانت الجزيرة العربية أمة لا تجمعها دولة، لكنها كانت مستعدة لإقامة هذه الدولة، وكانت عالمة بمكانها بين الأمم من حولها، وتعرف قيمتها، ومع ذلك تدرك مواطن النقص التي تعوزها، سواء في طبيعتها المكانية، أو نقص مواردها، أو اجتماع قبائلها على قواعد وأسس تجمع شتاتها المبعثر في صحراء مترامية.. فوجودها المكاني جعلها تتحكم في تجارة الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وتحت حراستها تسير القوافل من فارس إلى الروم، ومن الشام إلى اليمن، ولا سلطان لأحد عليهم. وعرفوا موطن الخطر ممن يحدقون بصحرائهم، ثم لمسوا في مرات عديدة محاولات القوى من حولهم لممارسة السلطة عليهم، والإجارة على ممتلكاتهم، والرغبة في إخضاع هذه النفوس الأبية، وابتلاع وجودهم.

أطماع وممالك

وكان ذلك واضحا في الممالك العربية التي أقامتها هذه القوى على أطراف الجزيرة العربية؛ فالمناذرة أقاموا مملكتهم في الشمال الغربي للجزيرة، وكان ولاؤهم للفرس، وفي الشمال الغربي كانت مملكة المناذرة، التي كانت تابعة للروم، وفي الجنوب بسط الأحباش سلطانهم على أرض اليمن، فدولة الروم تطمح إلى أن ترسل لمكة من يحكمها، بعد أن دان بعض العرب لها في مملكة الغساسنة، وأصبحوا أحلافا  لها في الشمال الغربي للجزيرة العربية، ودولة الفرس لم يتوقف طمعها في هذه المنطقة عند حدود إمارة المناذرة، واشتد الصراع بينها وبين الحبشة على اليمن، حتى هزمتها الأخيرة وأصبح اليمن خاضعا لسلطان ملك الحبشة، ويدين بدينه، وامتدت أطماع قائد جيوشه وحاكم اليمن إلى السيطرة على أهم مدينة في الجزيرة العربية، على مكة، وإلى هدم أقدس بقعة عند العرب، البيت الحرام.

 

وكانت حملة أبرهة الحبشي لهدم الكعبة حلقة من حلقات الصراع بين القوى الكبرى التي تحيط بالجزيرة العربية من الشرق والشمال والجنوب، وهي تأكيد لفكرة بسط النفوذ الاستعماري الذي كانت تمارسه هذه القوى على القبائل العربية المبعثرة مثل حبات رمال الصحراء التي يعيشون عليها، وتعد محاولة ملك الحبشة هذه أعظم حدث وقع في تاريخ الجزيرة العربية قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وعُرف باسم "حادثة الفيل"؛ فقد ذكره الله تعالى في كتابه العزيز: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعسف مأكول". ولم تخل دراسة في السيرة أو التاريخ إلا تناولتها، وأفاضت في ذكر أسبابها، ونتائجها.. على أنها جميعا تفيد بأنها أحد أمارات ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم.

الانتصار للبيت الحرام

وبعيدا عن التفاصيل والأحداث التاريخية التي رافقت قصة "أصحاب الفيل"؛ فإن القدرة الإلهية في هذه الحادثة تتجلى من زوايا عديدة:

الأولى: أن هزيمة جيش أبرهة لم تكن بقدرة بشرية، أو استعداد عسكري قام به أهل مكة في مواجهة قوة عسكرية معادية، لكنها إرادة أسمى من ذلك، فقد جاء الانتصار على جيش ضخم بأسباب لم يعرفها العرب أو البشر عامة؛ ومن ثم كان الفضل لله وحده في ذلك.

الثانية: أن قريشا التي تشرف على البيت الحرام كانت تدين بالوثنية، وتعبد الأصنام، ورغم أن دين النصارى خير منهم، فإن الله تعالى هزم أبرهة، فكان ذلك انتصارا من الله تعالى لبيته الحرام، وإعلاء لقيمته في نفوس العرب، وحفظا لمن فيه.

 

والثالثة: أنه لو قدر لأبرهة أن يهدم الكعبة ويدخل مكة؛ لانتهك حرمتها وأوقع أهلها في الأسر، وسبى نساءها، فكان ذلك حفظا للنبي صلى الله عليه وسلم من أن يجري عليه السبي حملا أو وليدا.

 

هذه التجليات الإلهية في حفظ هذه البقعة الجغرافية كانت مقدمة لحدث تاريخي لم تشهده المنطقة والعالم من قبل، حدث تضافرت فيه كل المعطيات المكانية والأحداث السياسية والقيم الأخلاقية لميلاد نبي للأمة، ليقودها نحو بناء الحضارة المنتظرة، بهدي سماوي وبلاغ إلهي؛ فكان نعم القائد الذي لا يدانية رجل آخر في صفاته ومقومات أخلاقه، ولا يشابهه رجل آخر في مناقبه التي هيأته لاستقبال تلك الرسالة الروحية المأمولة في المدينة.. وفي الجزيرة العربية.. وفي العالم بأسره.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة