أردوغان وآيا صوفيا.. هل يسعى "السلطان" لإحياء الخلافة؟

آيا صوفيا رسميا تعود مسجدا بعد عقود طويلة من تحويلها لمتحف عام 1934. لا أحد أبدا يشك بضخامة الخطوة التركية، خاصة من الناحية الرمزية والتي تتقاطع عندها خطوط السياسة والثقافة والتاريخ، سنسلط الضوء في هذا المقال على أهم مبررات الخطوة التركية، عن خيارات الرد الغربي، وكذلك سنحاول الإجابة على سؤال يطرحه الكثيرون: هل يسعى أردوغان فعلا لإحياء الخلافة العثمانية؟

أولا: مبررات الخطوة التركية

إن المحدد الأهم للقرار التركي كما نراه لا يخرج عن إطار الرمزية السياسية. فهذا الصرح لا يعني مجرد مسجد في مدينة فيها أكثر من ثلاثة آلاف مسجد. آيا صوفيا هو رمز الفتح الإسلامي لمدينة إسطنبول، وفي تحويله لمتحف عام 1934 جانب رمزي مهم جدا وسم بالفعل مرحلة دامت عقودا طويلة من الإذعان والانكسار التركي أمام الإرادة الغربية المنتصرة في الحرب. إن حزب العدالة والتنمية، الذي قاد تركيا عبر ما يقارب العقدين من الزمن، نحو الندية مع الغرب سياسيا واقتصاديا وعسكريا، يدرك تماما أهمية ومحورية الجانب المعنوي في إعادة إحياء الأمم.

 

فتركيا اليوم، وعلى الرغم من كل إنجازاتها، ما زالت تعاني خصوصا من إرث الماضي الذي كبلها ومن رمزيته التي تمس هيبتها أمام العالم. لذلك فإن القادة الأتراك، الطامحين لدور تركي أكثر عمقا وتأثيرا في المنطقة والعالم، يدركون جيدا بأن البعد المعنوي والرمزي في عالم السياسة ليس جانبا هامشيا أو ثانويا، بل هو الجوهرة التي يجب أن تتوج كل مناحي العمل الأخرى. هذا بالذات هو ما يمثل الفرق بين سياسة أردوغان وبين سياسة من سبقه ممن حاولوا إعادة آيا صوفيا إلى مسجد.

 

فعدنان مندريس ونجم الجدين أربكان بحثا عن الجانب الرمزي قبل أوانه فدفعا ثمنا غاليا. في المقابل، انتبه أردوغان إلى اتجاه العمل الصحيح مستفيدا ربما من تجربة من سبقه. فبدء فعلا بالجانب العملي لإعادة بناء أمته، وعندما تيقن بأن هذا الجانب قد نضج فعلا وأصبحت بموجبه تركيا بلدا نديا بالفعل لا بالقول، توج ما وصل إليه بالجانب الرمزي والمتمثل في إعادة أيا صوفيا إلى مسجد. هذا الحدث الذي وصفه الشاعر التركي الشهير عثمان يوكسل سردنغتشي يوما بأنه "الفتح الثاني لإسطنبول"، ودفع حياته أيضا ثمنا لهذه الكلمات.

ثانيا: أيا صوفيا وخيارات الرد الغربي

لقد بات واضحا بالنسبة للعالم الغربي بأن التبعية التي فرضوها فرضا على تركيا والتي كرستها اتفاقية لوزان لعام 1923 بدأت تنفك عراها واحدة تلو الأخرى. فالندية التركية للغرب، بل والتفوق التركي في عدة مجالات، أصبحت حقيقة ملموسة لا يمكن إنكارها منذ سنوات. هذا ما دفع الغرب للتفكير في إسقاط الحكومة التركية والانقلاب عليها من خلال أذنابهم في تركيا مستخدمين الدبابات والطائرات عام 2016، إلا أن المحاولة فشلت ولم تزد تركيا في المقابل إلى إصرارا. أما اليوم، ومع تتويج هذه الندية بمسجد أيا صوفيا، فقد بدأت مرحلة جديدة من الحرب الضروس التي ما زالت رحاها تدور في بين الخفاء والعلن.

ما هي خيارات الغرب للرد على أيا صوفيا؟

في الحقيقة، إننا نرى بأن خيارات الغرب، ليس للرد على أيا صوفيا فقط، وإنما لمواجهة الدور المتنامي لتركيا بشكل عام، محدودة وصعبة ويبدو بأن الغرب استنفد أساسا الكثير منها على مدى السنوات السابقة، فعلى المستوى الاقتصادي، حاول الغرب، خاصة من خلال أذنابه في المنطقة، استخدام الجانب الاقتصادي لزعزعة استقرار تركيا من خلال التآمر على الليرة وضرب قيمتها أمام الدولار.

 

هذه المحاولات، التي لاقت نجاحا نسبيا، لم تستطع أن تحدث التأثير المطلوب والممتثل خصوصا في تأليب الرأي العام التركي ضد حكومته. الجدير بالذكر أن تركيا تعتبر أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للاتحاد الأوربي، لذلك فإن تضرر الاقتصاد التركي بشكل كبير ليس هو الخيار الأمثل بالنسبة لأوروبا التي تعاني اقتصاداتها أصلا خاصة بعد أزمة كورونا، وهذا ما يمنع الغرب ربما من المضي بقوة في هذا الاتجاه لأن الخسارة ستكون متبادلة.

 

أما على الجانب العسكري والاستراتيجي، فإن موقع تركيا الجيوسياسي من جهة وعضويتها في حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، تغل يد الغرب عن القيام بأي محاولات جدية في طريق ضرب القدرات العسكرية التركية. لكن هذا لم يمنع الغرب عموما من تقليص وتحديد صادرات الأسلحة إلى تركيا خلال الفترة الماضية وحرمانها من كثير من التكنولوجيا المتطورة. إلا أن الرد التركي جاء قاسيا من ناحية الاتجاه نحو روسيا والاتفاق معها على صفقة صواريخ اس اربعمئة المتطورة على سبيل المثال، وهو ما قض مضاجع الغرب وجعله يعيد التفكير مجددا في استراتيجيته هذه. زد على ذلك بأن تركيا حققت نجاحات مبهرة خلال السنوات الأخيرة على صعيد الإنتاج والتصنيع العسكري واكتفت ذاتيا، أو اقتربت من الاكتفاء، في عدد من قطاعات هذا المجال.

أما على الصعيد الإعلامي فإن الإعلام الغربي، ومنذ سنوات طويلة، لا يترك فرصة للنيل من الحكومة التركية دون أن يستغلها. يبدو بأن هذه الحملة المستمرة تؤتي اكلها جيدا من ناحية التأثير في الرأي العام الغربي الذي بات فعليا ينظر إلى تركيا نظرة متوجسة. إلا أن هذا الجانب على أهميته، لا يبدو أنه يستطيع إيقاف تركيا أو النيل منها. لذلك فان بعض الدول الغربية وعلى رأسها اليونان تحاول استعمال الجانب الرمزي أيضا للرد على الخطوة التركية من مثل الدعوة لتحويل منزل مؤسس تركيا مصطفى كمال الواقع في مدينة سالونيك اليونانية، إلى متحف للإبادة الجماعية للبونتيك اليونانيين.

 

أما الطريق الأخطر الذي سلكه ولا يزال يسلكه الغرب للإيقاع بتركيا فهو تبني بعض الجماعات المسلحة وتوجيهها للعمل ضد تركيا ومصالحها في المنطقة، وكذلك محاولات حصار تركيا وتوريطها في صراعات تستنزف قوتها واقتصادها. فالتدخل التركي في ليبيا على سبيل المثال لم يكن سوى تدخل المضطر. فقد جاء كنتيجة مباشرة لاتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي عقدتها دول المتوسط وعلى رأسها اليونان ومصر وإسرائيل وإيطاليا بشكل يستهدف تركيا بوضوح ويجعل حدودها البحرية محصورة في منطقة ضيقة تجردها من جزء كبير من حقوقها في التنقيب عن النفط والغاز في المتوسط.

 

لذلك لم تجد تركيا بدا من الاتفاق مع حكومة الوفاق في ليبيا لترسيم الحدود بين البلدين بشكل يعيد التوازن للمشهد، ولتجد نفسها مضطرة بعد ذلك للتدخل لحماية حكومة الوفاق ضد جماعة حفتر. فوصول هذا الرجل، المدعوم من المحور المناوئ لتركيا، للسلطة في ليبيا يعني بكل بساطة إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا وبالتالي فقدان تركيا أحد أهم المستندات القانونية التي تعتمد عليها حاليا لتثبيت وضعها في المتوسط.

 

وعلى الرغم من الانتصارات التي حققتها حكومة الوفاق بدعم تركي على جماعة حفتر، فإن اللعبة لم تنته هنا ويبدو أنها تسير في الاتجاه غير الصحيح: أما اصطدام تركي مصري على الأرض الليبية، أو تقسيم ليبيا بين الشرق والغرب، وفي كلتا الحالتين تركيا ستكون متضررة. فالسيناريو الأول يشكل معادلة صفرية من الصراع بين قوتين كبيرتين ستستزفان بعضهما دون الوصول لنتيجة مفيدة في نهاية المطاف. أما الثاني فيعني أيضا إمكانية ولادة "شرعية" جديدة في شرق ليبيا تناوئ تركيا وتهدد بالتالي مصالحها في المتوسط من جديد.

أيا صوفيا وبعض الأسئلة "البريئة"

لقد أعاد ملف أيا صوفيا إلى الواجهة سؤالا يطرحه البعض بكثرة: هل يطمح أردوغان فعلا من وراء هذه الخطوات إلى إعادة احياء الخلافة العثمانية؟ في الحقيقة، يخلط هؤلاء بين أمرين مختلفين: الأول يتعلق بالإرادة التركية في الدفاع عن مصالحها في محيطها الحيوي وفي تعزيز وتعميق دورها الإقليمي والدولي بما يتناسب مع إمكانياتها وموقعها وإرثها الحضاري. أما الثاني فيتعلق بالرغبة في احياء الخلافة العثمانية ليصبح أردوغان خليفة للمسلمين.

 

بالنسبة لإرادة أروغان ورغبته في تحقيق الأمر الأول فهي واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج إلى تحليل أو تأويل. أي مراقب للوضع في المنطقة، يلاحظ المساعي التركي النشطة لتعزيز دورها ومد نفوذها على مستوى المنطقة والعالم. ابتداء بالدور التركي في سوريا وفي ليبيا وفي العراق، مرورا بمحاولاتها تعزيز نفوذها في القارة السمراء وفي آسيا الوسطى، ووصولا إلى محاولاتها مد نفوذها الناعم في قلب القارة الأوروبية نفسها.

 

لقد فرضت تركيا بالفعل نفسها كلاعب من الوزن الثقيل في محيطها الحيوي، وهذا لا يعتبر عيبا في السياسة التركية الخارجية. فالطبيعة تأبى الفراغ، وإذا لم تتحرك تركيا لمليء الفراغات التي تتشكل في المنطقة بفعل الانزياحات الاستراتيجية التي تشهدها، فإن قوى أخرى ستتحرك لملئه (انظر الدور الاماراتي والإيراني والفرنسي والروسي على سبيل المثال لا الحصر). في هذا الإطار بالذات تأتي أهمية تعزيز الجانب المعنوي أو الرمزي كما اسلفناه أتأتي الرغبة التركية في تتويج عملها برمزية تحويل أيا صوفيا إلى مسجد.

 

أما بالنسبة لأوهام إقامة خلافة عثمانية جديدة فهذا أمر يثير الاستغراب. إن طرح مثل هذا الخيار على الطاولة لا يتعلق وليس متوقفا على رغبة أو عدم رغبة أردوغان. إن نظاما سياسيا كنظام الخلافة لا يمكن أن يقوم في عالمنا اليوم لأسباب عملية وقانونية وجيوسياسية كثيرة. فاحتمالية إعادة انتاج نظام الخلافة يحتاج بالضرورة لإعادة إنتاج النظام العالمي بأسره على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا لا يمكن أن يتم بدون مخاضات عالمية عسيرة خارجة عن قدرة تركيا وعن قدرة أردوغان.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة