ماوريسيو ساري.. كذبة المتعة تحت غطاء الجمود والخطة

أشهر تلك الاكاذيب كانت محط سخرية، كأننا نقرأ كتاب تاريخ، أو أننا فجأة أصبحنا فاقدين للمعلومة، العمى يصيبنا دوما عن الاشياء التي لا نحبها، وحتى قد يقودنا مسوغ ما لكرهها، لكن عليك أن تؤمن بالإنصاف تلك ميزة من يؤمنون لأنفسهم مكانة محفوظة عند الكل، لا عكس ما يروج من حب للذات يقودك نحو ما لا تحب.

 

رحلتي لثلاث سنوات مع ماوريتسيو ساري كانت ملهمة، كأن كل شيء يدفعك للحلم مع رجل توسكان، في نابولي كنا كذلك، فكيف بتلك الأكاذيب التي نبصرها الان؟ من قبيل أن نابولي كان فريق مثلثات دون توجه للاحتفال نحو الزاوية، أو تلك القائلة أن الفريق يشبه المدرسة الهولندية، ختاما بالقول أن الفريق لم يكن يبتكر شيئا بل مجرد نمط، أو تلك الرائجة أن الفريق كان فريق مرتدات.

 

في هذه المقالات سأفصل نابولي ساري ولو مقتضبا، لأن التفاصيل موجزة، والتساؤل الاول، كيف كان شكل الفريق؟ وهل فعلا كان مجرد فريق متعة، مع أنني لا أعرف معنى المتعة بالضبط عند البعض.

العطر الأول.. كيف بدأ ماوريسيو ساري رحلة نابولي؟

منذ اليوم الأول كان ماوريستيو صريحًا أشد الصراحة، نحن هُنا للعمل، كان مهووسًا، يحمل عُلبة سجائر ومدونةً صغيرة، كان الموسم الأول فرصةً لمعرفة كل خيار متاح، بعد الخسارة المتكررة مطلع الموسم حول ساري الشكل من الـ4-3-1-2 إلى الـ4-3-3، وعكس المُروج فالخطة كانت متغيرة عبر كل مجرى لقاءٍ، لكنها عند بادئ ذي بدأ لن تحتمل المنظومة التشعب المُستمر، كان الشكل ثابتًا نوعًا ما.

وعلى خلاف الصورة النمطية، كان ساري مفاجئًا في تغيير التمركز، قرر أن يكون لورينزو إنسيني صانع ألعاب، تعويضًا لتلك المنطقة التي تربط بين الدائرة والعُمق خلف هيغوايين، كانت غالبية الأهداف أول الموسم تُضبط على إيقاع تحرك لورينزو بين الخطوط، كان أقرب إلى هيغوايين، يستند بعضهما على الآخر في الهُجوم، بعد ذلك كان الاقتناع أن لورينزو على الطرف هو خيار محض، يملك من الأبعاد التكتيكية في صناعة المُثلث المتكامل مع المُهاجم والظهير، أو هامسيك من الخلف، كان ساري يُحبذ وضع خيار خلف ظهير الخصم، لاستغلال التواصل بالتمرير العمودي من هامسيك الذي يُجيد اللعب بالقدمين، مع تحسين جودة توقيت الاستلام والتسليم للسولافاكي، وضبط الوضعية الجسدية في التمركز بالخلف.

 

السبب الآخر خلف هذه التحولات، كون كاليخون كان يميل إلى الطرف بشكل مُبالغ، إضافةً إلى قيمة هيغوايين كهداف رئيسي من عدمها، فكان وضع لورينز أوليًا كخيار للتمرير أو التسديد أو اختراق العُمق حلاً نموذجيًا لاستغلال المهارة الفردية، ومع مرور الوقت أصبح الاسباني حلاً مثاليًا في التحرك القطري نحو العُمق، أو في 1ضد1، في تلك اللحظات من الزمن، كان ماوريتسيو يسجل الملاحظات، خاصةً بعد الخسارة المتكررة، يؤمن شكلاً حديثًا للهجوم المتناسق، يعرف نقاط الضعف والخسارة، ويبرهن على أن التحول في التكتيك أو استغلال المهارة الفردية، أو بناء تقنيات جديدة في الفريق لا يُمكن أن يكون عبر الخطط والأرقام، بل بتغيير نمط الهُجوم المُرتجل مطلع الموسم، فما الذي تغير على وجه الدقة؟

غير مألوف

كان ساري قد جهز كل شيء، أصبح آلان له من القُدرة على المُساعدة الشأن الأكبر، وكان كاليخون يمتلك طريقة جديدة في التواصل مع الأفراد الآخرين، لا يُمكن القول أن نابولي كان فريق لعب موضعي أو لامركزية، بل كان أقرب إلى التمركز النسبي مع جودة أعلى في الهُروب من الخصم، ومحاولة تحرير أكبر عدد ممكن من الأفراد.

ومع مهاجم مركزي قوي في الدوران والمراوغة الجسدية، أعد ساري العُدة لرفع القيمة التكتيكية حوله، كان تقريبًا هيغوايين ثم إنسيني وكاليخون تواليًا يستلمون مهمة الهجوم في الهروب من الخصم، بينما جودة الآخرين تحسنت في اللعب العمودي أسرع مما سنلحظ في الموسمين القادمين، لكن المُختلف أيضًا أن آلان كان يملك سلطةً أعلى أمام هامسيك هجوميًا في الحالات التي يتأخر فيها السلوفاكي لصناعة اللعب من الخلف، ذلك الدور كان لمساعدة الفريق في الخروج بالكرة قبل تحسين جودة جورجينهو في كثير من الجوانب التقنية والتكتيكية الموسمين القادمين.

 

التقدير كان سيد الموقف في هذه المرحلة الهجومية، لكن التعليمات كانت واضحة، الهجوم الثنائي، والتمرير العمودي نحو الأمام، مع عدم الاندفاع، الاستحواذ على حسب كل مرحلة وليس مبدأً راسخًا، مع اعتماد خيار الحلول الفردية والحُرية للثلاثي الأمامي حسب خطة ينتج عنها خداع الخصم فيمن سيكون الرجل القادم للتهديف أو التمرير. هذه الخُدع كان آلان وهامسيك طعمًا فيها عندما يحاولان التقدم نحو الأمام من العُمق للبرازيلي في الغالب، ومن السلوفاكي في التحول القطري على الجهتين أو التحرك العمودي بين الخطوط لصناعة قرار مُختلف حسب كثير من الاحيان، كان الارتجال المنظم ضمن استراتيجية ساري في هذه الأوقات الأولى.

اللحظة الفاصلة.. ماذا عن الحُصون الخلفية؟

كانت خلفية ساري الهجومية، والتي تسعى إلى ربط الحسابات البنكية بالأرباح غير مخالفة لما يريده في الخلف، الأرقام الدفاعية كانت سيئة، والقرار في التدخل والاعتراض والافتكاك لا يحملون سوى طابع الاختلال بالفريق، سواءً كأفراد أو كمنظومة، دفاع الخط ودفاع المنطقة كانا نظامي الفريق، وكان من الصعب أن يندمج فيهما دفاع متهور بسرعة، لذلك كانت الأخطاء في الغالب في التمركز، وفي الوصول لأقرب مساحة محددة من الخصم، إضافة إلى تطويق الرباعي الخلفي لأكبر منطقة محددة في التدريبات.

 

كان التدريب فاصلاً في بناء الصرح، مئات من الساعات، والنتيجة كالآتي؛ ىتلقى نابولي ستة أهداف في أول ثلاثة مباريات، بمعدل هدفين كل لقاء في الدوري الإيطالي، بعد ذلك في خمسة وثلاثين لقاءً تلقى نابولي في الدوري الايطالي، ستة وعشرين هدفًا في خمسة وثلاثين لقاءً بمعدل 0.74. بعد المباريات الثلاثة الأولى، وفي أحد عشر لقاءً لم يتلقى الفريق إلا ثلاثة أهداف. ولم تتلقى شباكه بعد تلك المباريات هدفين أو أكثر إلا في أربعة مباريات في الدوري الايطالي.

كانت كل هذه التحسينات الدفاعية لها الدرجة الأولى على حساب الهجوم رغم أن الفريق تجاوز عدد أهدافه رفقة ببنيتيز، مع تغيير بعض من التكتيكيات والتقنيات تصور ساري أن الدفاع هو الهدف الأساسي، فمن فريق يستقبل أربعة وخمسين هدفاً قبل موسم إلى فريق تلقى اثنين وثلاثين هدفًا فقط.

في زمن المغالطات

قبل خمسين عاما أو أقل كان بإمكاننا تصديق الكذبة، أن هناك فريقًا ممتعًا فقط، أو يبني تصور الفريق حول اللعب الموضعي، أو أن كل فريق يحب أن يمتلك الكرة لأكبر قدر من الزمن هو مجرد فريق مثلثات أو مربعات، أو فلسفة سيرك للمُتابع، لكننا الآن لنا وفرة من المعلومات، المُدخن كان ممتعًا بتصور النظام التكتيكي والتكنيكي والجمل التكتيكية التي كانت مختلفة في الموسم الأول، كنت سأصدق القول أن الفريق كان مجرد فريق يحاول خلق بعد آخر للمتابع حالة تضارب الارقام أو أن نفس دفاع بينيتيز مثلاً كان أقوى ثم أصبح ضعيفًا رفقة ساري.

 

العكس كان يحدث، لأن المتعة التي يبني عليها الكاره استنتاجه، لن تكون محترمة للدفاع ولا لوفرة الهجوم والوصول إلى مرمى الخصم، ساري في الموسم الأول كان يجهز فريقًا له من الشخصية والأسلوب ما يحول الفريق من مجرد رد فعل إلى الفعل، لذلك قد يرى البعض أن الموسم الثاني والثالث كانا جامدين، لكن المفاجأة ستكون في التحليلين القادمين، لموسمي ساري الأخيرين في نابولي، بتفصيل أكثر جعل المنظومة متماسكة غير فردية لكنها تحترم حرية الفرد في إطار تكتيكي يدفع اللاعب إلى الانفجار أمام الفرق الخصم.

في نهاية الجُزء الأول، كان من الأمثل أن نشهد الفرق بين ساري نابولي وإمبولي، أولئك الذين يقولون إن ساري جامد، كنت سأصدقهم لو أنه أجبر الپارتينوپي على اللعب بنفس الطريقة التي لعب بها إمپولي والتي لا تناسبهم أوليًا، وكان من الأمثل عدم مغالطة الجمهور بالقول أن ساري تأثر بموضة بيب، لأن الأول عندما بدأ التدريب في الدرجات السفلى، كان بيب لاعبًا آنذاك.

 

هذه المغالطة سقط فيها محللون نحترمهم، بل حتى إن ساري وبيب يختلفان في كثير من الوضعيات التكتيكية، سواءً هجوميًا أو دفاعيًا أو في البناء، أو في الحالات الأربع لكل لقاءٍ، هؤلاء عندما يرون فريقًا يستحوذ على الكرة ينسبونه للمدرسة الهولندية مباشرةً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة